الوسوم

"لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً" (النساء: 125)

المعنى: مش مهم الكلام الكثير المزوق…

مش مهم: مقالات الجرايد ولا برامج التليفزيون ولا مدونات الإنترنت

المهم: العطاء العملي والمعروف الإيجابي والإصلاح الحقيقي لأحوال الناس.

===================================================

حصل البروفسير محمد يونس (66سنة) على درجة الدكتوراه من جامعة فاندربت بالولايات المتحدة في النصف الثانى من الستينات بمنحة من مؤسسة فلبرايت المشهورة، ودرّس لبضع سنوات في إحدى الجامعات الأميركية قبل أن يعود إلى وطنه بنغلاديش ليدرس الاقتصاد في جامعة شيتاغونغ الساحلية في جنوب البلاد التي يعيش 36% من سكانها البالغ عددهم 131 مليون نسمة تحت خط الفقر المدقع حيث يقل دخل الفرد منهم عن دولار واحد في اليوم، بالإضافة إلى 20% آخرون على حافة الفقر المطلق.

بدأ يونس تجربته الرائدة في عام 74 حين منح عاملا فقيرا يصنع الكراسى فى قارعة الطريق من خيزران البامبو مبلغا من المال لا يزيد على 27 دولارا، واستطاع العامل أن يرد القرض إلى صاحبه ويحسن عمله في صناعة الكراسي ويرفع من وضعه الاقتصادي. . أما السيدة «بانيسا» فقد تحولت من طبقة أفقر الفقراء إلى سيدة محترمة تعتمد على نفسها بعد قرض 30 دولارا فقط أخذتها من أحد فروع بنك جرامين، وبعد 10 سنوات من ذلك القرض أصبحت بانيسا تمتلك 27 مزرعة دواجن يعمل بها عشرات القرويات.هذا هو ما يتردد في الصحافة السيارة عن بدايات تأسيس بنك جرامين (كلمة جرامين تعنى بالبنغالية الريف، أي بنك الريف ولكن سار عليه اسم بنك الفقراء) في عام 1976م .

بلغة الأرقام – فإن بنك جرامين قدم في السنوات الماضية قروضاً تجاوزت ثمانية مليارات دولار لأكثر من عشرة ملايين شخص غير مؤهلين للاقتراض من البنوك التقليدية، تتراوح قيمة القرض من خمسين إلى مئة دولار دون أدنى ضمان، (أو في الحقيقة بضمان ديني اسمه كلمة الشرف). يقدم  البنك خدماته في حوالي 70 ألف قرية، وتبلغ نسبة النساء 97% من المقترضين. ولا ينتظر البنك دائما الفقراء حتى يأتونه بل يسعى إليهم في مواقعهم ويقدم القرض المناسب لهم، يشجع البنك صيغ الاقتراض الجماعي بدون ضمان في مقابل خلق «مسؤولية تضامنية بين المقترضين» وتبلغ نسبة سداد القروض تبلغ 99% وهى نسبة لا تتوفر لمعظم البنوك التي تتعامل مع الأغنياء رغم الضمانات الكافية التي تؤخذ منهم. وبلغ من توفيق التجربة أن أصبح جرامين نموذجا مضيئا نسجت على منواله بنوك أخرى لإقراض الفقراء وزاد عددها ليصل إلى نحو 10 آلاف بنك تعمل في سبعين دولة من بينها أمريكا وفرنسا والبحرين. وباستثناء أعوام 1983، 1991 و1992، حقق البنك أرباحاً كل سنة.

……………………….

لكنني معني بالأفكار أكثر من عنايتي بالأرقام….

ما هي الأفكار  والاختراقات التي حملها عقل هذا الرجل المبتسم المتواضع المسالم الذي يعيش في مدينة ساحلية صغيرة، وفي منزل ريفي بسيط وأهلته ليحصل على جائزة نوبل في السلام، وليس في الاقتصاد.  ووفق رئيس لجنة منح الجائزة : ": السلام الدائم لا يمكن تحقيقه ما لم تتمكن قطاعات كبيرة من المجتمع من كسر حاجز الفقر، وقد برهن محمد يونس على أنه قائد فذ استطاع أن يترجم رؤيته الإنسانية إلى عمل تطبيقى لمنفعة ملايين الناس ليس فقط في بنغلاديش ولكن في عدة بلاد أخرى، استطاع يونس أن يطور نظام القروض الصغيرة عن طريق بنك جرامين إلى مؤسسة هامة وفاعلة في مكافحة الفقر." بالمناسبة وعد د. محمد يونس بأن يتبرع بنصيبه من جائزة نوبل، التي تبلغ حوالي مليون ونصف دولار، لإنتاج الطعام الرخيص للفقراء. (لا حظ التبرع ليس لمساعدة الفقراء، ولكن لمساعدة البحوث التي تعين الفقراء على إنتاج طعام رخيص).

اختراق 1:

تقوم البنوك على فكرة أن يقترض الأغنياء لعمل مشاريع …يسددون من أرباحها فوائد البنوك. ويقدم المقترض ضماناً ودراسة جدوى وحساباً للنفقة والعائد. قيمة القروض تكون في العادة كبيرة لتغطية المصاريف الإدارية لمئات الموظفين والإداريين ومدققي الحسابات الذين يعملون في البنك. عندما طلب محمد يونس قرضاً قيمته 27 دولاراً للعامل البسيط الذي عجز عن تدبير ميزانية خشب الكراسي الذي يقوم بإنتاجه، نظر إليه موظف البنك في استنكار مصحوب بالدهشة من وساطة الأستاذ الجامعي للعامل البسيط… كان الطلب مرفوضاً من كل الزوايا… فالمبلغ صغير، ولا دراسة على العائد، ولا ضمانات للسداد، ولا حسابات منتظمة.. حتى بعد أن عرض د. يونس تقديم الضمانات أصرت كل البنوك على الرفض، وكانت الرسالة واضحة: "إن عدم منح القروض للفقراء هو مسألة مبدأ."

إذن فليقدم محمد يونس اختراقاً لهذا المبدأ بإنشاء "بنك الفقراء"… ويكون عدم منح هذا البنك قروضه للأغنياء هو مسألة مبدأ…. البنك فعلاً يقدم قروضاً قيمتها ما بين 50 دولاراً و100 دولار. وليتم تعديل كل شيء وفق هذا المبدأ الجديد.

اختراق 2:

هذا اختراق نفسي واجتماعي. فالمثقف البارز والوزير السابق في الحكومة، رفض مغريات الحياة في أمريكا… وعاد إلى قريته الصغيرة.. ونجح بشكل عملي في أن يضع علمه في خدمة جماهير الفقراء في بلاده، ونجح أيضاً في أن يكسر سور العزلة و الاستعلاء أو على الأقل اللامبالاة بينه وبين جموع أهل بلده من أفقر الفقراء والأميين. والواقع عندنا أن خريج الجامعة بمجرد تخرجه – رغم أنه لم يكتسب بدراسته أية قيمة علمية أو عملية- يبدأ في البحث عن السفر. وإذا عاد بعد سنوات من الخليج بحث عن الشقة في القاهرة والسيارة والمدرسة الأجنبية للأولاد. ثم انعزل تدريجياً عن أهله زمانياً ومكانياً وفكرياً. أما الاختراق الأهم فهو إصرار البروفيسور يونس على قيمة العمل في مشاريعه وأفكاره..بديلاُ للفكرة الأكثر سهولة ورواجاً وشعبية بين الفقراء وهي التبرع والإحسان. كان يمكن للرجل أن يمنح هذا الفقير ما طلبه، ولكنه أصر على أن يناضل معه وبه، حتى تتحول رغبته في اقتراض هذا المبلغ الزهيد إلى فكرة عبقرية تتطور بمزيد من العمل والإبداع والإخلاص إلى مؤسسة ضخمة لها فروع في أكثر من 70 دولة في العالم.

اختراق 3:

لا يحب محمد يونس الإعلام. كان يمكن له أن يجعل من هذا الموضوع مادة لمقال صحفي أو برنامج تليفزيوني أو إذاعي. ويتحول فيه بطل القصة إلى نجم شباك لدى الصحفيين الباحثين عن الإثارة، دون أن يعنى أحد بحل مشكلته لا هو ولا الملايين من أمثاله. محمد يونس تحرك بشكل عملي، وناضل بين أروقة جهات حكومية بالية وبعيدا عن بريق الشهرة لمدة عامين كاملين حتى يحصل على تصريح رسمي بالعمل. وخلال هذه الفترة لم يتوقف عن تقديم العون حسب نموذجه حتى تتم الاجراءات الرسمية معتمداً على كلمة الشرف كضمان.

اختراق 4:

كان الغرض واضحاً تماماً في ذهن محمد يونس منذ اليوم الأول. "أنا لا أساعد الفقراء..إنما أطارد الفقر". والفرق بين المعنيين كبير جداً، ويعجز عنه – مع بساطته وبداهته – معظم القائمين  بالعمل الخيري في بلادنا. إن الذي يقضي على الفقر ليس لقمة توضع في فم الفقير، وإنما توجيهه إلى الإنتاج وتمويله وتدريبه وتعليمه وتسويق إنتاجه. وهي دورة متكاملة تغير حال الفقير كلياً من وضع المحتاج إلى وضع المنتج، من وضع أن يكون مستحقاً للزكاة إلى وضع أن يكون مقدماً لها. ولهذا السبب أقام بنك جرامين شركة لتسويق السلع التي تنتجها هذه المجموعات إلى الدول الأجنبية واستطاع في العام قبل الأخير أن يصدر أربعة ملايين متر من المنسوجات وحدها إلى إيطاليا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وغيرها مما كانت تعود بعائد مجزٍ على أفراد المجموعات التي ساهمت في الإنتاج ساعدها في سداد القرض والحصول على ربح مجزٍ لكل فرد فيها. أتمنى أن أرى ذلك بدلاً من الجهود الشكلية التي تمارسها هيئة المشروعات الصغيرة في مصر. 

اختراق 5:

ابتكار فكرة الضمان الجماعي. يتعامل البنك مع مجموعات وليس مع أفراد، تضم المجموعة خمسة أفراد في المتوسط ويقدم البنك قروضه إلى أفراد المجموعة كوحدة واحدة، فإذا مرض واحد في المجموعة أو تعثر في إنتاج السلعة التي حصل على القرض من أجل إنتاجها أعانه باقي أفراد المجموعة في العمل بحيث تكون المجموعة قادرة ومتضامنة في سداد القرض بأكمله، وهو ما ساعد على وصول نسبة السداد إلى 98% من مجموع المتعاملين.

اختراق 6:

ابتكار فكرة الملكية والإدارة الجماعية. المقترضون الفقراء الذين يتعاملون مع البنك أصبحوا بعد سنوات هم أنفسهم الذين يملكون البنك. ووفق النظام الذي ابتكره الدكتور محمد يونس يمكن للمقترض أن يشتري سهماً في رأس مال البنك قيمته عشرة دولارات، وبذلك فإن قروض البنك ساعدت النسبة الكبرى على تملك نصيب في رأس مال البنك يفوق ما تملكه الدولة.

اختراق 7:

الثقة وليس التشكيك. يقول د. يونس: لن يتعين على أي شخص أن يقلق حيال الفقر في بنغلاديش بعد الآن. أرجوك لا تقل لي إن النساء الفقيرات ليس بإمكانهن إدارة ميناء بطريقة اقتصادية. بإمكان الفقيرات إدارة مصرف بطريقة مربحة. فكل ما هن بحاجة إليه هو القليل من المساعدة في الإدارة.

اختراق 8:

المراجعة والتحسين المستمر. والتفكير بكل الأفكار الواعدة بجدية. يقول الدكتور يونس: الميناء الضخم الذي تخطط بنغلاديش لبنائه في جنوب شيتاغونغ والذي تريد به إحداث ثورة في اقتصاد بنغلاديش، ليس بالضرورة أن يكون ملكاً للدولة أو العامة. فالمانحون الدوليون يمكن أن يمولوا سلطة الميناء، والتي يمكن أن تكون مملوكة من قبل الفقراء من النساء في البلد. يمكننا الانتظار للبدء في البناء عندما يصل المال ويصبح كل شيء جاهزا للعمل ويصبح المستثمرون على يقين من استرداد أموالهم. لن يكون هذا الأمر استثماراً اقتصادياً فحسب، وإنما استثمار في فكرة، وهي الروح لأي سياسة.

اختراق 9:

الإدارة بالحب. وهذا هو روح الحقيقية لما يجب أن يسمى بالبنوك الإسلامية. وأي بنك له رسالة في معالجة الفقر يتعين أن تكون إدارة إنسانية، أمينة، متدينة، ومتعاطفة مع الفقراء. يتعين على المقترض من ابنك أن يوقع على 12 إقراراً. ولكن ليس من بين هذه الإقرارات شيئاً يتعلق بممتلكاته التي سيتم الحجز عليها ن توقف عن السداد. المنطق مختلف تماماً. الإقرارات كلها من نوع: أن يلتزم المقترض بإرسال أولاده إلى المدارس عندما يبلغون سن التعليم، وأن يعلم الأميين في عائلته القراءة والكتابة، وأن يلتزم بتنظيم النسل، وكل ذلك من الأمور الأولية التي تساعد الأفراد على التقديم للحصول على التمويل وتبعث فيهم روح التعاون والقضاء على التخلف وهذه هي الرسالة الاجتماعية للبنك والتي نجح فيها بشكل واضح.

اختراق 10:

رؤية البنك: نحن نذهب إليك قبل أن تأتي إلينا. البنك هو الذي يذهب إلى الفقراء غير القادرين والعاطلين والذين لم يتعاملوا مع بنوك من قبل، وهو ما يختلف كثيرا عن البنوك التي نعاصرها اليوم في الشرق والغرب، حيث كان يعرض على هؤلاء الفقراء النشاط الإنتاجي والمال والخبرة لحين الوقوف على إقدامهم وإنجاحهم في الأنشطة التي يقومون بها ويواصلونها بعد ذلك ذاتيا، كما يساعدهم في عمليات التسويق.

اختراق 11:

الخروج من فخ الحلال والحرام. وهو في رأيي من أهم الاختراقات.  لم يدخل د. يونس في جدل ديني حول الحلال والحرام. ولم يستسلم لغواية المناظرة بين من رأوا أن بنكه هو بنك ربوي، وبين من اعتبره من البنوك الإسلامية. واصل الرجل طريقه بثقة وإخلاص..وترك من يريد بعد ذلك أن "ينتج" فتاويه وفق ما يراه على أرض الواقع.

فخور أنا بتجربة محمد يونس… لكن الحسرة لا تفارقني وأنا أتساءل:

متى نرى محمد يونس مصري أو سوري أو يمني أو عراقي أو جزائري؟

ومن فضلك ما تقوليش: الحكومة.. والدولة .. والنظام.

…….

Advertisements