لا أدري لماذا أتذكر جدي الحاج محمد عزيز كلما شاهدت صورة محمود عباس على شاشة التلفاز يعانق أولمرت أو يتغنى بدعم كونداليزا رايس…. أو جورج بوش ينادي بمؤتمر للسلام، أو حسني مبارك يعلق على أحداث غزة الأخيرة…

رحل جدي عن عالمنا عام 1977، ورغم أني بحكم السفر لم ألقه إلا مرات متعددة كنت فيها أصغر من أفهم أو أدرك ما يفعل، إلا أني لازلت أذكر ما حفظني إياه كوصية نقلاً عن والده…

رضينا قسمة الرزاق فينـــا               لنـا علم وللجهال مال

فعز المال يفنى عن  قريب              وعز العلم باق لا يزال

 ورغم بعد الزمن، ورغم أنه لم يكن ذا سطوة أو منصب أو سلطان في المجتمع الذي نشأ فيه… إلا أني أفتقده… وأفتقد شخصيته… وأتحسر على خلو مجتمعنا من أمثاله…

ليس هذا حديثاً عن السياسة… إنما حديث عن الشخصية …

ليس هذا حديثاً عن مفاخر رجل رحل.. إنما حديث عن صفات جيل انقرضت..

عن الصرامة في مقابل الميوعة..

عن الانضباط في مقابل التسيب

عن الحسم في مقابل الابتذال…

عن الثقة في مقابل الخنوع…

عن قوة الطلب في مقابل ذل الاستجداء…

عن تحري الحق والدفاع عنه في مقابل التسوية والرضا بالمعروض.  

الأستاذ محمد محمود عزيز (1910- 1977) رجل تربوي صارم، وصورته الوحيدة التي يحتفظ بها عمي عزيز جالساً في رفعة بالبدلة الكاملة والطربوش تظهر هذه الصرامة والدقة، مثلما تظهرها عصاه الرفيعة ونظارته السميكة ونوتة مدوناته التي تحتوي أدق أرقام البيع والشراء كتبها بخط رقعة رقيق كالسيف مثلما هو حاد.

 

******

في الحديث النبوي الشريف: "ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم"، وفي الحديث عن جابر: "من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة" قال قلنا يا رسول الله واثنان قال واثنان. قال محمود بن لبيد لجابر أراكم لو قلتم واحداّ لقال واحد، قال وأنا أظن ذلك". غفر الله لجدي الحاج محمد فقد دفن بنفسه ثلاثة من أبنائه رحلوا أطفالاً، ولعل هذا مما ساهم في خلق هذه الشخصية الجادة الصارمة.

 

والحاج محمد عزيز شخصية فريدة.. إن شاء أبدى صرامة وحدة يخشى معها حضور مجلسه من ارتكاب جناية، وإن شاء أبدى خفة ظل وتعليقات مبتكرة استلقى معها الحضور على قفاهم كما يحلو لكتب الأدب العربي أن تصف حال من أخذ منهم الضحك مأخذه. لكن الذي يميزه، وتوارثته العائلة جميعاً بدرجات متفاوتة هو "حب الحق" و "حب قول الحق" و "الخضوع للحق" أياً كانت تبعات هذا الخضوع، يزيد عليها عند الحاج محمد "تحري الحق"،  ولو كان في هذا التحري غضب أولي الأمر أو عتب ذوي القربى.

 

وهذه الصفة: "تحري الحق" هو ما نشأنا على أنها الصفة الأميز في عائلة عزيز، وهو ما يسميه البعض – من الأصهار- بالعناد و"نشافة الرأس". وهو وصف لا يبتعد كثيراً عن الصدق إذا كنا نتحدث عن "العرَض" لا الجوهر، والوصف الأجدر بالتسجيل هو كما ذكرت "تحري الصدق". والمدهش أنه في معظم الأحيان فإن قيمة هذا الحق الذي نتحراه لا يساوي الجهد والمشقة المبذولة في إدراكه، غير أن أحداً من العائلة لا يفكر بهذه الطريقة، فقيمة أن نعرف الحق ثم أن نحققه – أياً كان الموضوع- هي وحدها التي تستحق العناء، وهي التي تستحق الاحتفال، لا ما يجلبه الحق من مصلحة مادية أو معنوية.

******

 

كان الأستاذ محمد عزيز نموذجاً فذاً غير قابل للتكرار في هذا المضمار. كان كالقطار أو قل كالمقصلة أو قل كالرصاصة التي إذا انطلقت فلن يثنيها شيء عن أن تصل إلى هدفها. إذا اشترى قطعة أرض قاسها بالسنتي وحسب ثمنها بالمليم، ووضع حديدها بالمسطرة. ولو بقي له من 100 جنيه دفعها ثلاثة مليمات لما تردد في طلبها أياً كانت غمزات الحاضرين، ولا بأس بعد ذلك من أن يخرج عشرين جنيهاً لله.

 

وكانت له ساعة جيب جوفيال ثمينة مضبوطة بالثانية، وكان إذا تواعد مع أحد أن يلقاه في الخامسة بعد العصر، وحضر الرجل متأخراً خمس دقائق، كان لا يجد حرجاً في أن يخرج للرجل بنفسه ويعتذر له عن إتمام المقابلة لأن الرجل لا يحترم مواعيده. أنت هنا تتحدث عن قرية في الأربعينات من القرن العشرين. وإذا تأخر أحد طلبته في الحضور عن موعد الطابور في السابعة صباحاً، فلابد أن يلقى عقابه مهما كانت حدة المطر وحجم الطين في الحذاء وتوسلات الأم.

 

وأعطى كلمة عابرة لأحد الأشخاص، لم يرض أن يرجع عنها فتزوجت ابنته الكبرى عن غير رضاها، وهي زيجة لم يكتب لها التوفيق. وحين أشرف لأبي، وكان قد جاوز الخمسين، على بناء بيت وسط المزارع في منطقة دار السلام في منتصف الستينات لقي العمال من طريقته أشد العناء، كان يعد أسياخ الحديد وهي بالمئات سيخاً سيخاً كل صباح، لا يصرفه عن ذلك حرارة الشمس ولا تذمر العمال ولا ضيق الوقت.

 

وكان مسئولاً عن الجمعية الزراعية التعاونية فكانت مثالاً للدقة والانضباط وعدالة التوزيع، ولم يصرفه عن عنايته الصارمة بأولاده كثرة تنقله في البلاد وترك زوجته الصغيرة وأولاده مع أبيه وأمه. وكان إذا أقسم بضرب أحد أولاده مائة عصا – وكثيراً ما فعل – بر بقسمه ثم حمل ابنه وسط صراخ الأم الملتاعة إلى الطبيب.

******

 

على أن أشهر ما تتداوله العائلة من قصص هذا العناد هي القضية التي رفعها على الأستاذ/ سعيد حبيب باشا، وهو والد المذيع الشهير طارق حبيب. وكان له عدد من الأفدنة بجوار أرض جدي، ورأى جدي أن الرجل قد جار على أرضه واستولى على عدد من القراريط بدون وجه حق. وأصر جدي على رفع قضية، وكان الأستاذ سعيد قريباً لنا من جهة جدتي، وحاول كثيرون الوساطة، وكان الاتفاق ممكناً بهدوء خاصة أن الطرف الآخر لم يكن ليغتصب حقوق الآخرين، لكنه أصر على أخذ حقه بالطرق الرسمية، واستمرت القضية في المحكمة قرابة العشرين عاماً، وصرف عليها من أتعاب المحامين الذين كان يبدلهم بشكل مستمر- لميوعتهم- ما يبلغ أضعاف قيمة الأرض المتنازع عليها، وحين صدر الحكم أخيراً على ورثة الباشا، كان الكل قد زهد في التنفيذ.

 

وركب رأسه مرة أخرى في أحد انتخابات مجلس الأمة في الستينات حين أصرعلى الوقوف إلى جانب أحد زملائه من رجال التعليم في الترشيح أمام السيد/ نصر النجومي والد السيد/ صلاح نصر مدير المخابرات العامة المصرية. وكان مجرد التفكير في الوقوف هذا الموقف يبعث على الرهبة. وكانت المفارقة أن السيد/ النجومي هو عمدة قرية سنتماي المجاورة والتي تتبع إدارياً قريتنا أوليلة. وكان العرف يقضي أن نقف بجوار ابن المنطقة المحبوب بغض النظر عن سطوة ابنه. ولكنه –ربما لهذا السبب – اتخذ القرار الأصعب وقرر الوقوف إلى جانب زميله الذي اتخذ قرار الانسحاب لقناعته بعدم جدوى المنافسة، ولكن الأستاذ/ محمد عزيز منعه من الانسحاب وأقنعه بخوض التجربة إلى نهايتها. وأرسل إليه النجومي بأنه إن لم يتراجع عن موقفه فإنه يعتبر ابنيه عبد الغفار وعادل في عداد المفقودين ، فما كان من محمد عزيز إلا أن رد عليه قائلا: " إن فقدي لولديّ أحب إليّ من فقدي لحريتي وتكميم فمي ورضوخي للطغيان".

 

وقاد الحاج محمد عزيز حركة رأي عام ضد التيار السائد في القرية، ولم يكن أمام الطرف الآخر إلا أن يستخدم نفوذه، فنزلت قوات من الجيش البلد (لمنع حركة التمرد)، و لم تكن قوات الأمن المركزي قد عرفت بعد. واضطر الناس – وقد عز عليهم أن يشعروا بالقهر – و بحكم العناد المتبادل إلى المواجهة، ومنع الناس من الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وقامت الحكومة نيابة عنهم بالتصويت لمرشحها. لم تكن ثمة مفاجآت في النتيجة هذه، إلا أن الخبرة التي اكتسبها المرشح المنافس مكنته من النجاح في الدورات التالية.

******

 

وقد أعطت هذه النزاهة المجردة والحيدة المتفردة للأستاذ محمد عزيز سلطاناً وهيبة لم تكن بالقدر نفسه عند معاصريه. لم يكن الحاج محمد عزيز أغنى أقرانه ولا أعلمهم ولا أكثرهم نفوذاً، ولكنه كان المرجع الذي يلجأ إليه المتخاصمون يرضون حكمه ويتابع هو بنفسه تنفيذه، وإن خالف حكم محمة الاستئناف أو تعارض مع قرار مدير المديرية… وهذا درس عجيب يختصره المصريون في كلمتين: الكبير كبير.

فزوج وصالح وطلق، وقسم المواريث حسب مقتضى الشرع لا عرف العائلات، ووزع الأراضي وصالح الخصوم وقضى بالتعويضات وحكم بسفر هذا وعودة ذاك، بل اختار لبعض أقاربه أعمالهم ودراستهم، فهذا يدخل الأزهر، وهذا يتطوع في الجيش وهذا دبلوم المعلمين… وهذا للأرض.. وهذا للتجارة.. لا على سبيل النصح من عميد العائلة المبجل وإنما على سبيل الحكم المطاع والقضاء النافذ.

 

أعلم أنه من العسير علينا أن نعود سبعين عاماً إلى الوراء لنحكم هل كان هذا هو الأمثل؟

ولكن أياً كان الحكم… وأياً كان الوصف…

أفتقدك يا جدي…

ويفتقد رجولتك العالقون في معبر غزة…

ماذا تعني كلمة زعيم… إذا عجز عن فتح المعبر للمرضى والمسافرين…

ضحكت حتى كدت أبكي وأنا أسمع صائب عريقات يتحدث عن "الجهود الجبارة" التي تبذل لحل أزمة العالقين على المعبر…

ضحكت حتى كدت أبكي وأنا أقرأ عن أن من دعاهم رئيس المخابرات المصرية للحوار الفلسطيني الفلسطيني … عالقون في المعبر وعاجزون عن العودة…

الكبير كبير من داخله… ولو كان عاملاً بسيطاً

والصغير صغير من داخله… ولو كان رئيس أكبر دولة عربية…

أفتقدك يا جدي…

هل انقرض هذا النوع من  البشر؟!

أفتقد رجولتك في رجال الإعلام و أفتقدها في رجال السياسة وأفتقدها في رجال الدين وأفتقدها في رجال الأعمال والأ خطر أني أفتقدها في الطلبة…

أشعر أن الأمة العربية… في حاجة إلى قيادة لها هذه الصفات…

الأبوة والمسئولية والحسم والإصرار وإنكار الذات والاستماتة في سبيل الحق…

حتى لو أسماها معلقو الفضائيات..

عناداً وغباء..وضيق أفق.. وانتحاراً…. وجهلاً بالمتغيرات…

معي حق… أليس كذلك؟

Advertisements