الوسوم

كان الأمر مختلفاً مع جماعة التكفير و الهجرة (جماعة المسلمين) التي ظهرت على يد "شكري مصطفى" في بداية السبعينات، ثم ضبطت عناصرها عام 1974، عندما اغتالوا الشيخ الذهبي رحمه الله. وقد ظهرت أفكار هذه الجماعة كنبتة ضالة عديمة الجذور، تعتمد على الكاريزما الشخصية لشكري مصطفى وشطحاته كما ظهرت في كراسته التي أسماها "التوسمات"، وكانت كمعظم الجماعات السرية تلف أفكارها غموض الهدف، وراديكالية التطبيق. 

 

وبعد إعدام شكري مصطفى قام رجل يدعى محمد الأمين عبدالفتاح وكنيته "أبو الغوث" بتجميع البقايا الشاردة من الجماعة، وتمكن على مدى سنوات من العمل السري أن ينصب نفسه إماماً لجماعة المسلمين ويديرها ويجند لها الأتباع حتى انضم له المئات في مصر وخارجها ممن آمنوا بفكرة "المفاصلة الشعورية" و "اعتزال المجتمع"..

 

لكن الأمر لم يدم لأبي الغوث طويلاً مع ظهور شاب نابه هو الدكتور وحيد عثمان، فبدأ الأتباع في اكتشاف الأخطاء الشرعية والسلوكية في تصرفات إمامهم، واجتمع المؤسسون للجماعة واتخذوا قرارهم الخطير بإعلان عزل وتكفير إمامهم أبو الغوث، وأعلنوا مبايعة الدكتور وحيد عثمان إماماً لجماعة المسلمين في أنحاء الارض، وطلبوا من جميع الأتباع إعلان السمع والطاعة له.


نادى وحيد عثمان أتباعه إلى الهجرة الداخلية واعتزال مجتمع الكفر، لأنه بيئة غير صالحة بالنسبة لأعضاء التنظيم. تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم، من أجل تأسيس مجتمع جديد أو بديل، على غرار مجتمع يثرب، وبالفعل أقدمت مجموعات كبيرة على ترك وادي النيل والهروب إلى الصحراء أو إلى مكان محدد يقتصر على أفراد الجماعة، وهي الفكرة التي تلقفها ونظر لها ومارسها الشيخ عبد الله السماوي مع جمع من أتباعه، ومن أجلها كانت المناظرة بينه وبين الوالد الشيخ رحمه الله تعالى في حضور الشيخ عطية صقر.

 

وقد جسد يحيي هاشم – الذي أفرد له الظواهري صفحات مطولة في كتابه "فرسان تحت راية النبي" -هذا الاتجاه في تحركاته، وكان هاشم يعمل وكيلا للنيابة قبل أن يترك وظيفته بدعوى أنها حرام شرعا إثر انضمامه إلى جماعة شباب محمد، ولجأ بعدها إلى هضبة البحر الأحمر المواجهة للمنيا يحتمي بها، ويعد عدته للصدام المسلح مع السلطة أو شن حرب عصابات ضدها، ولكن أجهزة الأمن تمكنت من تحديد مكانه وأتباعه، وداهمته، وقتلته.

 

******

على أية حال، فإن الهجرة داخل مصر فشلت لأسباب عديدة، أمنية وجغرافية وتنظيمية، وبالرغم من المناظرات المحدودة التي عقدت بين  منظري هذه الجماعة من المعتقلين  و عدد من علماء الأزهر الشريف بترتيب وزارة الداخلية، أو مع الهاربين بترتيب قادتهم وفي أماكن اختبائهم السرية، في محاولة لإثبات تهافت نظريتهم، إلا أن يقينهم بفكرة "جاهلية المجتمع وكفره"، كانت تعاود جذبهم إلى فكرة "الهجرة"، التي لم تكن إلا رد فعل نفسي لليأس والإحباط والتهميش، أكثر مما كانت التزاماً بتعليمات دينية أو اقتداء بوحي سماوي.

 

وقد تطور فكر الدكتور وحيد عثمان والشيخ عبد الله السماوي في التسعينيات، فبدأ الحديث عن الهجرة الخارجية بوصفها مرحلة حتمية بالنسبة للجماعة، وفي هذا يقول وحيد عثمان: "لسنا مطالبين بالجهاد إلا بعد إتمام الهجرة .. الهجرة إلى أرض يحكمها حاكم عادل حتى ولو كان كافرا .. ونحن نجزم أن البلاد العربية كلها لا يوجد فيها هذا الشرط .. ولذلك فالهجرة متاحة في بلاد أوروبا مثل السويد والنرويج وغيرهما .. وحاليا جميع أرض الله متاحة للأخوة للهجرة إليها .. لكن الهجرة الجماعية كما حددها الإمام المرحوم شكري مصطفى مكانها محفور ومنقوش في صدور الأخوة .. إنها أرض اليمن، لأنها أرض الحكمة، وهناك العديد من أتباعنا ومن الأخوة يعبدون الله فيها، ويعملون وينشرون الدعوة بحرية كاملة، لذلك فإن حاكمها على كفره عادل."

 

و لا أود أن أعلق بحكم شرعي على هذا الرأي، غير أني أثبته كنموذج لما يكون عليه الأثر السلبي لضغط الواقع على تشكيل صياغة الفتوى الدينية.

 

******

شهدت الفترة من 85-94 نزوحًا جماعيًّا لكثير من قيادات الجهاد والجماعة الإسلامية إلى أفغانستان، مثل: أيمن الظواهري  (1985م)، ورفاعي أحمد طه (1987م)، ومحمد شوقي الإسلامبولي، ومصطفى حمزة     (1988م)، وكان المصريون يتجمعون فور وصولهم إلى بيشاور في "بيت الأنصار" أو "بيت القاعدة"، أو معسكر "الخلافة" ثم يتم توزيعهم بعد ذلك على المعسكرات المختلفة في الأراضي الأفغانية.

 

وحققت هذه الموجة من الهجرات أهداف كل من شارك فيها أو سمح بها، فقد خرج عدد من المتهمين في قضايا اغتيال السادات وأسيوط بعد أحكام مخففة، وكانوا لا يزالون على فكرهم القديم بجاهلية المجتمع وكفر حكامه، فتبنى معظمهم مفهوم الهجرة تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم، و رحبت الحكومة المصرية بهذا التوجه وشجعت عليه ودعمته للخلاص من هؤلاء الشباب المزعجين، وكانت أمريكا في حاجة إلى قوات لزعزعة الوجود الروسي في أفغانستان، ولم يكن ثمة أرخص من العرب.

 

و كانت هذه التجربة فرصة لالتقاء العناصر العربية والتنسيق فيما بينها، وتطورت وتشابكت العلاقات إلى حد تشكيل ما يعتبره البعض "بالأممية الإسلامية" أو "الجيش الأممي الإسلامي"، استناداّ إلى ما استفادته عناصر الأفغان العرب من خبرة قتالية، وتكوين كادر قتالي محترف.

 

ويقدر البعض عدد الأفغان المصريين بنحو من خمسمائة إلى ألف فرد، وقد عاد بعضهم إلى مصر ومارسوا بعض عمليات العنف السياسي مثل محاولة اغتيال زكي بدر وزير الداخلية السابق في 16 ديسمبر 1989، ونجحوا في اغتيال الدكتور رفعت المحجوب في 12 أكتوبر 1990، ومحاولة اغتيال وزير الإعلام صفوت الشريف ووزير الداخلية حسن الألفي، وقد ترافقت مع عودتهم موجة واسعة من الاعتقالات في صفوفهم بسبب أخطاء تنظيمية فادحة؛ وقضت المحكمة العسكرية العليا في الإسكندرية في ديسمبر1992 بإعدام ثمانية من تنظيم "العائدون من أفغانستان" الذي يضم قيادات من "تنظيم الجهاد" و"حزب الله" و"الجماعة الإسلامية". الأمر الذي جعل تنفيذ المزيد من العمليات داخل مصر مع التضييق الأمني والرفض الشعبي مهمة شاقة، وغير ذات جدوى.

 

وشكَّلت اليمن والسودان والصومال محطات أساسية للعناصر المصرية في طريق العودة، بعد انتهاء الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، كما توَّرطت عناصر يمنية في نقل تكليفات من الظواهري إلى أتباعه في مصر المتهمين في قضية "طلائع الفتح"، كما شاركت عناصر مصرية في عدد من عمليات العنف التي جرت في اليمن عام 1994م، وحادث خطف السياح الأجانب في نهاية 1998م ومطلع 1999م.

 

وقد شهد عام 1995 تحولاً في إستراتيجية جماعة الجهاد العنيفة يتعلق مضمونه بكل من الأهداف والمكان الذي يتم فيه، ومع وطأة الضربات الأمنية في الداخل اتجهت إلى مهاجمة الأهداف المصرية في الخارج، ما أدى إلى قوع أربع عمليات عنف كبرى خارج الأراضي المصرية، وهي: اغتيال الملحق التجاري المصري في سويسرا في يناير 1995، وإطلاق النار على موظفة دبلوماسية بمدريد في أغسطس 1995، ومحاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا (26 يونيو 1995)، و تفجير السفارة المصرية في إسلام آباد في نوفمبر 1995.

 

******

******

 

Advertisements