الوسوم

نحو خطاب إسلامي رشيد

أقصد ب"الخطاب": الروح السائدة والقيم الحاكمة والمقاصد العليا، كما أقصد اللهجة والنبرة والأداء. ولا أقصد ب "الإسلامي" معنى دينياً علوياً يتمايز به تمايز منافسة عن غيره من الأديان، ويتفاخر به أتباعه أمام أتباع سواه من العقائد، وإنما أقصد معنى حضارياً يتحاور به مع غيره من الحضارات، ويخاطب به "الإنسان" من حيث كونه إنساناً بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الجغرافي. و "الرشد" أقصد به تمام العقل والحكمة، حجباً للنقائص والصغائر، وإبرازاً للقيمة والمصلحة والخلق القويم.

"الخطاب الإسلامي الرشيد" الذي أدعو إليه هو في الحقيقة: "روح حضارية عاقلة"، تستهدف منابت الخير في القلوب (كل القلوب)، وتحيي غائب الحق في الضمائر (كل الضمائر)، وتهدي إلى طريق الله المستقيم الذي نزل "رحمة للعالمين" قبل أن يكون تمييزاً للمسلمين.

وما نكبت الأمة الإسلامية بامتدادها الجغرافي الهائل بكارثة أكبر من غياب هذا الخطاب بين جموع المشتغلين بالفكر الديني. بل وما نكبت البشرية ببلية أعظم من نكبتها من غياب هذه "الروح الحضارية العاقلة" من دائرة التأُثير على القرار السياسي والثقافي والاجتماعي في محافل اتخاذ القرار في عواصم الدول العظمى وأجهزة الأمم المتحدة، ومناهج الإعلام والثقافة والتعليم.

و لا جديد في الاعتراف بأن الخطاب الديني المعاصر هو مرآة للواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وإذا كان هذا الواقع متخلفاً، فعلينا أن نتوقع هذا القدر من التخلف في خطابنا الديني.

ولا يجد العلماء المخلصون حرجاً في وصفه– وهم من المولدين له – بأنه خطاب متناقض، ففي الوقت الذي يتقبل فيه كثيرا من المنتجات العصرية، ويتعامل معها، يهاجم التقدم ومساوئ التكنولوجيا الحديث، فيبدو الأمر وكأننا أمام حالة انفصام في الشخصية الدعوية.

وهو في أغلبه خطاب إنشائي تشنجي متشائم، يميل إلى الإدانة أكثر من النصح، والتأثيم أكثر من التوجيه، والترهيب أكثر من التشجيع، والتثبيط أكثر من بث الأمل. وهو خطاب مختل يطرح القضايا الخاطئة في التوقيتات الخاطئة فيحيل الأصدقاء أعداء، فبدل أن يواجه الاستعمار وأعوانه‏,‏ وجه كل طاقته لمحاربة – وليس تصحيح- مجتمعاته نفسها‏,‏ بعد أن حكم عليها البعض بأنها ارتدت إلي جاهلية ما قبل الإسلام‏,‏ وسادها الكفر والضلال.، كما أنه خطاب مهتز يتأثر بسطوة الحاكم وبسطة السلطان وأهواء الجماهير، وهو مع ذلك ضيق الأفق يهمل التغيرات الكونية الهائلة، ويدفن الإبداع – حتى في التناول- في قبور سحيقة من الطين والتراب.

 و الخطاب الإٍسلامي الذي نرجوه وندعو له وننادى به: هو إسلامي من جهة المنابع لا من جهة المخاطبين به، وهو تقدمي لا اعتذاري، وهو كوني لا عنصري، وهو دستور "المعراج".. وهو:

خطاب إيماني: يفترض خالقاً للكون يدين له بالمرجعية لأنه أدرى بمصالح عباده، ولا يعترف بمرجعية القوة التي نتجت عن تقدم العلم، أو ازدهار الاقتصاد، ولا مرجعية العادات الموروثة والتقاليد البالية. خطاب ينادي بمجتمع مؤمن يسجد لأوامر الله، ولا ينصب نفسه قيماً عليها ومقيماً لها، ويربي فرداً مؤمناً يستمد من إيمانه عزة النفس، والثقة بالله، والتواضع، والتواصل الإنساني النبيل. خطاب يتعامل مع سائر الموجودات باعتبارها مخلوقات الله التي سخرها للإنسان للارتقاء به، لا إهانتها والعبث بها، واستخدامها في غير ما خلقها الله تعالى له. خطاب يستلهم "مراد الله" ويبحث عنه وينشره وينافح عنه ويضحي من أجله.

خطاب إنساني: أخلاقي متدرج، لا ينكر حاجات النفس الإنسانية، دون أن يقرها على الاستسلام لضغوط غرائزها. وهو خطاب معتدل رفيق حكيم قام ليزيل الحرج عن الناس. والخطاب الذي يشعر معه الناس بأن التزامهم بالدين يوقعهم في حرج، ويلزمهم بما يعزلهم عن المجتمع، ويختزل الدين في قوائم طويلة من الكبائر والمحرمات والمكروهات، تقدم لهم في قوائم جاهزة كقوائم المطاعم.. هذا الخطاب فاشل في التعبير عن مراد الله من عباده، وفاشل في خلق الفرد المسلم الذي يريده الله لقيادة هذا الكون.

خطاب واثق: منفتح على الثقافات الأخرى، لا يخشاها ولا يصطدم معها، ولا يذوب فيها، وإنما يختلف معها دون أن يقود هذا الاختلاف إلى العنف أو الضيق، فما يدفع إلى الضيق من الآخر هو المغالطة التي يمارسها الآخر في منطقه، وما يدفع إلى العنف معه هو الرغبة في دفع العدوان المادي الذي يمارسه الآخر في سلوكه، وليس اليأس من المحاورة والمناظرة. وهو خطاب يؤمن بواقع الاختلاف بين الناس وحق الآخر في اعتقاده بصواب ما يعتقد‏,‏ ويقوم بواجب الشهادة علي الناس. وهو خطاب يستند إلى حقائق علمية لا أباطيل موروثة، غير متردد ولا هو مغرور. وهو مستعد لاستيعاب وتفهم حجة المخالف، والاستفادة من التواصل مع الآخر، بمراجعة النفس وتصحيح الخطأ وإبراز نقاط الالتقاء والاتفاق مع الآخر‏.‏

خطاب شمولي: غير اجتزائي، وغير غارق في التفاصيل المنزوعة عن سياقها. يرفض أن يجتزأ الدين في قضايا هامشية مثل اللحية، وطول الثوب، ومكان الساعة وصعيد التيمم، ودعاء القنوت. وإنما يتوجه اهتمامه إلى قضايا كلية مثل: التوحيد والعدل والحرية والشورى والمساواة، والرحمة، والولاء والبراء، والبر وحقوق الإنسان. يميز بين القتال المرفوض والجهاد المشروع، وبين السباب والشتم وبين الجرح والتعديل، لا يعامل الناس بمنطق المحقق الذي يستخرج أدق التفاصيل من المتهم، وإنما بمنطق الطبيب الذي يستمع من الشكوى بقدر ما يلزم لوصف العلاج.

خطاب تقدمي: يُصلِحُ الحاضر، ويستشرف المستقبل، ولا يستسلم للماضي ولا يهمله. وإنما يتبنى طريقة: نظرة للخلف، وعشر خطوات للأمام. يعتمد إعادة قراءة النص الديني، والتجربة التاريخية للمسلمين في ضوء معطيات العصر الراهن باعتبارهما أساس التقدم. ولا ينظر للمنجزات الحديثة نظرة ازدراء، ولا نظرة رهبة، وإنما نظرة تمحيص، يأخذ منها ما يتفق مع تعريفه للتنمية، ويدع ما يخالف ثوابته وقيمه الأصيلة.

خطاب متوازن: بين الدفاع عن الإسلام وبين إنهاض المسلمين. بين العقل والوجدان، لا يغرق في أحلام مستحيلة ولا يستسلم لواقع مرير. لا يخضع لابتزاز الواقع ليحكم به على النص، و لا ينكر النص لاتساع الفجوة بينه وبين الواقع. يستلهم الحل من النصوص القطعية، لكنه لا يتوقف في فهمها عند ما فهمه الأسلاف من معانيها. مبدع في الصياغات ومقلد في الأصول. لا ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، لكنه حذر في تعريفه للدين والمعلوم والضرورة. 

خطاب استنهاضي: يزيل الغبار عن مواطن الفخار في تراث المسلمين الحضاري، ويرفع عن المسلمين المعاصرين إصر شعورهم بالدونية الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية. يستحثهم على استعادة مجدهم، ليس بالبكاء على اللبن المسكوب، وإنما بتنمية ثروتهم، واستغلال طاقاتهم، وتحديد أهدافهم، والسعي لتحقيقها. يتبنى قصص النجاح البسيطة، وينسج منها مشاريع نهضة تاريخية، يحول الشاب المحبط اليائس الكسول العاطل إلى ماكينة إنتاج و شاشة إبداع وكتاب أمل.

خطاب توحيدي: يتجنب إثارة العداوة وردود الفعل السلبية، ويلتزم التواضع ولا يضيق بالمعارضة. يدرك أنه لا سبيل لنا لإصلاح الداخل، بينما نترك الخارج يضربنا ويحتل أرضنا، ويخرب عقول شبابنا. ولا ينبغي لنا أن ننسى مسلمي الغرب الذين يصعب عليهم أن يندمجوا في المجتمع الغربي لإسلامهم، ويشق عليهم كذلك أن يكونوا مثلنا في ترتيب الأولويات والسلوك. ونحن نريدهم قوة معنا، نساهم جميعاً فيما فيه خير أنفسنا وخير بلادنا. ولا يمكن أن ننقاش مثل هذه القضايا في ضوء أحاديث مبتورة عن تحريم موالاة الكافرين، أو الإقامة بين ظهرانيهم، والأحاديث صحيحة السند والمتن، لكن فهمنا لها هو "الشاذ" و"المنكر".

خطاب شجاع: في ضوء واقع مسرف في التعقيد، يدرك أن السير على طريق التجديد لا يخلو من مخاطر، وأنه ينبغي أن تكون الاستجابة على قدر التحدي. وهناك محاذير يتوجس منها خيفة رافضو التجديد، الذين يتصورون أن فتح هذا الباب سينتهي بالناس إلى نتائج من مثل أن الحجاب اختيار شخصي، وأن فوائد قروض البنوك غير ربوية، وأنه لا بأس من أن يصلي المسلم الأمريكي الجمعة يوم الأحد، أو تقف الرجال والنساء في صف واحد في الصلاة.. الخ. وهي مخاوف في محلها. لكن علينا أن نكون أكثر ثقة في علمائنا. في علمهم بالدين وفهمهم للواقع، وقدرتهم على التمييز بين المقصد الشرعي الثابت، والوسيلة الشكلية المتحولة.

أسئلتي هي:

أي من مؤسساتنا الدينية على امتداد رقعة العالم الإسلامي قادرة على إنتاج هذه الخطاب؟

وكم من أعلامنا المعاصرين قادر على تبنيه وإعداد قاعدة من الدعاة القادرين عليه؟

و من من قادتنا السياسيين يبادر باعتباره مشروعه التاريخي الأعظم، وصرحه الإعلامي الأبرز؟

..أتلفت حولي في أسى، وأنا أتهيأ –متثاقلاً- لأداء صلاة جمعة، عرفت من الوزارة أن موضوعها اليوم في كل المساجد هو "الاغتسال من الجنابة".

 

******

 

Advertisements