الوسوم

                     الاختراق: من تعليم المهارة إلى غرس القيمة

  //

من قال لا أُصدِق… قلت له تأمل.

ومن قال لا أقدر… قلت له حاول.

ومن قال لا أعرف… قلت له تعلم.

ومن قال مستحيل… قلت له جرب.

//

 

تماماً كما توقعت. جاءت الكثير من التعليقات على دعوة "الاختراق" متعجلة أو متشككة أو أسيرة قناعات قديمة.

وهذا بدون شك ظاهرة إيجابية..

وهي تعني أن القراء الكرام معنيون بالتنفيذ، وجادون في المحاولة… وليسوا مجرد منبهرين بعبارات منمقة وجمل حالمة مغرية.

إنها لبداية موفقة.. أن يحاصرك الهجوم من كل جانب..

         زهقنا من الكلام…قل لنا كيف؟  (تعجل)

         لا اختراق حتى نزيل النظم الغاشمة الجاثمة على أنفاسنا. (قناعة قديمة)

         لا فرصة لتطبيق الاختراق وحولنا كل هذا الفساد. (تشكك).

الحمد لله. هذه تحديداً –كما تقول الكتب- أعراض مقاومة التغيير. وهي أعراض يعرفها أطباء الإصلاح ويعرفون كيفية علاجها. العلاج ليس سهلاً.. لكنه مجرب ومعروف.

………………..

لمزيد من التوضيح دعني أقص عليكم هذه التجربة الشخصية ….

قبل سنوات حضرت دورة مدتها 36 ساعة عن القراءة السريعة… قبل حضور الدورة ظللت شهوراً أرفض الفكرة وأظن أنها "نصب في نصب"  و "ضحك على الذقون"، وأن حضور هذه الدورة تضييع وقت..

المهم حضرت. دعك من أنها كلفتني ثروة (ما يساوي 5000 جنيه مصري)، وأنا أؤمن أنه لا شيء مجاني.. يحب أن تدفع مالاً أو وقتاً أو راحة بال لتحقق ما تريد. وأن عليك أن تدفع ثمن النجاح كاملاً ومقدماً، وأنه (كما هي قيمي) من طلب عظيماً خاطر بعظيم.

بدأت الدورة باختبار سرعة القراءة للمشاركين (حوالي 30 شخصاً) وباستخدام جهاز يشبه الميقاتي. كان متوسط سرعتنا هو من 120 – 150 كلمة في الدقيقة بمعدل استيعاب من 45%-55%. (متوسط سرعة الأمريكي 250 كلمة في الدقيقة بنفس معدل الاستيعاب).

سألنا المحاضر عن توقعاتنا عن السرعة التي نود أن نصل إليها بعد انتهاء الدورة. تمنيت أن أضاعف سرعتي إلى 300 كلمة في الدقيقة وتمنى أكثرنا تفاؤلاً أن يصل بسرعته إلى 500 كلمة في الدقيقة. سجل كل منا هدفه من الدورة في كتيب تمرينات خاص. ثم قال لنا المحاضر، أعدكم إن اتبعتم نصائحي ومارستم تمارينكم أن تصل سرعة أقلكم استجابة إلى 3000 كلمة في الدقيقة، ومن يفشل في تحقيق هذا الرقم سأعيد إليه نقوده, مرة أخرى الرقم ثلاثة آلاف أي عشرين ضعف السرعة الحالية. (كانت سرعة المحاضر 20 ألف كلمة في الدقيقة، أما الرقم العالمي فهو مسجل باسم شخص أمريكي سرعته مائة ألف كلمة في الدقيقة. نعم مائة ألف ربنا يزيد).

ماذا كان رد فعلنا لهذا الوعد بهذا الاختراق المذهل…. تماماً كرد فعلكم…

         قل لنا كيف وبسرعة؟ (تعجل)

         ما تقوله مستحيل ولا سبيل لتحقيقه. (تشكك)

         ولكن – بالمنطق- الوصول إلى هذا الرقم مستحيل. (قناعة قديمة).

طبعاً بالتركيز والتمرين نجحنا جميعاً في الامتحان. وقرأ أحدنا بسرعة 4000 كلمة في الدقيقة. ألمح في عيونكم الدهشة والتشكيك، ولكنها ببساطة الحقيقة التي لا أعرفها وحدي وإنما عرفها أكثر من 100,000 شخص حضروا هذه المحاضرة مع هذا المحاضر من قبل. وبالمناسبة المحاضر هو الأستاذ المدرب الكويتي جمال الملا.

قلت لكم إن مدة الدورة كانت 36 ساعة. ولم أقل لكم إن ما يزيد عن 25 ساعة منها قضيناها في ألعاب وتمارين وأحاجي لا علاقة لها –في ظننا – بالقراءة، وكان الهدف الوحيد منها هو التخلص من عاداتنا القديمة في القراءة، وقناعاتنا القديمة عن القراءة. والباقي قضيناه في تعلم طرق جديدة. نعم أنت في حاجة إلى تقضي في التخلص من العادات والأوهام (التي تعلمتها من قبل) ثلاثة أضعاف ما تقضيه في تعلم شيء جديد.

…………

لا أريد أن يكون هذا محاضرة عن القراءة السريعة. ولكن دعني أقدم لكم – وأفاجئكم- بقائمة من القناعات القديمة الخاطئة أو ما يمكن تسميته بأوهام القراءة التقليدية، ومنها:

         لكي أفهم يجب أن أقرأ ببطء (خطأ)

         القراءة السريعة هي قراءة غير مريحة ومؤذية للعين (خطأ)

         يمكن أن أقرأ بسرعة أحياناً، ولكني لا أستطيع ذلك طول الوقت (خطأ)

         القراءة بسرعات عالية تؤثر من قدرتي على الاستيعاب (خطأ)

         القراءة بصوت عال أفضل لزيادة الاستيعاب والفهم (خطأ)

         القراءة السريعة ضد الاستيعاب والتذكر (خطأ)

         كلما حاولت أن أقرأ بسرعة فقدت قدرتي على التركيز (خطأ)

         القراءة التقليدية تقوي الذاكرة (خطأ)

         لا يوجد لدي متسع من الوقت للقراءة (خطأ)

أعلم أنك لا تثق بصدق أكثر من نصف ما ذكرت. لا أستطيع أن ألومك..فأنا مثلك، حتى بعد حضور الدورة، ومشاهدتي بأم عيني أن قناعاتي القديمة خاطئة وأنها ضد الحقائق العلمية المجردة.

أقول لك بهدوء وبساطة وتأكيد.. لا أمل ولا جدوى من تعلم مهارات القراءة السريعة .. إذا ظلت هذه القناعات مسيطرة. بل إن السرعة التي ستصل إليها في نهاية الدورة محكومة بعدد ما ستتخلص منه من هذه العادات والقناعات، والسرعة التي ستستمر عليها بعد ذلك محكومة بعدد ما ستحتفظ به من عادات القراءة الجديدة (سرعتي الآن هي حوالي 400 كلمة في الدقيقة والحمد لله على كل حال).

……………

لا بأس من المزيد من الطنطنة حول موضوع القناعات القديمة…

من عجائب هذا الكون أن الحقيقة أحياناً تخالف ما نرى أنه المنطق، أو من نسميه المنطق ظلماً وعدواناً.

         بالمنطق نظن أن كرة الحديد ستصل إلى الأرض إذا سقطت من فوق البرج أسرع من كرة الألمونيوم ومن كيس القطن. والحقيقة العلمية – ومن لا يصدق يجرب- أنهم سيصلون معاً وفي نفس التوقيت لأن قانون الجاذبية الذي يحكم عملية السقوط لا علاقة له بالوزن، وإنما بالحجم.

         وبالمنطق نظن أن القراءة بالإنجليزية هي أبطأ بالتأكيد من القراءة بالعربية – لمن هم في مثل حالك وحالي- لكن الحقيقة العلمية التي لا أفتأ أنساها أو لا أصدقها هو أن سرعة القراءة لا علاقة لها باللغة (وقد جادلت المحاضر 6 ساعات في هذا الأمر حتى أقنعني.. ولكن الطبع غلب التطبع)..

         وبالمنطق نظن أن ضرب الطفل هو أسرع وأجدى طرق التوجيه والتعليم، لكن الحقيقة العلمية تخالف ذلك… مهما كانت ممارساتنا.

         وبالمنطق نظن أن الطفل إذا غضب وبكى وهدد.. يمكن أن يصل بتهديده إلى إيذاء نفسه.. لكن الحقيقة التي يؤكدها علماء نفس الأطفال أن الطفل – ما لم يكن مصاباً بمرض فرط الحركة- لا يمكن أن يؤذي نفسه.. هذه هي الحقيقة العلمية التي لا تقدر على تصديقها مشاعر الآباء والأمهات ولا سلوكهم.

والدرس هو: لا تعول كثيراً على ما تظن أنه المنطق والصواب والواضح والخيار الوحيد. لأنه (لا هو منطق ولا حاجة) وإنما مجرد قناعة قديمة قد تكون عديمة الجدوى.

ببساطة إما أن تصدق هذه الحقائق العلمية… وإنما أن تكذبها وتصدق قناعاتك القديمة..

لا أحد يستطيع أن يساعدك…

وهذا هو التفسير الذي أفهمه لقوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"…

ولا أدري لماذا يصر كل من أقرأ له في مكتوب وغيرها على أن يستخدم هذه الآية للدلالة على معان مختلفة.. متجاهلاً أن "ما بأنفسهم"… يعني ما بداخلهم…أي ما يؤمنون به… وليس ما يحيط بهم..

كتبت مرات … وسأظل أكتب (3  أضعاف ما أكتبه عن المفاهيم الجديدة)  عن أهمية إعادة توليد وإنتاج المباديء والمفاهيم القديمة…

يا أخي صدقت أولم تصدق..

أحببت أولم تحب…

لا أمل في تغيير أو إصلاح أو تحول إذا ظللنا أسرى مفاهيمنا القديمة..

……………..

الآن نأتي إلى المهم…أو إلى بعض منه…

لقد بلغ سوء الظن بالناس لكثرة ما عانوا من النخب المضللة أنهم يحسبون في كل دسم سماُ فكادوا يهلكون جوعاً.

إذا طرح سؤال: ما هي هذه المفاهيم القديمة التي في حاجة إلى إعادة توليد…؟

نأتي إلى التشكيك..و التشكك.. والترقب والحذر..

أنا لا أتحدث عن تشكيك في جدوى وأهمية الاختراق…

إنما عن تشكيك في حقيقته ومضمونه وأهدافه الحقيقية أو "الخفية"

·        عندما أقول لك إنني إذا انتخبت حسن نصر الله رجل عام 2006 لأنه مثل قيمة البطل المقاوم، فلا تتشكك في انتمائي إذا قلت لك إنني أبحث عن قيمة المهندس البناء في عام 2007 لأننا لا يمكن أن نعيش الأبد أسرى قيمة واحدة…

·        عندما أقول لك إنني صفقت لأحمدي نجاد عام 2006 لأنه مثل قيمة تحدي الصلف الأمريكي، فلا تشكك في إذا قلت لك إنني أبحث عن أكثر من مجرد تحدي الصلف السياسي، أبحث عن التفوق الاقتصادي لأعطيه جائزة 2007. 

·        لا تتشكك في شعوري الإنساني بعد أن سمعت بأزمة الطفلة المصرية التي سقطت من الإغماء في المدرسة لأنها لم يصبها الدور في الإفطار هذا اليوم…عندما أقول لك إنني بعد أن سعدت بفوز محمد يونس مدير بنك الفقراء بجائزة نوبل للسلام عام 2006، اتمنى أن يفوز بها عام 2007 مدير بنك الأغنياء!!!.. لأن طموحنا لا ينبغي أن يتوقف عند مكافحة الفقر، وإنما تحقيق الرخاء..

·        عندما أقتنع بأنه يمكن أن يحدث الاختراق عن غير طريق السياسة. دون أن أقف في وجه من يريد التغيير بالسياسة، فأنا متسق مع نفسي، خاصة أني مؤمن أن نفاق الشعوب أسهل… وأسوأ ألف مرة من نفاق الحكام…ولكني لا أجيد هذا ولا أصلح لذاك.

وأنا أعرف تماماً ما تشعر به…

أنت تشعر أن:

هناك من يريد أن يسرقني..

هناك من يريد أن يستلبني…

هناك من يريد أن يجعلني أتخلى عن أعز ما أملك.. قناعاتي وقيمي…

هناك من يريد أن يسيطر على دماغي ويعيد تشكيله حسبما يريد..

لن أتركه يفعل ذلك بي…

سأظل أقاوم…

لن أمكنه من نفسي..

لن أخرج من منطقة الراحة حتى ولو غرقت..

لن أخرج من منطقة الكسل حتى ولو اختنقت..

(لن أقرأ بسرعة وإلا فلن أفهم – حتى لو فهمت -)

أفهم هذه المشاعر… وأقدرها…

ذلك أني مررت بها…

وأمر بها دائماً…

ولكن إذا ظلت هذه المشاعر مسيطرة على مشاعري وتفكيري وقراراتي ..

عفواً…

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا بأنفسهم"…

لن أستطيع مساعدتك…

ولن يستطيع أي أحد مساعدتك…

عليك أن تبني الثقة في نفسك..

وتبني الثقة فيمن تحاور..

وتستشعر عظم الهدف…

ثم تتكل على الله.. وتجرب.

………………………………………

الآن السؤال المرتقب… "كيف"؟

قلت إنه سؤال يعيبه التعجل…

لكنه التعجل الإيجابي.. التعجل الذي يشي بأننا عبرنا مرحلة التشكك والتشكيك.. وأن ثمة اقتناعاً بالجدوى، وثمة رفضاً ونفوراً من الواقع، ورغبة وأملاً في غد أفضل..

ولا يمكن أن أدع هذا التدفق والحماس وألقي به في ماء بارد … اسمه الإعداد والتحضير وتغيير القناعات ونسف القيم البالية..

لكن صبرك معي…

"كيف؟" ليس هو السؤال المهم…

أو بعبارة أدق: ليس هو السؤال الصحيح؟ السؤال الصحيح: هو ماذا؟

"كيف؟" سؤال عن المهارة…

ًيمكنك أن تجد في السوق كتباً تحت عنوان:

كيف تتعلم قيادة السيارة في أسبوع؟

كيف تتعلم الفرنسة في أسبوع؟

كيف تؤدي صلاتك؟

أحكام الصيام؟

كيف تتعلم ركوب الخيل؟

كيف تحسن خطك؟

في العادة… المهارة لا تصنع التحول..

المهارة تجعل الحياة أفضل.. لكن لا تجعلها مختلفة…

و "الاختراق" ليس مهارة نتعلمها…

وإنما "قيمة" نؤمن بها ونتمثلها…

ليس هرباً من الإجابة

لكننا نتحدث عن شيء مختلف.

يمكنك أن تجد كتباً في أحكام الصلاة، وتعرف بالصوت والصورة والكلمة "كيف كان يصلي النبي صلى الله عليه وسلم"… يمكنك أن تطبق ما جاء في الكتاب بالحرف الواحد… لكن بالتأكيد فإن ما تفعله لا علاقة له بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم… لأن ما لا تستطيع أن تحفظه الكتب ولا أن تنقله العبارات هو " كيف تخشع كخشوع النبي صلى الله عليه وسلم".

هيئات الصلاة مهارة يمكن أن نتعلمها، والخشوع في الصلاة قيم علينا أن نتمثلها… ونجيب عليها ب "ماذا؟" أو "كيف تكون"… أكثر من كيف أفعلها.

من المفيد إذا كنت تحب الشعر… أن تقرأ الشعر، وأن تقرأ عن ماهية الشعر، وأن تقرأ عن نقد الشعر… ولكن إياك أن تشتري كتاباً تحت عنوان "كيف تصبح شاعراً"… فهو لا يساوي قيمة المداد الذي كتب به..

أستطيع أن أقول لك إن مدونة محمد حماد "اختراق"… ولكن لا أنا ولا الأستاذ محمد حماد نستطيع أن نعلمك كيف تصنع مثلها…

هل أقول لك شيئاً آخر…

إن الاختراق.. هو اختراق لأنه لا يتكرر كنموذج…

الاختراق هو النبؤة…

لقد سعى ورقة بن نوفل في طريق "كيف"… وأعد نفسه للرسالة… لكنها هبطت على محمد صلى الله عليه وسلم…

من المهم أن تجد وتسعى وتجتهد وتخلص – كما كان صلى الله عليه وسلم عليه وسلم يصنع قبل البعثة… لكن لا أحد يضمن لك شيئاً..

الاختراق 99% في المائة منه عرق…ولكنه لا يحدث حتى يكتمل إلى 100%، وهذه ال 1% ليست في يدك ولا تستطيع بمزيد من العرق أن تحصل عليها.

…..

أعود كما بدأت…

وأعلم أني سأتلقى تعليقات تردد نفس الأفكار…

تعجل… وتشكك… وقناعات قديمة…

ولا يسيئني هذا ولا يقلقني…

أعلم أن طريقنا طويل..

وقوده الإخلاص..

ورايته "غد أفضل لأولادي" 

ورواده مجتهدون متواضعون مؤمنون.

 

…..

ويا أخي مرة أخرى وليست أخيرة

//

من قال لا أصدق… قلت له تأمل.

ومن قال لا أقدر… قلت له حاول.

ومن قال لا أعرف… قلت له تعلم.

ومن قال مستحيل… قلت له جرب.

//

ومن واصل وصل.

والله – دائماً – من وراء القصد.     

 

 

Advertisements