الوسوم

لا يحتاج المتابع إلى كبير عناء ليلحظ أنه مع ازدياد حملة العداء السافر للمسلمين، تعود كلمة "الجهاد" لتتردد بقوة في الشارع الإسلامي على يد خطباء المساجد، وبعض الكتاب، بل وبعض جماعات العمل السياسي – في الحكم أو في المعارضة-  في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي.

كما لا يخفى أيضاُ أنه كلما ترددت كلمة "الجهاد" على فم رجل الشارع، كلما ارتفع شعار "تجديد الخطاب الديني" على ألسنة المسئولين، وعلى صفحات الجرائد الحكومية، في وأد استباقي لفعل "الجهاد" عن طريق ترويج ثقافة السلام والتسامح والتغافر والصفح‏,‏ وقبول الآخر والتعايش معه‏ بديلاً عن الجهاد. وهي قيم إسلامية نبيلة بغير شك، لكن سياق تطبيقها هو مواقف النصر وليس لحظات الضعف‏.‏ التسامح والتغافر –كما فعل الرسول في مكة وكما فعل صلاح الدين في القدس- كان تتويجاً لجهاد دعوي استمر ما يزيد عن عشرين عاماً أو نضال تحريري تحقق بعد تسعين سنة‏,‏ ولم يكن –أبداً- دليلاً على استسلام أو رسالة نكوص عن مقاومة المحتل والمعتدي‏.‏

وبينما يرفع راية "الجهاد" إسلاميون إصلاحيون أو سلفيون، يتولى الترويج لشعار "التجديد" علمانيون لا يخجلون من إظهار عدائهم للدين متمثلاً في مصادره وعلمائه، في استغلال خبيث لتداعيات أحداث سبتمبر 2001، وما سبقها وتلاها من صعود لظاهرة العنف التي اجتاحت عدداً من البلاد العربية، ومارس فيها متطرفون شباب عدداً من حوادث التفجير والقتل والاختطاف.

ومن الإنصاف أن نعترف أن "الخطاب الديني المتعصب" يتحمل جزءاً من مسئولية التطرف، بما قدمه من غطاء ديني –منزوع السياق- برر لمجموعة من ذوي الأمزجة الحادة، والمصالح الخاصة سلوكهم العدواني، وشجعهم على القيام بأعمالهم العنيفة بحجة أن الاستيلاء على الدولة "العلمانية" – أو على الأقل تقويض سلطتها – هو فاتحة الطريق لنصرة الدين.

لكن توفر التبرير والغطاء الشرعي شيء، والسبب المحرك للعنف شيء آخر، وهو – في ظني- السياسات المتعسفة للنظم السلطوية التي أدت إلى مزيد من التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي والكبت الاجتماعي بما ساهم في نمو التطرف بشكل متسارع. أضف إلى ذلك: هذه العلاقة المشبوهة بين النظم الحاكمة وبين الاستعمار الأمريكي والاحتلال الصهيوني، وما يثيره الظلم واليأس -اللذان يملآن فضاء المواطن العربي المسلم – من مشاعر تدفع إلى الانتقام للكرامة والدين والوطن رداً على العدوان، وحفظاً للشرف.

وقد أسرف البعض في استغلال هذه الفرصة، وركبوا هذه الموجة، وبادروا للدعوة إلى مؤتمرات في مصر وفرنسا والمغرب ولبنان وأمريكا وغيرها، لمناقشة هذا التجديد، و تحديد أهدافه ومحاوره وأبعاده، واستبعدوا من هذه المؤتمرات – و يا للعجب- الممثلين الحقيقيين للفكر الإسلامي، وخرجوا هم بتعريفاتهم، وتوصياتهم، ونصائحهم، التي مهدت الطريق للسياسيين لاتخاذ قراراتهم المستفزة للمشاعر الدينية.

وهكذا أصبح "التجديد" لدى هذا الفريق مرادفاً "للتبديد" أو على الأقل "التجديف"، وأصبح "الخطاب" في عرفهم هو "الثوابت الشرعية"، وأصبح "الدين" الذي يبشرون به هو "الحداثة". وكأن الترجمة الفصحى لمضمون شعارهم هو: "تبديد الثوابت الشرعية لصالح الحداثة".

******

إلاّ أنّ هذا الاغتصاب للمصطلح ينبغي ألا يمنعنا من ممارسة حقنا الشخصي في المراجعة والنقد والتصحيح. و يظل قول الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي عن الشيطان الذي حبسه ثم أطلقه، بعد أن نصحه: "صدقك وهو كذوب".. يظل هذا التعبير النبوي البليغ أفضل ما يقال عن الدعوة الأمريكية للعالم الإسلامي بشأن "تجديد الخطاب الديني"، و"الإصلاح السياسي". وأمثال هذه الدعوات التي هي نتيجة دراسات يصرف عليها مئات الملايين تظل حبيسة في الأدراج لسنوات، ثم يكشف عنها عندما تدعو الحاجة، ويتهيأ الظرف السياسي المناسب لتطبيق توصياتها.

والحق أننا لسنا في حاجة إلى شئ اليوم قدر حاجتنا إلى هذا التجديد، ولكن بالمعنى الذي أراده عليه الرسول صلى الله عليه وسلم حين بشر أنه يبعث على رأس مائة كل عام من يجدد للأمة أمر دينها (الحديث رواه أبو داوود في الملاحم)، وليس بالمعنى الذي يقصده الغربيون ومن لف لفهم من المستغربين.

والمقصود بالتجديد هنا استبعاد ما علق بالدين من عادات وقيم ليست منه، وفعل التجديد هنا لا يقصد به التغيير إلى الجديد، بقدر ما يقصد به العودة إلى الجذور، تماماً كما يفعل المرء لتجديد منزله بإعادة طلائه باللون الأصلي، وترميم ما عدا عليه الزمن من أحجاره ورسومه.

والمقصود بالخطاب هنا هو الأساليب الإعلامية والشخصية والمجتمعية والوسائل المادية والتقنية التي يمكن أن يصل بها "الدين" بالمعنى التالي شرحه إلى الجمهور من المسلمين وغير المسلمين. بما يناسب المكان والزمان والظروف والأحداث والقضايا التي يعاصرها الناس.  

والمقصود بالديني هنا هو "الدعوي"، أو "الرؤية" و"المقاصد" و"الأهداف العليا" و "الأولويات"، أو هو ما استقر في أذهان الناس مرادفاً للدين. والتجديد هنا ضرورة شرعية لإصلاح ما وقر في وعي الناس عن الدين، وهو للأسف خليط مشوه من عبادات خالية من الروح، وعادات ليس لها أصل وإنما ألحقت بالدين لاحقاً، و خرافات موروثة تَنسِب لمخلوقات أسطورية قدرات شفائية وتصريفية مطلقة، و تحيطها بهالة من التقديس  ينهى عنه ويحاربه الشرع الحنيف، و إيمان كاذب بقَدَر مصطنع يبرر الهزيمة والاستسلام أمام العدو الخارجي، وأمام النفس التي أنهكها طول فترة الهوان والاستخذاء.

 والمعنى المقصود إذن ب "تجديد الخطاب الديني" الذي يجعل منه فريضة حياتية وضرورة شرعية تأثم الأمة إن قصرت في أدائه هو: "إعادة فهم وإيصال مرادات الله تعالى من عباده بما يناسب احتياجات مجتمعاتهم". ودليله الشرعي قوله تعالى:

 "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم".

 و"الرسل" الآن بعد وفاة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم هم العلماء، و"لسان القوم" هو لغتهم من مفردات وتراكيب ، ومنطقهم الذي يختلف من بلد إلى بلد ومن ثقافة إلى أخرى، ووسائل إعلامهم المرئية والمقروءة. و "التبيين" المطلوب هو وضع الخطوط العريضة تحت القضايا الحقيقية التي يجب أن يصرف إليها الناس اهتمامهم، وليس القضايا المفتعلة التي تسرق جهدهم، ووقتهم وقدرتهم على العطاء والإبداع.

 

Advertisements