حتى نفهم أين نضع قدمنا… نحتاج أن نعرف من أين أتينا وإلى أين نسير…

هل مشكلتنا هي تغيير الحاكم…أم تغيير المجتمع… (السؤال طرحه الأستاذ محمد حماد)

أم تغيير قراءتنا لأسباب المشكلة…ومقاربات الحلول؟؟

……………

لماذا عندما نقول تغيير…يذهب ذهننا إلى كلمة "أحزاب"…وليس "شركات" أو "نوادي" (مثلاُ)؟

لماذا نفكر في الإخوان المسلمين بديلاً للحزب الوطني… ولا نفكر في "المغتربين" أو "الطلبة" (مثلاُ)؟

ألم يلفت نظرنا أن قائمة الأشخاص المائة الأكثر تأثيراً على العالم حوت عدداً قليلاً من زعماء السياسة…

دعك من معايير الاختيار التي جعلت من ضمن هؤلاء "ماهر عرار" الشاب السوري الكندي الذي لم يسمع عنه أحد… ولكن أليس عمرو خالد (مثلاُ) مؤثر أكثر من وزير البيئة (هو وزير أم وزيرة؟)… (ولا تنسى أن هذه القائمة شملت قبل سنوات  عمر عبد الكافي مما عجل بخروجه من مصر…)

لماذا حين نفكر في مصر ننسى أنها دولة من دولة الكوكب الأرضي… تتأثر بما يحدث فيه ولا يمكن أن تفرز حلاً بعيداً عما يحدث في محيطها الإقليمي و الدولي؟

لماذا ننظر بغضب وارتياب عندما يقابل مسئول أمريكي عدداً من أعضاء الإخوان المسلمين أو يتصل سعد الدين إبراهيم بجورج بوش أو تنادي كونداليزا رايس بالإفراج عن أيمن نور؟ ألسنا نفعل الشيء نفسه معهم، فلا يقابلونه بنفس القدر من الحساسية؟!

قبل أن نفكر في الحل البديل أو الشخص البديل…ما رأيكم أن نبدأ بالتحليل "البديل"…

وعندها سيتأكد إدعائي بأن:

البديل ليس سياسياً

البديل ليس محلياً

البديل مفاجأة

البديل قريب

 …..

هذه قراءة موجزة في علم التحول والتغيير … بحثاُ عن اختراع اسمه "البديل".

 …

 1-     خطوة التغيير

الوصف الأدق لهذا العصر ليس "عصر التقنية" ولا "عصر الذرة" ولا عصر "الفضاء"… السمة الأبرز لهذا العصر هي: "تسارع خطوة التغيير"…

قارن حالك بحالك قبل عشرين سنة… لا أقول خمسين لا مائة… وانظر فقط في مؤشر اسمه "معدل الاحتفاظ"… معدل الاحتفاظ بقميصك، معدل الاحتفاظ بشقتك، معدل الاحتفاظ بعملك، معدل الاحتفاظ بقناتك المفضلة، معدل الاحتفاظ بأصدقائك، معدل الاحتفاظ بأثاثك، معدل الاحتفاظ بجنسيتك… الآن مد الخط على استقامته و قس اقرأ… ما معدل احتفاظك بزوجتك؟… ما معدل احتفاظك بجنسيتك؟… ما معدل احتفاظك بقيمك؟… ما معدل احتفاظك برئيسك؟!!

التغيير قادم… ولم يستثن أحداً… ولن يستثني أحدا.ً

ولذلك قلت: "البديل قريب" .

 2-     عصر ما بعد الدول

ما الذي أدى إلى شيوع هذه الظاهرة: "تسارع خطوة التغيير"؟

أربعة عوامل: العولمة – التقنية – المنافسة – الإبداع.

العولمة – باختصار – هي كسر حواجز الانتقال. كسر حواجز انتقال الأفراد، كسر حواجز انتقال المعلومات والأخبار، كسر حواجز انتقال البضائع، كسر حواجز انتقال الأعمال،سر حواجز انتقال الأموال، والأهم من ذلك كله: كسر حواجز انتقال الأفكار. ما الذي يعنيه هذا كله؟: يعني أن قبضة الدول على شعوبها وثقافتها وأنظمتها ومواردها تتراخى.. ويعني أن فيلماً أمريكيا يمكن أن يكون أعمق أثراً على المصريين من قانون مصري، ويعني أن أموال النفط يمكن أن تجدها في اليوم التالي في اليمن أو في أفغانستان، ويعني أن تقاليع شباب لاس فيغاس ستنشر في الرياض رغم أنف "المطوعين"… ويعني أن عدوى الثورة البرتقالية يمكن أن تنتقل لأية عاصمة عربية بلا غرابة ولا غضاضة، ويعني أن قدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقة المعارضين تنزوي، ويعني أن لغة الإملاءات التي اعتادتها الحكومات مع الشعوب إلى زوال، ويعني وهو الأهم في هذا السياق أن اعتماد الشعوب على حكوماتها المحلية تقل، وبالتالي فإن حاجة الشعوب لتغيير حكامها تقل، رغم أن قدرتها على هذا التغيير تزيد.

ولم يكن ذلك ليحدث على هذا النحو السافر لولا دعم التقنية، تقنية الإنترنت (وهو بالمناسبة مجاني ولا تتحكم فيه أية دولة) وتقنية الاتصالات بشكل عام (وقد جرى خصخصتها على النحو الذي تعرفون). وعجائب المحمول لا تنتهي… وتنتقل بين الدول والشركات كالفيروسات… ما الذي يعنيه هذا؟  يعني أن جرائم أمنية كلاسيكية كان يترقى من أجلها الضباط لم تعد كما كانت عليه من سنوات… الجاسوسية وسرقة الأموال والاغتصاب وحتى القتل..أصبحت جرائم إلكترونية… تحتاج معها الجهات الأمنية إلى أن تطور نفسها وإلا تعرضت للإبادة أو الذوبان…ويأخذ هذا التطور شكلاً محدداً هو المزيد من التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص إلى الحد الذي نمارس فيه الآن: المحقق المستأجر، والجندي المستأجر، والسجن المدار من القطاع الخاص، حتى أن وزير خارجية قطر كان يتحدث عن تأجير خدمة حماية حدوده لشركات أمريكية أو قطرية، بل إن جميع الحواجز الأمنية التي تقيمها إسرائيل على المعابر مع إسرائيل يديرها القطاع الخاص، وينظر إليها باعتبارها معارض مفتوحة للباحثين عن التقنيات الحديثة…وهذا شكل آخر من أشكال تراخي قبضة الدولة على أقدس مقدساتها وهو أمنها القومي وترابها الوطني وينعكس هذا بدوره على "نظرة" المواطن لوطنه مع شيوع ظاهرة الهجرة، والتجنيس وتعدد الولاءات.

ثم  تأتي المنافسة الشرسة بدعم من العولمة التي تتيح لأكبر شركة أن تدخل أصغر قرية، ومن التقنية التي تلغي الخصوصية… لتقضي على آخر أشكال استقلال الدول الحقيقي، التي تخضع لابتزاز وضغوط من الشركات المتعددة الجنسية لا تملك معها الدولة أن تحمي مواطنيها رغم ادعاءات قوانين الحماية والرعاية العاجزة. البقال الصغير تحت عمارتنا يضطر للإغلاق عندما ينافس كارفور وسينسبري، والخياط الصغير في سوق الأقمشة لا يستطيع أن يقدم سعراً منافساً للبضائع الصينية، وقوانين التجارة الدولية تفتح الباب للجميع في أرض الجميع… حتى بائعة اللبن وخبازة العيش وعاجنة الطعمية لن يعودلهم وجود في عالم نستله وكرافت ودونتز وماكدنولدز. وعندما يصبح السياسيون المحليون عاجزين عن حماية مواطنيهم ضد هذا المد الشرس تقل ثقة الناس في الحكومات – أياً كان انتماؤها- ويبحثون عن حلول "بديلة" لمشاكلهم.

وعندما يصبح كل شيء متاحاً كأنه مرافق جاهزة…عندما يتكرر نموذج "شركة الماء والكهرباء" التي كانت حكومية ثم أصبحت خاصة…مع المحمول والإنترنت… وينتشر نموذج "الدفع على قدر الاستهلاك" في استخدامك للبرامج (لا تشتريها وإنما أجر استخدامها بالساعات) وتأجير العمال وتأجير خطوط إنتاج المصانع وتأجير المزارع وتأجير الخدمات… لا يكون هناك مجال "للتميز" الذي هو سر بقاء الشركات سوى الإبداع والابتكار… بداية من شكلالمياه الغازية إلى أنواع الراشئئل على المحمول إلى الأدوات المنزلية المكتبية والإلكترونية إلى عمليات التجميل ومواصفات السيارات وتقنيات المالتي ميديا. وهكذا يتراجع دور الحكومة في حياة الناس اليومية حتى يكاد يختفي، والبعيد عن العين بعيد عن القلب.  

البديل – سيدي- ليس محلياً.

3-     لمن الملك اليوم؟

دعك من قيم الستينات التي لن تعود… ودعك مما تحب أن يكون الحال عليه مما لن يكون، وصارح نفسك أيهما أكثر تأثيراً على مستقبل ابني وابنك…

نظام الحكم أم قنوات التليفزيون؟

عدد الأحزاب أم ماركات الموبايل؟

وزير التعليم أم بلاي استاشين؟

وزير الاتصالات أم بيل جيتس (ماذا لو ألغى وندوز؟)

وزير الثقافة أم سعد الصغير؟

مجلس الشعب أم مجلس إدارة النادي الأهلي؟

 لا تقل هذا غير طبيعي… ومؤقت.

هذا هو الطبيعي والدائم… العالم خلع الطرابيش وأنت لم تتغير.

سيختلف كثيرون معي… لكن أعد رؤيتك للأمور في ضوء ما سبق، المصري الذي يقاطع الانتخابات ليس غبياً ولا سلبياً ولكنه يدرك أن البديل ليس سياسياً.

 4-     عمنا التاريخ

هل البديل مختبيء في التاريخ القريب أو البعيد، وعلينا أن نجتهد لنستخرجه منه؟ لا. هذا ادعاء لا يقل سخافة عن أن نقول إن معادلات نظرية النسبية الثانية يمكن استخراجها من القرآن الكريم. ما لهذا خلق التاريخ وما لهذا أنزل القرآن.

هل التاريخ يعيد نفسه؟ هل المستقل هو امتداد للماضي؟ لا. وهذا هو الوهم الكبير الذي لا زال بعضنا يعيش فيه ويرفض أن يبرحه.

يقول علماء الإدارة – ولا يختلف معهم كثيراً علماء الاستراتيجية السياسية- يجب على الشركات ألا تتعلم شيئاً من ماضيها… بل عليها أن تنساه. فالمستقبل – في ضوء ما ذكرنا في 1 و2 – ليس بالضرورة امتداداً للماضي. وهناك عظماء صنعوا الماضي، ويحبون دائماً تذكيرنا به، ولكن عينا أن نفعل ذلك بشكل عاطفي لا علمي. إن ما أدى إلى بعض النجاحات في الماضي لا مجال لأحد أن يؤكد أنه سيؤدي إلى نجاح في المستقبل.

سيقول البعض هذا كلام خطير، ويروج بشكل مبتذل لفكر ما بعد الحداثة، ويتنكر لمقولات نعتز بها مثل "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"… ثم لماذا إذن تدريس التاريخ في المدارس…

هون عليك أخي الكريم فالأمر أبسط من ذلك.

التاريخ يعيد نفسه إذا كنا نتحدث عن "النمط"… لكنه لا يفعل ذلك إذا كنا نتحدث عن "المحتوى"…وإلا لتوقفت الحياة، وآذنت بقيام القيامة… "النمط" يتكرر تأكيداً لوحدة الخلق، لذلك التاريخ مهم، لكن "المحتوى" لا يتكرر …لأن هذه هي بصمة الزمن… ولكل زمن بصمته الفريدة…

ما الذي يعنيه هذا؟ يعني أن كل حديث عن قدرة الاستراتيجيين أو المحللين علة التنبؤ بالمستقبل هو محض أوهام… ولو كان هناك مثل هذا العلم لنجح علماؤه في منع أحداث سبتمبر في نيويورك، و نصح بوش بعدم المجازفة باحتلال العراق،  والقضاء على بن لادن في بدايته، وإنقاذ إسرائيل من هزيمتها أمام حزب الله في لنبان، ومنع إيران من استكمال بنا قدراتها النووية…

كل هذه الأحداث تحدث فجأة، ولا يمكن التنبؤ بها فقط باستخدام التاريخ…

ولذلك أقول إن البديل مفاجأة

 5-     صنع البديل أم انتظاره

البديل لا يختبيء في الماضي وإنما يولد في المستقبل… وسيولد في وقته المقدر… يمكننا تجريب صنعه بحسن قراءتنا للحاضر وإدراكنا لأنماط التاريخ، ويمكننا تصميمه بما يضمن له النجاح والبقاء… كما يمكننا انتظاره….

في مقال لاحق…

سأتحدث عن البديل كطريق رابع…

يتجاوز عيوب الطرق الثلاثة المطروحة على الساحة…

طريق: "ليس بالإمكان أبدع مما كان" ويمثله الحزب الوطني…

وطريق: "لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع"… ويمثله دعاة التغريب والليبرالية…

و طريق "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"… ويمثله جماعات الإسلام السياسي..

الطريق الرابع… طريق بديل…

فلعل الله يأذن لنا بكشف شئ من معالمه في أقرب فرصة..

 

 

Advertisements