الوسوم

 

لا أحب أن أستسلم لمشاعر التشاؤم  (الذي لا أعرفه) أو السخرية (التي لا أجيدها)، غير أني أشير إلى بعض ما لفت نظري من أفكار حيوانية (بالمعنى الإيجابي للكلمة) وأنا مهموم بمشروع المعراج، وهو في النهاية مشروع للنهضة والإصلاح والتغيير والتحول. 

البراق الذي حمل الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج هو "دابة". وأهل الكهف وهم النموذج القرآني الأشهر لطلائع التغيير كان "كلبهم" باسطاً ذراعيه بينهم بالوصيد (مدخل الكهف لحمايتهم ولم يدخل معهم فيه). وقصة موسى والخضر عليه السلام وهي القصة الأشهر لمعنى عدم الاغترار بالظاهر كانت إشارة البدء فيها نسيان "الحوت"، وكان فداء إسماعيل عليه السلام بكبش عظيم في القصة الأشهر للتخلص من المغريات وتحقيق تمام الإخلاص، وهدهد سليمان كما يقول صديقنا عادل سامي في مدونته هو رمز السرعة وعلو الهمة وحمل هم الدعوة. وناقة صالح هي رمز العطاء الرباني الذي لا ينضب والذي بجهلنا وطمعنا وتكبرنا وعصياننا نقتله ونفرط فيه، وبقرة بني إسرائيل هي رمز إظهار الحق وكشف الخفاء… وكلها معان هامة في مشروع "المعراج" بأبعاده المتعددة.

(قال مقاتل رضي الله عنه عشرة من الحيوانات يدخلون الجنة عجل ابراهيم وكبش اسماعيل وكلب اهل الكهف وناقة صالح وبقرة بني اسرائيل وحوت يونس ونملة سليمان وهدد بلقيس وحمار العزيز وذئب يعقوب وناقة محمد)

…………….

لست بصدد استعراض مواطن ذكر الحيوانات في القرآن الكريم، ولكني أمهد لعدة أفكار مضمونها…

       أننا أسرى تربية خاطئة نتصور فيها أننا مخلوقات مجيدة فريدة، وأن هذا الكون ملكنا نتصرف فيه حيث نشاء بدون ضابط ولا رابط، وأن منحة "التسخير" التي من الله سبحانه وتعالى بها علينا تعطينا الحق في أن نعبث بما شئنا وقتما شئنا من هذه الكائنات الدونية… وهذا غير صحيح، بدليل الأحاديث التي عرضت لكم طرفاً منها في الإدراج السابق.

       ثم إننا أسرى تربية علمية مادية خاطئة… تتحدث ببرود واستعلاء علمي عن ثلاثية "الحيوان النيات الجماد" وتخرج الإنسان منها، وتتجاوز الفيزياء هنا دورها لتقوم بدور "ثقافي" مدمر تدعي به ترتيب هذه الثلاثة من حيث القيمة والفائدة… وكلنا أسرى هذه الثقافة حتى الآن… مع أن القرآن الكريم والسنة المطهرة تحدثنا عن "أمم أمثالكم"، وعن "وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم" (العجز عجزنا وليس عجزهم)، و عن "لتركبوها وزينة"…

وأنا أقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الصالحين أستشعر هذا التناغم الجميل بين مخلوقات هذا الكون… النخلة والنحلة والنملة والبقرة والبعير والزهرة والفطيرة… الجذع الذي يحن، والجمل الذي يشكو، والجدار الذي يتكلم، والملائكة التي تهبط من السماء والبقرة التي تعتب على صاحبها قائلة: ما لهذا خلقت.. والدعوات التي تصعد من الأفواه… الاتصال الممدود بين الأرض والسماء… السلام على الأرض… الأخوة بين الكائنات… 

هل أنا شخص حالم…مثالي…أهمل الواقع؟

سأصارحكم بما ادخرته حتى النهاية … حتى تتأكدوا من أني كنت ولا زلت أتحدث في صلب الموضوع: ما يحدث في فلسطين والعراق والسجون والقمع والطائفية..

إنني لا أريد أن يقود مشروع نهضتنا موتور أو حاقد أو متطلع… لأن له مشاكل وعقد.. (كما هو الحال مع حكامنا اليوم). وقد وجدت أن علاقة الإنسان مع الحيوان وقربه أو ابتعاده من الإيمان ثم تطبيق تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم التي أشرت إلى بعضها في المجال السابق هي أصدق ترمومتر لقياس صلاحيته النفسية  للقيادة.

وإذا ظلت نظرتنا إلى الحيوان نظرة استعلاء وتحقير وتكبر، فلا تتعجب من أن نكون طائفيين وعنصريين… تنشر بيننا ثقافة التحقير والاستعلاء والتكبر بين الضابط والمواطن وبين السني والشيعي وبين الخليجي والوافد وبين الرجل والمرأة وبين الغني والفقير وبين الحكومة والمعارضة وبين المثقف والأمي وبين الإسلامي والعلماني…

لا أريد أن يقود مشروع نهضتي من نزع الله الرحمة من قلبه. (لا تُنزَع الرّحمة إلاّ مِن شقيّ) رواه أبو داود والترمذيّ. و(إنّ الله رفيقٌ يحبّ الرّفق، ويُعطي على الرّفق ما لا يعطِي على العُنف، وما لا يُعطي على سِواه) رواه مسلم.

أريد أن يكون قائد مشروع نهضتنا متصالح مع نفسه ومع الخلق – كل الخلق- . أريد من قائد مشروع نهضتي أن يحترمني لمجرد كوني إنساناً.. أو لمجرد كوني مخلوقاً من مخلوقات الله.. لا أريده أن يحترمني لأني من عائلة فلان أو في المنصب الفلاني ..بل يحترمني لأني قطة أو بقرة أو كلب أو حمار (ممن سيدخلون الجنة)… وإذا لم يستطع أن يخلع من ذهنه تحقيره لبعض الحيوانات فهو لا يصلح للزعامة….

إنني أريد أن أبدأ من فوق … ليس فوق بمعنى المنصب والدرجة والمكانة… وإنما بمعنى القيمة والفكرة والمفهوم… وفوق هنا هي "احترام الحيوان".. وهذا معنى من معاني الاختراق.. وقيمة من قيم المعراج..

إنني أفهم منطقك (ولا أوافقك عليه) إذا علقتني ونفختني وصفعتني وسحلتني لأنني معارض أو مخالف، ولكن أي منطق يمكن أن تقدمه إذا فعلت ذلك في قطة أو كلب.؟!! بماذا أساءت إليك القطة وماذا فعل لك الكلب؟؟ اعطف على القطة والكلب… واجعل ذلك جزءاً من ثقافتك وعقيدتك… أصبح أنا بذلك في مأمن من طغيانك.

إنني أعلم أنه من الصعب عليك أن تتنازل عن ذاكرتك إذا كنت سنياً في العراق، حين أقول لك لا تسرف في الإساءة إلى أخيك الشيعي…أعرف أنه صعب، ومرير ومرفوض… أنا أقول لك: اعطف على العصفور أولاً…قدم الطعام للقطة … اسق الكلب… وبعد ذلك أنت وضميرك..

……..

لم أكن أتحدث عن حقوق الحيوان في الإسلام… وإنما عن صفات أمة النصر والتمكين…

نريد قائداً كالرسول صلى الله عليه وسلم ينزل من فوق بعيره وهو النبي والزعيم والعظيم، ونحني ممسكاً ببطيق يهيء فيه الطعام لقطة جائعة…(لا توجد كاميرات لتصور، ولا صحافيين لينشروا تغطية صحفية كجزء من الحملة الدعائية).

نريد زعيماً كالرسول صلى الله عليه وسلم يعود من معركة حربية طاحنة، فيجد جندياً من جنده قد أخذ فرخاً من طائر مسكين، فيعنفه قائلاً : :من فجع هذه بوليدها"، و يعاقب امرأة لأنه سمعها تسب الجمل الذي تركبه، ويطلب أن يحسن المربون علف دوابهم، ويأمر صحابته أن يسيروا الهوينى مهما كانوا متأخرين لتتمكن جمالهم من أن تنال طعامها، وينهاهم عن الصلاة قبل أن يخففوا أحمال إبلهم…قائد هذه سلوكه مع الحيوانات… كيف يكون سلوكه مع البشر؟

نريد رئيساً كعمر بن الخطاب ينزل قطعتي طوب من فوق حمار رآه يحمل فوق طاقته، فتأتيه صاحبة الحمار وتقول له معترضة : "وانت مالك؟".. فيقول لها: وهل أنا زعيم وخليفة للمسلمين إلا من أجل هذا؟

نريد مثقفين كعبد الله بن عمر يعنف الشباب ويعلمهم ألا يتخذوا أهدافاً حية لتمارينهم على الرماية…وفقهاء كأحمد بن حنبل لا يجيزون خصاء الكلاب لأنه يحرمهم من حقهم الطبيعي.

نريد أطفالأ.. كأبي هريرة يلعب بهرة، و كأبي عمير يلعب بالنغير (عصفور صغير)…

نريد رجالاً كعبد محمد بن واسع يأكل لقمة وكلبه لقمة، وكعدي بن حاتم.. يفت الخبز للنمل ليطعمه…

نريد هذا التناغم في الأرض بين المخلوقات…

لنفتح الطريق المسدود بيننا وبين السماء…

ولتكون هناك فرصة لنرى على الأرض أثر دعواتنا المستجابة…

…..

أريد رئيساً مثل هذا الرئيس…

وأمة مثل هذا الأمة…

وليكن نظام الحكم بعد ذلك ما يكون..

ولتكن القرارات بعد ذلك ما تكون…

وأنا واثق… أنه لن يكون إلا خيراً

 كل خير..

 

  

Advertisements