تقديم

من المثقفين من يتمسك برفع الوصاية عن الفكر والإبداع وذلك تطبيقاً للفقرة الأولى من المادة 18 من وثيقة حقوق الإنسان، ونصها: " لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة".

ومنهم من يتمسكون بنظرية "الحماية" ومرجعها الفقرة الثالثة من المادة 19 من نفس الوثيقة، ونصها: "تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية: لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، و لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة."

وهكذا فإن الجدل بين الفريقين لن تحسمه نصوص دستورية أو قانونية يجمعها كل فريق ويقذف بها في وجه الآخر كما يفعل المحامي المبتدئ، إذ تبقى دائماً آليات التطبيق هي الحاسمة في تحديد التوجهات العامة المقبولة من المجتمع. و قد شهدت تجارب التاريخ أنه كلما ارتقت المجتمعات كلما ضعفت –دون أن تنعدم- ضوابط الحرية وخفت شروطها، وتحولت ثقافة المجتمع من عقلية الشرطي في تعقبه للمجرمين إلى عقلية الحكيم في تبنيه للمبدعين.

//

أتابع بحسرة فصولاً لا تنتهي من الجدل السقيم بين "المشايخ" و "المثقفين"، وأشارك بألم في بعضها. وأدعو قبل النظر في مجموعة المباديء التالية ومناقشتها أن نصحح النية، ونبحث عن المشترك ونخفف من غلواء الجدل و المراء. وأنتهز هذه الفرصة لأدعو أن يكف "المشايخ" وأولو الغيرة على الدين من اتهام أنفسهم بالتقصير إذا ما ظهرت تأويلات شاذة أو منكرة لبعض ما ألفوه من الأحكام والتفاسير، وليقبلوا –بإخلاص- حقيقة أنه: "ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة"، "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"،  و" فَمَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا"، وفي نفس الوقت فعلى المثقفين أن يخففوا من دفاعهم المحموم عن الكتابات المستفزة والمثيرة لمشاعر الغضب الديني لدى العامة، دون أن يكون لدفاعهم سبب إلا العناد ومحاولة كسب النقاط في معركة الجميع فيها مهزوم.

//

ما يلي مجموعة من المباديء والقناعات و الدروس العملية الشخصية والتي استقرت في ذهني على مدار السنوات … بحيث أصبحت تمثل مجموعة قناعاتي ومبادئي بخصوص هذا الموضوع الشائك..وهو "الفكر الديني- بين حرية التداول وقيود التخصص"…

كتبت كل مبدأ بلون أحمر. وتلاه شرح تفصيلي عن مضمون المبدأ، ولماذا أراه مهماً، معضداً بعدد من الأمثلة والشروح. وأظن أن هذه الشروح مهمة في توضيح "المنطق" و "الخلفية" الثقافية والعملية وراء اختيار كل مبدأ وصياغته.

//

أقدم هذه المبادرة كمسودة ل "اتفاق مباديء" أو "وثيقة تفاهمات" .. لتجري مناقشتها، ثم الاتفاق على الصيغة النهائية بين كافة المعنيين بالشأن الثقافي والديني… فإذا تم الاتفاق على الصيغة النهائية منها..يمكن استخدامها كمرجع عند الاختلاف…

وتهدف هذه التفاهمات أن تكفل -دون حرج -حق الحرية الدينية الكاملة للأفراد بحكم الدستور، و تصون –دون تعسف- في الوقت نفسه حق الحماية الدينية للمجتمع بنص القانون. وتدعو إلى النظر في دور "المشايخ" و "المثقفين" باعتبار أن كلاُ منهم يمثل وأدواراً متكاملة لا مصالح متقاطعة و مفاهيم متعارضة.

 //

والله من وراء القصد..

 مبدأ 1: لا تفريط ولا إفراط

الشرح:

هناك ذهنيتان في تناول قضية حرية الفكر والتفكير الديني، ذهنية "جسورة" تغلب حق الفرد في ممارسة اختياراته الفكرية (ومن بينها العقائدية) بحرية. ولا يختلف اثنان في أن هذه القيمة هي الذي تدفع الأمة للنهضة. وذهنية "محافظة" تغلب حق المجتمع في أن يحمي قيمه وثقافته التراكمية، لأن هذا الحق هو الذي يضبط إيقاع الأمة في طريق نهضتها. و قد عرف الإسلام هذين الذهنيتين من قديم، و يبدو أن الله قد شاء أن تظل كلا الذهنيتين متقدتين على مدار السنين. وعبثاً من يحاول أن ينتصر لواحدة على الأخرى. ولو شاء الله أن يجعل الأمر محسوماً لفعل، ولو قدر لرسوله الكريم أن يكون حديثه عن قتل "المفارق لدينه التارك الجماعة" متواتراً لكان.. لكنه أراد تعالى لحكمة يعلمها أن تبقى الذهنيتان قائمتين، لتختار الأمة من بينهما ما يناسبها في حينه. ولا شك في أن ما يناسب الأمة وقت الانتصار، لا يناسبها حال الانكسار.

 مبدأ 2: حرية الرأي ليست رخصة للمغالطة

الشرح:

قبول ذهنية "الجسارة" لا يعني قبول هدم الثوابت، ولا يبرر انتحال المغالطات والحيل لرفض نصوص الأحاديث الصحيحة، أو تأويل الآيات القرآنية بما لا يتفق مع اللغة أو واقع تطبيق المسلمين عبر السنين. وعلى الجانب الآخر فإن "المحافظة" لا تعني الجمود والتحجر ضد كل قيمة إنسانية نبيلة لمجرد أنها جديدة، أو قيمة معرفية مفيدة لمجرد أنها محدثة. والنجاح الحقيقي هو أن تتمكن الأمة من الوصول إلى صيغة متوازنة بين الأمرين تضمن الوقود لمركبتها (الحرية)، والمقود أيضاً (الحماية). إذا كان الأمر في إطار أشخاص يغالطون فلا أحد يهتم، أما إذا أصبح تياراً واتجاهاً، فيجب إعادة النظر، حتى لا ينتهي هذا التيار إلى عاصفة تطيح بنا جميعاً.

 مبدأ 3: دائرة الإسلام أوسع من ظن المحافظين

الشرح:

يتقبل المجتمع المصري ومثقفوه الإسلاميون -محاورين ومعترضين– اجتهادات د. نصر حامد أبو زيد د. أحمد صبحي منصور، د. حسن حنفي، د. عاطف العراقي، وأحمد عبد المعطي حجازي، و محمد سعيد العشماوي، ود. سيد القمني، د. فرج فودة، د. محمد أركون، د. محمد عابد الجابري و د. تركي الحمد وغيرهم.. ولكن دون وضعهم في سلة واحدة، ويسهل علي من يتابعهم التمييز بين "من جعل الحق إمامه" وبين "من أدار له ظهره". لكن ذلك لا يعطي أحداً الحق في إخراجهم من الملة، إلا إن أصروا هم على التفوه بذلك صراحة. وعلى كل حال فقد أثبت تطور الفكر الديني على مدار العصور أن دائرة الإسلام أوسع كثيراً من أحكام المحافظين وظنونهم.

 مبدأ 4: فرح الهداية أكبر من فرح الانتصار

الشرح:

الداعية "الحقيقي" لا يفهم الخلاف مع غيره على أنه منازلة يريد أن يحقق فيها النصر ويجذب إليه الانتباه، ويحشد أكبر عدد من المؤيدين. ولكنه يفهم أنه مسئول عن توضيح ما غمض أو التبس على الناس من شريعة الله تعالى وأحكامه. وهو يمارس هذه المسئولية بحكمة وموعظة حسنة، ويطبق هذه الممارسة لتحقيق غرضين: أولهما كشف الشبهات أمام المجترئ على الأحكام والشرائع ليستبين له الخطأ من الصواب, وثانيها: حماية المجتمع من الدخيل على المبادئ الدينية حتى يكون التمييز أمامهم واضحاً بين ما هو مقبول من الجماعة الدينية وما هو مرفوض منها.

والداعية الحقيقي – كالطبيب الكفء- ليس لديه خصوم. وهل يقول أحد إن مرضى الطبيب الذين يخالفون نصائحه هم أعداؤه وخصومه؟ وحتى لو لم يعترف المريض بمرضه وبقدرة طبيبه على علاجه فهذا لا يغير من حقيقة مرضه ومن كفاءة طبيبه. ورد الفعل الطبيعي لدى الداعية الحقيقي إذا علم أن من يخالفه قد أؤذي أو أضير نتيجة آرائه ليس هو الشماتة وإنما الأسى والحسرة والانزعاج.

 مبدأ 5: التخصص لا يعطي أفضلية لكن احترامه واجب

الشرح:

سيسأل البعض: من أعطى الشيخ الحق باحتكار الحقيقة ومنح شهادات المرض والبراءة؟ ومن هو حتى يحكم على أفكار الناس ومبادئهم واجتهاداتهم؟ والإجابة: لا أحد.  لأنه ليس هناك احتكار للحقيقة، ولا حجر على الأفكار والاجتهادات.. وإنما هو مجرد تنظيم وتوضيح للخطأ والصواب من وجهة نظر دينية. لا أحد يقول من أعطى سائق القطار الحق في أن يقود القطار؟ ومن أعطى ضابط المرور الحق في أن يمنحني مخالفة تجاوز السرعة؟ ومن أعطى مهندس الحي الحق في أن يصدر قراراً بتنكيس منزلي؟ ومن أعطى المدرس الحق في أن يرسبني في الامتحان.. محل السؤال هو: هل يمارس صاحب الحق حقه بإنصاف أم بتعسف وإكراه؟!!

التخصص لا يعطي أفضلية مطلقة دائمة معصومة لصاحبه، ولكنه يحدد دوره. وتخصص الداعية أو العالم الشرعي المعتمد لا يعطيه أفضلية على من يناقشه، ولكن يعطي كلامه مصداقية أكبر إذا كان موضوع الحوار تخصصياً بحتاً. إذا اختلف المهندس والسياسي على بناء جسر، وأجمعت لجنة الخبراء على عدم صلاحيته، هل يعني رفض المشروع أن المهندس أهم من السياسي؟ أم هي أدوار مختلفة؟ّّ إذا انعقد إجماع علماء المسلمين قديماً وحديثاً على أن الحجاب فريضة.. فلا يمكن لأحد أن يغير هذه الحقيقة حتى لو كانت كل زوجات العلماء أنفسهن متبرجات.

 مبدأ 6: الحديث في الدين ليس حكراً على علماء الدين

الشرح:

الحديث في الدين ليس حكراً على رجال "علماء" الدين وإلا لجاز لنا أن نقول: لا يتحدث في الكرة إلا رجال الكرة، ولا يتحدث في المرور إلا رجال المرور، ولا يتحدث عن أمريكا إلا وزير الخارجية… الآن أنا لست متخصصاً – لأني خريج هندسة- فهل يحق لي أن أتحدث في الشأن الديني؟ يحق لي من قبيل طرح التساؤل، وعرض الاقتراحات..والمناقشة… نريد أن نبني ثقافة الدليل دون أن نقع في الشخصانية.   

 مبدأ 7: الرأي الشرعي ليس هو الرأي النهائي ولا الوحيد

الشرح:

لمن تكون الكلمة الأخيرة؟ للسياسي أم للفقيه؟ لمن اختاره الناس عبر صندوق الانتخاب أم لمن تفرغ لدراسة أصول الفقه والسياسة الشرعية فكان –نظرياً- أقرب لفهم مراد الله؟ ونحن مع من يقول بفصل الإسلام عن الدولة، لا بمعنى إقصاء الإسلام عن السياسة العامة والتشريع القانوني، والتوجيه الاجتماعي، فذلك شبه مستحيل لو أردناه، فضلاً عن أنه لا يقول عاقل إن تنازلاً مجانياً عن هويتنا سيجعلنا أفضل في عالم يترصدنا من أجل هذه الهوية، حتى لو كانت ناقصة وممسوخة. المقصود بفصل الإسلام عن الدولة أمران جوهريان: الأول: أن تحظى المعاهد ومراكز الأبحاث الدينية باستقلال تام –مالي وإداري ومنهجي- عن النظام السياسي القائم، بحيث يتوفر لها أن تقدم الرأي الديني بعيداً عن الترهيب والترغيب. والثاني: أن يتحمل الحاكم مسئوليته السياسية الكاملة عن قراراته التي يتخذها وتوجهاته التي يتبناها، سواء وافقت ما انتهى إليه اجتهاد علماء الدين – أو بعضهم- أو حتى خالفت الإجماع الذي جرى عليه العمل لقرون، لمصلحة رآها الحاكم ومررها بالطرق السياسية المشروعة.

 مبدأ 8: لا يحق لأحد أن يزعم أنه الأعلم بمراد الله

الشرح:

لا يملك هذا ولا ذاك أن يجلس خلف مكتبه المكيف ويقول إن معي حق، والآخرون على خطأ. التجربة وحدها في الدنيا، وموقف قوى المجتمع وولي الأمر هو الذي يحدد المقبول من المرفوض (وليس الصواب من الخطأ)، و الحساب يوم القيامة هو وحده الذي سيكشف من كان على صواب، ومن كان على خطأ.

 مبدأ 9: مصر دولة إسلامية

الشرح:

من حق المصرييين أن يحتكموا إلى الشريعة الإسلامية. وهي ببساطة الشريعة التي تدرس في كليات الحقوق المصرية والعريبة. إن أحداً لم يسخر من الاشتراكية حين اختلف تطبيقها في الصين وروسيا وأسبانيا وفنزويلا، رغم أن كل تطبيق كان مدموغاً بالتجربة الخاصة لكل منها. كما أن السؤال الاستنكاري الساخر:أي إسلام تريدون؟  يؤكد الثراء والتنوع الذي يحمله التراث الفقهي، و يجعل اختيار القائمين على الحكم لأحد الآراء أو الأحكام أو المذاهب من بين مجموعة من الآراء المتباينة الرؤى في ظل غياب معايير دينية صريحة للترجيح بين هذه الآراء، هو اختيار مدني وسياسي وليس دينياً، وهو ما يعرف في الفقه باسم "المصلحة" أو باسم "العرف" حسب نطاق التطبيق.

 مبدأ 10: مصر دولة مدنية

الشرح:

ليس للعلماء فيها سلطة المنع والمنح، وإنما واجب الإعلان والتنبيه. ولا يجوز لعالم أن يعزل حاكماً، ولا لحاكم أن يحبس عالماً، والحاكم هو المسئول الأول والأخير أمام الله وأمام الشعب عن قراراته، والمجلس التشريعي مسئول أمام الله وأمام الشعب عن القوانين التي تصدر عنه، والآليات السياسية التي تتفق عليها جموع الأمة –وفي القلب منها تداول السلطة- هي وحدها التي تحاسب الحاكم، بالتجديد له أو إسقاطه أو حتى عزله إذا اقتضى الأمر.  

 و هذا الفصل الواضح بين الأدوار، والمعضد بفصل مواز بين السلطات،  يحجب أية قداسة عن القوانين أو التشريعات أو السياسات التي تنتهجها الدولة بزعم أنها تعبير صادق عن الإسلام الصحيح. والأهم أنه  يحجب هذه القداسة والتوقير عن المجموعة الحاكمة -أيا كان شكل الحكم- لأنها وفق هذا التصور تقوم بوظيفة اسمها الحكم ولا تمثل الله في الأرض ولا تحكم باسمه.

إن الدين لا يفسد السياسة، ولكن السياسيين يستغلون الدين لتحقيق أهدافهم السياسية، وهم يستعينون في ذلك ببعض المنتفعين من المشتغلين بعلوم الدين. ولا يصح أن يحملنا هذا الوضع الخاطيء على اتهام الدين أو استبعاده ، وليكن كل همنا – مسلمين وأقباط – أن يعود الدين "الحقيقي" بقيمه الفطرية البسيطة والأصيلة ليكون فوق الدستور وفوق القانون، وفي عقل كل منا ووجدانه، ضمانة حقيقة لاستقرار مصر، وحافزاً قوياً لنهضتها وسعادة أبنائها.

 مبدأ 11: حماية الدين واجب شرعي ودستوري

الشرح:

من الأوفق والأسلم أن يعهد المجتمع لجهة ما بالدفاع عن الدين والحفاظ على التراث الإسلامي و لتكن مثلاُ "مجمع البحوث الإسلامية" المختص بنص القانون 103 لسنة 1961 : "ببيان الرأي الشرعي في كل ما يستجد من قضايا ومشكلات مذهبية أو اجتماعية تتصل بالعقيدة الإسلامية ، مع متابعة ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسلامي بمجالاته المختلفة ومواجهتها بالتصحيح والرد في حالة تجاوزها لما هو معلوم من الدين بالضرورة". وحتى نزيل أي مبرر للاشتباك، فلنتفق أن  المجمع –الذي لا يمتلك تفويضاً إلهياً باحتكار الحقيقة- يقوم هنا بدور مدني وليس دوراً دينياً، وهو يشبه الدور الذي تقوم به معامل التحاليل المركزية، وهيئات الرقابة والسلامة المهنية. وحماية المجتمع هو واجب الحاكم قبل أن يكون حق العلماء، و التعقيب بالرفض أو التأييد "الشرعي" متاح لعلماء المجمع كما هو متاح لغيرهم، والمصادرة أو المنع قرار تحكمه تقديرات السياسة أكثر مما يحسمه رأي الدين، (إذ لا أعلم نصاً دينياً واحداً يجيز المصادرة)، وهو يمس المكتوب لا الكاتب.

(يتبع…..)

 

Advertisements