وسوم

يؤمن كل من السنة والشيعة بالمهدي المنتظر الذي يظهر آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جوراً. ولكن الشيعة يسبقون خطوة في هذا الطريق بتحديدهم أن المهدي المنتظر هو محمد بن الحسن العسكري الذي اختفي عام 266 هجرية، وبقي حياً لم يمت، بعد أن دخل في غيبة صغري ثم في غيبة كبرى و هم في انتظار عودته في آخر الزمان!!

 

والثابت تاريخياُ أن محمد بن الحسن العسكري(الملقب بالمهدي) قد حوصر في سرداب في بيت أبيه بمدينة سامراء بالعراق بعد مطاردة العباسيين، وهو في سن التاسعة. وتقول الروايات الشيعية الاثنا عشرية: إنه هو المهدي المنتظر والإمام الثاني عشر خلفاً لأبيه الحسن الإمام الحادي عشر، و أنه قد دخل في غيبة، و أن الشيعة هم وكلاؤه الذين يقومون بالأمر في غيابه حتى عودته. وحين امتدت الغيبة عشرات السنين، أعلنوا أنه دخل في الغيبة الكبرى، تمييزا لها عن الغيبة الأولى و التي سموها بالصغرى، وأنهم في انتظار عودته. و دعموا هذه العقيدة بسيل من الروايات التي تكرس هذه الفكرة التي تقوم عليها أحد مرتكزات الفكر الشيعي كالإمامة والعصمة والتقية ..إلخ. بينما لا تلقى هذه الروايات قبولاً لدى أهل السنة والجماعة لأسباب عملية وتاريخية نعرض لها فيما يلي.

 

بداية.. فإن فكرة أن يكون المهدي شخصاً حياً وغائباً فكرة متكررة في التاريخ الإسلامي. فالقرامطة –مثلاً- يقولون إن المهدي هو محمد بن إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، و إنه حي إلى اليوم!!! و سبقهم الكيسانية الذين جعلوا ذلك لعبد الله بن معاوية من بني جعفر الطيار!!! كما ادعى مثل ذلك في الإمام جعفر الصادق و في ابنه الإمام موسى الكاظم رضي الله عنهم!!! بل إن إحدى فرق الشيعة ترى أن الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه و كرم وجهه لم يمت!!! وهكذا فالفرق بين هذه الفرق – في هذه الجزئية- هو في شخصية المهدي.

 

لكن الأهم من ذلك، هو ما يقوله أحفاد محمد بن الحسن العسكري المعاصرون، الذين ينكرون قصة الغيبة، ويملكون تاريخاً موثقاً لجدهم الأكبر. وهم بعشرات الآلاف الآن – ويقدر البعض عددهم بحوالي 4 ملايين- وينتشرون في الحجاز و مصر و سوريا و اليمن و السودان و ليبيا و فلسطين و الصومال و تونس و موريتانيا و جمهورية مالي.

 

وقد اطلعت على دراسة تاريخية قيمة للصديق الشريف محمد جمال الدين عطواني، يروي فيها قصة جده محمد بن الحسن العسكري، كما توارثتها أٍسرته، وهي موثقة بالمصادر التاريخية، ومستوعبة ومحققة للروايات المختلفة، ومدعمة بالتواريخ التفصيلية في مشجرات أنسابهم، التي صدق على وثائقها نقباء الأشراف و السلاطين في كل مكان حلوا فيه. وأعرض ملخصها فيما يلي داعياً الباحثين لمناقشتها والتحقق من قيمتها العلمية والتاريخية.

 

خلاصة القصة: أنه بعد أن دخل محمد بن الحسن العسكري السرداب، مكث فيه أياماً، ثم تسلل منه ليلا عام 266 هجرية في ثمانين من أهله. و لأن خروجه كان تسللا هاربا من بطش الدولة العباسية الذين قيل إنهم قتلوا والده بالسم، فإن من بقي بسامراء من غير شيعته المهاجرين معه لم يعرفوا كيف اختفي. فاستغل جماعة من المنتفعين شرف نسبه، وروجوا لفكرة الغيبة وربطوها بشخصه.

 

لكن حقيقة ما حدث أن محمد بن الحسن العسكري، بعد هروبه من سامراء مع نفر من أهله من بني الحسن بن علي و من بني عقيل و من بني جعفر الطيار و من بني العباس و من بني مخزوم  و غيرهم توجه إلى بلاد المغرب، وتوجد تفاصيل دقيقة عن رحلته تلك التي شق فيها طريقه عبر السودان مروراً ببلاد مصوع و عطبرة و وادي النيل و برقة و صحراء مدفن الصبيان و محرقة الجمال و بحر الغزال غرب شنقيط و مدينة البرابرة حتى وصلوا زقاق الحجر بمدينة فاس عاصمة دولة الأدارسة من أبناء الحسن بن علي بن أبى طالب رضي الله عنهما. وهناك تعرف عليه الملك و زوجه ابنته أم كلثوم، و أنجب عدة أبناء و توفي و دفن بمدينة فاس عام 290 هجرية و هو معروف لأبناء مدينة فاس إلى اليوم.

 

و لما تهاوى سلطان الأدارسة في أوائل القرن الرابع الهجري، اضطهد أتباع الدولة الأموية في الأندلس أبناء البيت النبوي ممن سكنوا بلاد المغرب فقتلوهم و شردوهم و استمر ذلك حتى زال سلطان الأمويين عن بلاد المغرب مع اتساع ملك الفاطميين. و عبر عدة قرون، انتشر أبناء محمد بن الحسن في بلاد المغرب، و جميعهم من أهل السنة و الجماعة، وسكنوا بلاد الساقية الحمراء و فاس و موريتانيا. كما هاجر بعضهم إلى المشرق، ومنهم القطب الصوفي السيد أحمد البدوي محمد أبو جعافر جد قبيلة الجعافرة الذين يقطنون صعيد مصر.

 

ولا يملك الباحثون من الشيعة الإمامية إنكار مشجرات الأنساب التي تنتهي بمحمد بن الحسن العسكري، ولكنهم يرون أن جد الأسرة محمد بن الحسن ليس هو العسكري بل هو حفيد عمه جعفر و المسمى أيضا محمد بن الحسن!!!  لكن هذا التفسير لا يصمد كثيراً أمام التحقيق التاريخي الدقيق، لأن محمد بن الحسن بن جعفر لم يهاجر أبدا إلى المغرب بل و توفي بعد سبعين سنة من وفاة محمد بن الحسن العسكري، كما أن افتراض صحة هذه المعلومة يستتبع أن نصدق أن خمسة عشر شخصاً على الأقل ممن يتضمنهم النسب الشريف، قد تزوجوا وأنجبوا وهم دون العاشرة، وهي مصادفة تستوجب قدراً من الشك والتريث قبل قبولها.

 

وتبدو القضية أكثر تعقيداً إذا تنبهنا إلى أن هناك عدداً من الأعلام القدماء والمعاصرين ممن ينتسبون إلى هذه الأسرة الشريفة، وهم أدرى بنسبهم من غيرهم. وممن اشتهر ذكره منهم: الشيخ تقي الدين الحصني من علماء القرن السابع الهجري، و القطب الصوفي الشهير السيد أحمد البدوي، و الشيخ صالح الجعفري الشافعي شيخ الطريقة الجعفرية، و الشيخ محمد متولي الشعراوي إمام الدعاة في القرن العشرين، و الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق، و الدكتور مصطفى محمود صاحب برنامج العلم و الإيمان، والدكتور محمود محفوظ وزير الصحة المصري الأسبق.

 

و أخيرا نقول: إننا لسنا بصدد مناقشة صدق أو بطلان العقيدة الشيعية في الغيبة، ولكننا بالفعل أمام معضلة تاريخية وعملية إذا كان علينا أن نختار بين روايتين، رواية يرويها أصحاب الشأن عن أجدادهم، ولا يوجد ما يدفعنا إلى رفضها عقلاً ولا منطقاً، وأخرى تتبناها طائفة من المسلمين وتشكل ركناً من عقيدتهم المتوارثة ووجدانهم الجمعي. بالنسبة لي: اختياري واضح، فماذا عنك أيها القاريء الكريم؟

 

Advertisements