وسوم

فى حياة الشيخ محمد عبداللطيف دراز (1890- 1977) مواقف كثيرة مشرفة،فقد فصل من الأزهر مرتين الأولى عام 1919 أثناء ثورة 1919 والمرة الثانية عام 1931 لأنه أرسل برقية احتجاج إلى ملك بريطانيا لاستنكار المعاملة القاسية للمجاهد الوطنى الليبى عمر المختار.

 وفى بداية عام 1919 كان الرجل متوجها إلى مسجد المؤيد لإلقاء درس دينى،وفى الطريق علم بأن طلاب مدرسة القضاء الشرعى بالأزهر ينوون القيام بمظاهرة ضد الاحتلال الانجليزى¡فتوجه إليهم وخطب فيهم خطبته التى انفجرت بعدها الثورة.

وكان الشيخ دراز أول من نادى بالوحدة الوطنية فى خطبة على منبر الأزهر..وأول من خطب فى.سيرجيوس كنيسة الإقباط بالفجالة ومعه القمص اعتقاله.. وبسبب تلك المشاركات اعتقلته السلطات الانجليزية ليلة زفافه،وأودعته فى سجن معسكر قصر النيل.. وفصل من عمله لمدة عامين.

 ******

وقد استقال الإمام المراغي عن مشيخة الأزهر في المرة الأولي في 10 أكتوبر 1929عندما وجد عدم استجابة من الحكومة لمشروعاته الإصلاحية التي كانت تقوم على إلغاء مدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم وفتح باب الاجتهاد وإدخال العلوم الحديثة. وظل المراغي بعيداً عن الأزهر خمس سنوات، تولي المنصب فيها الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، الى أن خرج الأزهر ينادي بالمراغي وألح النداء، وكان الرد فصل 72 من شيوخه وعلمائه.

وظل الشيخ شلتوت مفصولا من التدريس بالأزهر، وبعيدا عن جامعته قرابة أربع سنوات.. فلما اضطر الملك فؤاد إلى الرضوخ لإصرار علماء الأزهر وطلابه على عودة المراغي، والمضي في مشروع إصلاح الأزهر، وسقطت الوزارات المستبدة، أعيد الشيخ محمود شلتوت – وكل المفصولين – إلى الأزهر، مدرسا بكلية الشريعة في ذي القعدة 1353هـ / فبراير 1935م – إبان وزارة توفيق نسيم باشا (1375هـ / 1938م).. وبعد أقل من شهرين عاد الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر – في المحرم 1354هـ / 27 أبريل 1935.

ومع بداية وزارة توفيق نسيم (14 نوفمبر 1934) بدأ شباب الأزهر حركة أعلى صوتاً تطالب بالإصلاح، وامتدت الحركة الى معاهد المدن الأخري، وتصاعدت الحركة حتى يناير 1935، وفي فبراير بلغت الحركة ذروتها وتحدد هدفها في عودة المراغي، وأطلق زعيم هذه الحركة.. الشيخ أحمد حسن الباقوري عبارته الشهيرة إما تحلق راية المراغي، وإما الى القري تاركين الأزهر للبوم والغربان. وتحت هذا الضغط استقال الشيخ الظواهري، وعاد الإمام المراغي الى الأزهر مرة أخرى في أبريل 1935. وظل في منصبه عشر سنوات حتى توفي في 22 أغسطس 1945م.

******

 ولما تُوفِّي الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر سنة (1365هـ = 1945م) اتجهت الأنظار إلى ثلاثة من كبار علماء الأزهر؛ ليكون أحدهم شيخًا للجامع الأزهر، والثلاثة هم: محمد مأمون الشناوي  (1878 –1950 )، وإبراهيم حمروش (1880- 1960) الذي تولى مشيخة كلية الشريعة بعد الشناوي، والشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، رئيس جماعة كبار العلماء، غير أن الملك فاروق لم يكن راغبًا في تولي أحدهم المشيخة، وتطلع إلى شيخ جليل هو مصطفى عبد الرازق ليتولى منصب المشيخة، وهو جدير بالمنصب لعلمه وفضله، لكن تعيينه في هذا المنصب مخالف لقانون الأزهر الذي ينص على أن يكون اختيار شيخ الجامع الأزهر من بين "جماعة كبار العلماء"، ولم يكن مصطفى عبد الرازق حينئذ عضوا في تلك الجماعة المرموقة.

 وحاولت الحكومة المصرية تعديل قانون الجماعة بحيث يسمح بإعطاء عضويته للشيخ مصطفى عبد الرازق، فاصطدمت بالثلاثة الكبار من علماء الأزهر الذين أصروا على الرفض، ولم يكن رفضهم اعتراضًا على شخص مصطفى عبد الرازق أو تقليلا من شأنه، ولكن كان ذلك حفاظًا على القانون، ودفعًا لطغيان السلطة التي تريد أن تعبث بهيبة علماء الأزهر ومكانتهم.

 وقدم الثلاثة استقالتهم من مناصبهم، وتمكنت الحكومة من تعديل قانون الجماعة بحيث يُسمح بترشيح مصطفى عبد الرازق لمشيخة الجامع الأزهر، وعُين بالفعل في المنصب الكبير في (22 من المحرم 1365 هـ = 27 من ديسمبر 1945م)، وتشاء الأقدار ألا تطول مدته في المشيخة فلم يكد يمر عليه عام حتى لقي ربه في (24 من ربيع الأول 1366هـ = 15 من فبراير 1947م)، وأن يتولى المعترضون الثلاثة المشيخة على التوالي، ويكون محمد مأمون الشناوي أولهم في تولي المشيخة.

 وفى يناير عام 1954 اختير الشيخ عبد الرحمن تاج شيخا للأزهر، خلفا للشيخ محمد الخضر حسين الذي قدم استقالته.. وبقى فى المشيخة أربع سنوات، أدخل فيها إصلاحات جذرية, فقرر تدريس اللغات وإقامة مدينة البعوث للمغتربين وكان أول من أدخل التربية العسكرية فى الأزهر. وأول من طالب بإنشاء معاهد أزهرية للفتيات.. وهو واحد من المشايخ العظام الذين رفضوا رفضا باتا تدخل الغير في شئون الأزهر.. وهو علامة جليل وفقيه عظيم.

*****

وفي اليوم الثلاثين من ذي القعدة سنة (1370هـ= 2 من سبتمبر 1951م) عُيِّن الشيخ إبراهيم حمروش شيخا للجامع الأزهر، وكان أول عمل قام به هو تمسكه بزيادة الميزانية المخصصة للأزهر، ودعا إلى وحدة الأمة، في وقت كانت تتعرض فيه البلاد لضغوط من الاستعمار الإنجليزي.

 وأصدر بيانا قويا عندما اعتدت القوات الإنجليزية في الإسماعيلية على الشرطة المصرية، وحاصرت مقرها، وجاء في هذا البيان: "إني باسم الأزهر وعلمائه لأعلن استنكاري لهذا الإجرام الفظيع الذي اُنتهكت فيه الأعراض، واستُبيحت فيه الأموال، واعتُدي على حرية الإنسان وحقه المشروع في أن يطالب بحريته واستقلاله.. وليعلم الإنجليز أن هذه الفظائع التي يصبونها على رؤوس أبنائنا لن تُلِينَ للشعب قناة، ولن ترد عن المطالبة بجلائهم من وطننا العزيز".

 ولم تلق هذه السياسة الحازمة من قبل الشيخ قبولا من الحكومة والإنجليز الذين ضغطوا على الملك "فاروق" فأعفاه من منصبه في (9 من فبراير 1952م).

*****

وقد أقيل الشيخ عبد المجيد سليم من منصبه شيخاُ لللأزهر لما قال عبارته الشهيرة تعليقاُ على سفه الحاشية الملكية في الإنفاق على المظاهر الكاذبة: "أتقتير هنا وإسراف هناك؟"

*****

أراد قانون تطوير الأزهر أن يكون منصب شيخ الأزهر دينيا فقط، ولا علاقة له بالسلطات الإدارية في الأزهر – حتى إدارة مكتبه!.. فخاض الشيخ شلتوت معركة صامتة، تحلى فيها بالصبر والشجاعة، ضد هذا العدوان على سلطات مشيخة الأزهر.. وكتب مذكرات شجاعة إلى رئيس الجمهورية – جمال عبد الناصر وإلى رئيس مجلس الوزراء – علي صبري – مثلت – ولا تزال – صفحات في كتاب الشجاعة والكرامة والشموخ..

   * ثم اضطر لتقديم استقالته من مشيخة الأزهر في 16 ربيع الأول 1383هـ / 6 أغسطس 1963.. وجاء في كتاب استقالته – الذي بعث به الى الرئيس جمال عبد الناصر، عن أسباب هذه الاستقالة:

  … إلى أن أسندت وزارة شؤون الأزهر إلى السيد الدكتور محمد البهي، فسار بها في طريق لا يتفق مع رسالة الأزهر، وما يبتغيه طلاب الإصلاح له، حتى مس كيانه، وصدّع بنيانه، وفي هذه الفترة الأخيرة، التي جاوزت العشرة شهور، ظللت من جانبي أحاول علاج ما ترتب على طريق سيرة من مشكلات، وأدفع بقدر الاستطاع عن حرمة الأزهر وحماه، ولم أدع فرصة إلا التجأت فيها إلى المختصين عسى أن يهيئ اللّه من الظروف ما يستقيم معه المعوج وينصلح به الفاسد. ولكن الأمور أفلت زمامها من يدي، وانتقلت من سيء إلى أسوأ، حتى تحول الأزهر فعلا عن رسالته، ولم يصبح لمشيخة الأزهر وجود أو كيان. وإزاء هذه الظروف السابقة المتجمعة، أجد نفسي أمام واحد من أمرين:

   – إما أن أتقدم آسفا في هذه الظروف بطلب إعفائي من حمل هذه الأمانة، التي أعتقد عن يقين أنكم تشاركونني المسؤولية فيها أمام اللّه والتاريخ.

   ولذلك، فليس أمامي إلا أن أضع استقالتي من مشيخة الأزهر بين يديكم، بعد أن حيل بيني وبين القيام بأمانتها.. واللّه أسال أن يديم عليكم نعمة التوفيق في خدمة العروبة والإسلام، وأن ينهض الأزهر في عهدكم حتى يظل للإسلام حصنا وللوطن وللمسلمين في مختلف الأقطار خيرا وبركة.. والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

   * ومالبث الشيخ محمود شلتوت أن أصابه المرض – كما سبق وحدث للإمام محمد عبده.. عندما حيل بينه وبين إصلاح الأزهر! – فتوفى الشيخ شلتوت بعد خمسة أشهر من تقديمه الاستقالة.. وصعدت روحه المطمئنة إلى بارئها راضية مرضية في 27 رجب 1383هـ. 13 ديسمبر 1963م، في ذكرى الإسراء والمعراج.. بعد عمر امتد سبعين عاما، كان فيه منارة سامقة للاستنارة والإصلاح والاجتهاد والتجديد.

Advertisements