حسم مؤخراً جدل طويل بين علماء استراتيجيات التسويق حول قضية: هل الأفضل للبائع أن يكون الزبون عالماً أم جاهلاً؟ وكانت الإجابة النموذجية: الزبون العالم أفضل للبضاعة الجيدة لأنه يقدر قيمتها، والزبون الجاهل أفضل للبضاعة الرديئة لأنه يمكن خداعه بشأنها.

ولأن بضاعة المستحمرين من: الاستعمار و الاستغلال و الاستعباد والاستبداد رديئة، ويكشف زيفها الزبائن بأدنى نباهة، فقد كان شغلهم الشاغل هو طمس كل آليات بناء الوعي وتنميته على مستوى الأفراد وعلى مستوى الشعوب، لنشتري أسوأ البضائع بأغلى الأثمان التي ندفعها –تملؤنا نشوة انتصار كاذبة- خصماُ من عمرنا وطاقتنا ومالنا وعلاقتنا مع الله.  

و لا يختلف اثنان على أن شهادة الدكتوراه أفضل من شهادة الإعدادية. ولكن لا علاقة للشهادات بالنباهة. و من المؤكد أنك قابلت –مثلي- عمال مصانع أكثر وعياً بمستقبل أمتهم من وزير الصناعة، و فلاحين أعمق دراية بتاريخهم من مستشاريهم الزراعيين، و بائعي جرائد أدرى بخيارتهم السياسية من رؤساء التحرير.

إن غياب النباهة عن الطبيب والبروفيسور والمهندس هو خطر على الأمة أشد من خطر شح موارد الطاقة، وجفاف منابع النيل، إنه – وليس شكل الحجاب- هو الذي يهدد الأمن القومي.

وعلينا أن نعترف –دون أن نخشى عواقب التكفير أو التخوين- أن الدين (ولا أقصد هنا ما نزل به جبريل على سائر الأنبياء، وإنما الفهم الضيق له والذي احتكره بعض المنتفعين) كان أقوى آليات الاستحمار في الماضي، ولا زال له نفس عمق التأثير في العصر الحديث، رغم محاولات كارل ماركس الفاشلة باستبعاده كونه "أفيون الشعوب".

ورجل الدين – لا أقول العالم – ليس بالضرورة هو حائط الصد ضد الاستحمار، بل ربما كان هو الثغرة أو المعبر الذي يعبر عليه المستحمرون، والجملة صحيحة فيما لو استبدلت عبارة "رجل الدين" ب "رجل العلم".

و المتاجرون بعواطف الجماهير الدينية يتخذون وسيلتين تقليديتين ثبتت فعاليتهما مع الزمن هما: التجهيل والتضليل. لن أحدثك عن الشباب الذي يفجر نفسه في سوق مكتظ بالرواد في بعقوبة أو الحلة بالعراق حالماً بالحور العين، فالتجهيل والتضليل هنا واضح، ولكن أحدثك عني وعنك حين نقع في أسرهما.

أحدثك عمن يستخرجون من أضابير الكتب فتاوى قديمة، وأحكاماً تائهة (مثل: أكل لحم الجلالة، وحلق الشعر قبل الاغتسال، وسقوط الجمعة إذا صادفت يوم عيد، وتحريم الصلاة بين الأساطين، و قص الأظافر لغير المحرم في العشر الأوائل من ذي الحجة..الخ) ثم يرفعون في وجهك ما يثبت جهلك من أحاديث صحيحة السند (منكرة التأويل) لتسلم لهم بالعلم وترضخ. ثم تأتي مرحلة التضليل والإلهاء بشغلك لسنوات بما لا يقيم حضارة ولا ينهض أمة. وقد قابلت أناساً يستطيع أن يحدثك لساعات عن عبقرية التشريع في تحديد نوع الإزالة لكل شعر (نتف الإبط، حلق العانة، قص الشارب، الخ). لكنه لا يعرف حقيقة بسيطة عن دور قوات اليونيفيل في لبنان، أو أطراف الصراع في دارفور.   

وأدوات الاستحمار وآلياته (لا تنس رباعية: الاستغلال والاستبداد والاستعمار والاستعباد) تتجدد باستمرار، كالفيروسات التي تتطور بتطور وسائل الوقاية.

وإذا كان الاستحمار باسم الدين يكشفه العقل المتفتح، والفطرة النقية، فإن الاستحمار باسم العلم والمدنية خفي و مخادع. وإذا كنت ممن يزعجك شكل النقاب وطول اللحية، فالأنسب لحالتك: "الاستحمار الثقافي" لا "الديني".

وفيما كان الاستحمار في الماضي محدوداً بقدرات المستحمرين الشخصية، فقد أصبح اليوم معززاً بالإذاعة والصحافة والقنوات الفضائية، بالتربية والتعليم، بالمعارض الفنية والأفلام السينمائية، ومدعوماً بدراسات معمقة من علم النفس الحديث، وعلم الاجتماع، وبعلم النفس التربوي، بحيث صارت مقاومته على المستوى الفردي أشبه بالتصدي لإعصار بواق من الرصاص.

وقد ظن ابن الجوزي أنه قد أبرأ ذمته من الله حين حصر مئات من مكائد الشيطان في "تلبيس إبليس"، ولم يكن يدور بخلده أن إبليس بعد أن استنفذ وسائله قد أفسح الطريق أمام أجيال جديدة من المستحمرين المفسدين، وأن منهم من يفخر..

قد كنت امرأً من جند إبليس فارتقى     بي الحال حتى صار إبليس من جندي

فلو مات قبلي كنت أحُسن  بعـده     طرائق فسق ليس يحسنـــها بعدي

يقول علي شريعتي: "أداة الاستحمار تنتخب حسب نوع الفرد، الذي يراد استحماره وبعدها، يحرك (المستحمرون) الفرد نحو ميوله، وأخيراً، يصبح عندنا جماعته تنشغل بالرياضة وفريق منشغل بالفن، وآخر بالعلم، وبعضهم بالتحقيق وبعضهم الآخر بالزهد وكل بما لديهم فرحون، فكل شيء إذاً يشغلني "أنا كإنسان، أو عن المجتمع عن الدراية الإنسانية والدراية الاجتماعية هو أداة استحمار."

معنى كلام شريعتي أن المستحمرين (شياطين العصر) يعرفون كيف ينجحون في خططهم الاستحمارية. فإذا وجدوا لدى الفرد ميلاً للتدين استحمروه بالتخدير وأسموه "الزهد"، وإذا وجدوا لديه ضعفاً وجبناً روجوا له مزايا الاستسلام وسموها "الرضا"، وعظموا في عينه مخاطر الرفض وأسموه "التمرد"، وإذا وجدوا فيه ميلاً للفن أٍسروه فيه وباعوا فكرة الفن للفن وأطلقوا عليه لقب "القديس" في محراب الفن، وإذا شعروا بانسحابه إلى الماضي الغابر زينوا له فكرة أن يعيش على "الاتباع".

أما المتمدينون الذين لا يجذبهم الدين ولا الوطن ولا التراث، فقد استحمروهم ب "التخصص" الذي يسلب عنهم الدراية الاجتماعية، وكم من مبرمج حاسوب مبدع أو جراح تجميل بارع فقد شعوره كمواطن وكإنسان، أو استعمروهم ب "التمدن" وهو ليس إلا الثقافة الاستهلاكية للطعام والمتعة أو حتى للعلم والتقنية، أو استعمروهم ب "الحرية"، وذلك بإثارة الحروب الجدلية بين حق المرأة والمجتمع الذكوري، أو الاضطهاد الفكري، وما المقصود إلا إلهاء الفرد والمجتمع عن القضايا الأساسية. والقضية ليست حق المرأة أمام الرجل، وإنما حقهما معاً في حياة أفضل، وليست حق الأقلية المسيحية أمام الأغلبية المسلمة وإنما حقهما معاً في مواجهة الاستبداد والفساد والطغيان.

نحن في حاجة إلى جهاد ذهني خالص لنعي حقيقة معركة الاستحمار، ونعيد إنتاج مفاهيمنا القديمة. علينا أن نكون أكثر نباهة لندرك أن المعركة بين الإسلامي والعلماني مفتعلة، وبين الناصري والإخواني ساذجة، وبين المسلم والقبطي مصطنعة، وبين السني والشيعي مجنونة.

معركتنا الحقيقية في إعادة صياغة وعينا وتنقية ضمائرنا من رواسب التجاوزات القديمة…

النابه لا يعادي أحداً لأنه يخالفه في العقيدة أو المذهب أو الملة أو الجنسية أو اللغة أو الحزب..المستحمر يفعل.

النابه يعادي فكرة.. ومن يمثلها..

النابه يعادي الاستحمار والمستحمرين…

يعادي الاستعمار والمستعمرين و الاستغلال والمستغلين و الاستعباد والمستعبدين والاستبداد والمستبدين.. حتى لو كانوا من نفس العقيدة والمذهب والملة والجنسية واللغة والحزب..

 

لا حل وسط.. والكلام للفرد وللمجتمع..

إما أن تكون نابهاً.. أو (لامؤاخذة) حماراً..

 

Advertisements