الوسوم

للناس قدرات وأولويات تختلف باختلاف نشأتهم وقناعاتهم وإمكاناتهم الشخصية. من هنا نفهم تعصب بعض العلماء لكلمة "الدعوة" على حساب كلمة "الحركة". وهو تعصب لا يرجع سببه إلى "التخصص" وإنما يعود إلى الفهم الدقيق (الفقه) الذي يستطيع به العالم الحقيقي أن يميز بين هدف "الحركة" وهدف "الدعوة"، و"إطار عمل الحركة وإطار عمل الدعوة، وفي المجمل تعريف "الحركة" وتعريف "الدعوة".

 

وخلاصة هذه الفروق التي شرحها لي والدي رحمه الله في سهرة طويلة مشفوعة بالأمثلة التاريخية، والنصوص الشرعية المطولة، أن الحركة تتحرك في "جماعة" والدعوة تتحرك في "مجتمع"، والحركة تستهدف "الحكم بالإسلام" والدعوة تستهدف "الحياة بالإسلام"، والحركة تستهدف "رؤوس الحكام" والدعوة تستهدف "قلوب المحكومين"، والحركة مؤقتة عمرها من عمر الهدف الذي نشأت لتحقيقه، فإذا تحقق ماتت أو تحللت، وهي في معظم الأحيان "تقنص"  – من القنص الذي هو القتل- قبل تحقيق هدفها، والدعوة باقية بقاء الدين.

 

ومن الفروق بينهما كذلك أن الحركة أكثر التصاقاً بأهدافها المحددة من الدعوة، وهي أيضاُ أكثر تملصاً في مواقفها منها –لأسباب أمنية-، والحركة تستفز أجهزة الأمن، والدعوة تروغ –في الأغلب- منهم، وإن أصبح هذا الفارق نظرياُ الآن للهواجس الأمنية المتزايدة في معظم الدول الإسلامية، ولغياب هذا الفهم عن ضباط المباحث –في لاظوغلي ونيوجرسي و سكوتلاند يارد- ، ثم إن الحركة تجمع على "حركات"، أما الدعوة فمن الأفضل أن تظل مفردة.

 

وبشكل عملي فإن الدكتور عمر عبد الرحمن المتهم الأول في قضية اغتيال السادات حصل على حكم بالبراءة، بينما حصل المهندس محمد عبد السلام فرج على حكم بالإعدام، وكلاهما لم يطلق طلقة واحدة لأن الأول "دعوي" والثاني "حركي".

 

والأمر ليس أمر تفضيل بين الدعوة والحركة، فكلاهما في هذه الأيام فرض كفاية. وحين تقوم دولة الإسلام الراشدة فستخف الحاجة إلى الحركة، وتتعاظم الحاجة إلى الدعوة لصيانة المنجزات. والحاجة قائمة دائماً إلى "حركيين" يتلقفون الأفكار الدعوية ويضعون لها برامج عمل للسير بها بين الناس، ثم تحويلها  إلى اتجاه ورأي عام في المجتمع، وأحياناً "قوانين" وقرارات إدارية وأحكام محاكم.

 

ولولا هؤلاء الحركيون لفقد الدعاة الأمل في جدوى عملهم، ولفقد الناس الثقة في جدارة هؤلاء الدعاة بفهم صحيح الدين، ولاتهموهم بالعجز عن فهم طبيعة المرحلة وأولويات النضال، وبأنهم أسرى أفكار تقليدية محافظة لم تعد تصلح في عصر الفيديو كليب والوجبات السريعة.

 

وعلى العلماء والحركيين أن يتمايزوا بشكل واضح،  ذلك أن انتماء العالم لأحد التنظيمات الحركية يحد من حرية حركته الدعوية، و ينسب آراءه وفتاواه إلى الحركة بينما من الأفضل لها أن تنشر وتقرأ منسوبة إلى الشرع. كما أن وجوده خارج الحركات يتيح له فرصة المتابعة والمراجعة والنقد والتواصل بغير تحفظات.

 

وعلينا أن نستوعب أن التمايز في الحركات الإسلامية مقبول بل ومطلوب، وأنه كما نقبل التمايز المذهبي فعلينا أن نقبل بنفس الوضوح وبلا لبس أو مداراة التمايز الحركي، وإن كنا ننصح بوجود مستشار دعوي أو مسئول إعلامي في هذه الحركات يضمن لها علاقات رشيدة مع سائر أطياف المجتمع الذي تتحرك من خلاله، وتمارس عملها في فضائه.

 

******

وفي هذا الإطار فنحن في حاجة إلى علماء واقعيين يتنفسون عصرهم، علماء يستوعبون معنى أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وما تعنيه هذه المقولة من وجوب فهم النصوص والتعامل معها بما لا يهمل مقتضيات العصر – دون أن يعني هذا بالضرورة التوافق معها-  ويحسنون اختبار مقولة بعض المثاليين من السلفيين من أن الإسلام – بحسب فهمهم له – يُصلِح كل زمان ومكان. والمقولة صحيحة في ذاتها، غير أن فهم بعض المسلمين للإسلام بما يحصره في مجموعة من الطقوس والشكليات، وإجبار الناس على الالتزام بها – لإصلاحهم وهدايتهم- لا يتفق مع ما يَصلُح للناس فضلاً عن أن يُصلِحهم.

 

وباختصار – أرجو ألا يكون مخلاً- أرى أننا في حاجة إلى خطاب دعوي يقود العمل الحركي، وبحيث يكون محصلة القراءة الرشيدة لثلاثة عناصر بنفس القدر والاهتمام:

 

أولها: النصوص الشرعية من قرآن وسنة، ومن خلالها نفهم التوجهات القرآنية العامة، والمقاصد الشرعية الكلية، وحدود الحركة في القبول والرفض. ومن خلال هذه القراءة وهذا الفهم، يتكون لديه خط عام يجب أن يكون متسقاً في القضية محل الدراسة مع الخط العام للدين الإسلامي. بمعنى أنه إذا ثبت من تتابع النصوص أن الخط العام للإسلام مثلاً: هو قبول الآخر واحترام أسباب اختلافه، فإنه لا يكون مقبولاً أي فهم –لأي نص- يستنتج منه مفسره أن الإسلام يحل ترويع غير المسلمين والتنكيل بهم، فضلاً عن الاستعلاء والتضييق عليهم في التعامل اليومي.

 

وثانيها: تاريخ تعامل وتفاعل المسلمين مع هذه النصوص، وأشكال ممارستهم و تطبيقهم لها، ومدى اقتراب أو ابتعاد هذه الممارسة من الخط العام. وعلاقة هذه الممارسة – التي تختلف باختلاف العصر- بحال الأمة قوة وضعفاً. وهذه القراءة التاريخية تفيدنا في فهم النصوص، دون أن تكون تفسيراً لها. وعلى سبيل المثال فإن أفضل تفسير لقوله تعالى: "وليضربن بخمرهن على جنوبهن"، لن نجده في كتب التفسير، وإنما في كتب الأدب والتاريخ لنحسن تمثل كيف طبق سلفنا النصوص. والقصد أنه مما يعيننا على فهم مراد الله كما جاء في النصوص هو أن نتحقق مما يلي: إذا  حاز أحد أشكال التطبيق قبولاً من المعنيين بالشأن الديني في عصر من العصور، فإن هذا الشكل حجة على فهم النص، وإذا حاز شكل آخر من التطبيقات اعتراضاً عاماً من المعنيين بالشأن الديني في عصر التطبيق، كان هذا حجة على فهم ظروف العصر.

 

وثالثها: واقع الأمة السياسي الحاضر، ومركزها العالمي قوة وضعفاً. وتقدير اختلاف ظروف المسلمين في المكان – أغلبية أو أقلية – كما قدرنا اختلاف ظروفهم في الزمان، وتقدير الواقع السياسي الذي يسمح بقبول سياسي للمرفوض – أو خلاف الأولى – الديني. ومثالي هنا هو نصوص "الجزية" و "الرق" و "الحدود". ولا يجرؤ أحد على إنكار النصوص، ولا فرصة له في تأويلها مع وجود تاريخ واضح من التطبيق، غير أن الواقع السياسي الذي لا يسمح بتطبيقها لا ينبغي أن يؤخذ حجة للانقلاب على الحكام و زرع الفتنة بين الشعوب. والرسول (ص) نفسه على ما له من مكانة روحية غير مسبوقة لزعيم بين أتباعه، وبعد النصر الساحق في فتح مكة، وجد أنه من غير المناسب "هدم" الجزء الزائد من الكعبة لإعادتها إلى قواعد إبراهيم عليه السلام، وقال للسيدة عائشة مبرراً "إن قومك حديثو عهد بجاهلية"، وتأخر تنفيذ هذا التصحيح إلى ما بعد رحليه بعشرات السنين.

 

وأية محاولة لطرح خطاب رشيد بإهمال أحد أضلاع هذا المثلث محكوم عليها بالفشل. وهذا هو السبب في ما نجده من اختلاف ضخم في هذه الأطروحات، بين سلفيين يقرؤون النصوص وحدها، وأصوليين يريدون استنساخ فترات من تاريخ المسلمين والعيش فيها كما هي، وعلمانيين منسحقين أمام الغرب بسبب تردينا السياسي والاقتصادي والثقافي.

 

وفي هذا الإطار فإن "المأمول دينا" وهو ما تعرضه النصوص باعتباره المثال الأعلى في المدينة الفاضلة، قد يختلف مع "المحقق تاريخياً" والذي حاز قبولاً عاماً من المعنيين بالشأن الديني في حينه، وحتى هذا قد يمثل سقفاً أعلى من "المتاح واقعياً"، والذي هو حصيلة جهود جماعات وقوى سياسية واجتماعية متنوعة، وبعض هذه القوى يعادي الدين وبعضها يعمل على إقصائه.

 

ويظل معيار النجاح في طرح خطاب إسلامي رشيد هو جعل "النص الديني" ملهماً لاتخاذ المواقف المعضدة لتحقيق المصلحة العليا للأمة، و قراءة "التطبيق التاريخي" باعتباره مرشداً لأفق التحقيق وحدوده الدنيا، و التعامل مع "الواقع السياسي" باعتباره مسرح الأحداث، ومعمل التجارب، وموضع الامتحان. وفيه تظهر النتيجة، فيكافأ المجتهد بعمله، أما المسرف المهمل  فليس له إلا أن يهان.

 

******

******

 

Advertisements