الوسوم

 ترجمة (بتصرف): وائل عزيز

كانت البلدة الواقعة في وسط بيرو نموذجاً للجنة على الأرض.كان المواطنون يفعلون ما يحلو لهم وكانت الأمور فيما بينهم تسير على أفضل ما يكون، لم يكن بالسجن أحد، ففكروا أن يحولوه متحفاً، أما القاضي فكان بقضي معظم وقته في المنزل، ولا يذهب إلى المحكمة إلا لتغيير الجو ومقابلة الأصدقاء القدامى.

كان الجميع سعيداً باستثناء العمدة، الذي كان يبحث عن السيطرة فلا يجدها. ولم ينجح العمدة في أن "يخترع" السلطة، حتى بعد أن سن عدداً من القوانين العبثية التي انصرف الناس عنها وتجاهلوها.

وتفتق ذهن العمدة عن الحل. سارع بجلب عدد من العمال من البلدان المجاورة، وأعطاهم أوامر ببدء العمل على الفور في الميدان الرئيسي للبلدة، بعد أن أحاطوا أنفسهم بأكسية ضخمة من القماش بحيث لا يزعجهم في عملهم أحد. والواقع أن أحداً لم يهتم بما يصنعون. على بعد أمتار من المكان كان المارة يسمعون صوت بعض المطارق، أو مناشير الخشب، أو أحد الملاحظين وهو يوجه العمال، وفيما عدا ذلك لم يكن هناك ما يلفت النظر فيما يصنعون. كان العمدة يراقب تطور العمل بشوق وإعجاب، حتى جاء موعد الافتتاح.

دعا العمدة جميع المواطنين لحضور حفل الافتتاح الذي كان بسيطاً و مهيباً، وفي ظل فضول متزايد أزاح العمدة الستار عن العمل الجديد. مد الجميع أبصارهم.. وتيقنوا منها.. تهامسوا ثم استوعبوا.. نعم: إنها مشنقة.

للأمانة: كانت المشنقة محكمة الصنع جداً، وشكلها الجديد كان محل ثناء الجميع، وكان الحبل الذي يتدلى منها مزداناً بقطعة حديدة لامعة. انفض الاحتفال، لم يعلق العمدة بكلمة، وآثر المواطنون أيضاً الاكتفاء بالمشاهدة.. وانصرفوا.

في أقل من أسبوع تزايدت الهمهمة عن سبب وجود المشنقة. لابد أن بيننا مذنب.. مجرم.. قاتل. من يكون؟ هل هو أنا؟ علي أن أحمي نفسي. الهجوم خير وسيلة للدفاع. سأبدأ بهم قبل أن يتعشوا بي.

وتغير شكل الحياة.. كانت طوابير الانتظار أمام كاتب العدل أطول من طوابير الخبز. فقد شرع الناس في تسجيل كل المستندات التي كانوا فيما مضى يستغنون عنها بكلمة الشرف، وشهادة الشهود. وبدأ القاضي في الذهاب إلى المحكمة مرتين في الأسبوع، ثم كل يوم، ثم في فترة الظهيرة، ثم عين مساعدين له. وبدأ الناس يتقربون إلى العمدة ويتزلفون له ويستشيرونه في أمور القانون وغيرها، خشية أن يقعوا في مساءلة قانونية.

تقول الأسطورة:

 إن المشنقة لم تستخدم قط. ولكن وجودها في الميدان كان كفيلاً بتغيير كل شيء.

 

Advertisements