الوسوم

 في الذكرى الثمانين لمولده

الدوحة – موقع القرضاوي/ 14-7-2007

رفض فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين  وصفه بـ"الإمام" في ملتقى أصحابه وتلاميذه الذي بدأ اليوم السبت بالدوحة تحت عنوان "ملتقى الإمام القرضاوي مع التلاميذ والأصحاب".

وبتواضع العلماء قال إنه يعتبر نفسه "طالب علم وتلميذ حتى آخر لحظه في عمره". وطلب العفو والصفح ممن أساء إليهم بقول أو فعل مشيرا إلى  أنه "بشر يخطي ويصيب" . كما جدد الإعراب عن رغبته في اختتام حياته بالشهادة في سبيل الله.

وفاجأ القرضاوي أكثر من مائة شخصية من تلاميذه وزملائه وأصحابه وبينهم وزراء ووجهاء من أكثر من ثلاثين دولة باعتراضه على مسمى "الإمام " الذي اتخذه الملتقى عنوانا له وركز عليه معظم المتحدثين في الجلسة الافتتاحية وتنافسوا في مدح الشيخ واعتبروه "إماما للعصر" تقديرا لاجتهاداته الفقهية وجهوده في خدمة الإسلام والمسلمين.

 وتمنى القرضاوي ألا يكون ثناء أصحابه وتلاميذه سببا في حرمانه من ثواب أعماله التي يبتغى بها مرضاة الله عز وجل. وأشار إلى أنه كان متخوفا من عقد الملتقى "خوفا من المدح والثناء الذي يمحق ثواب الأعمال في الآخرة"، مشيرا إلى الحديث الشريف القائل :"ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون غنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا  غنيمة تم لهم أجرهم".

من جنود الإسلام..

وبصوت محشرج بالبكاء قال :"أخشى أن تذهب المدائح بثلثي أجري ولا يبقى لي إلا الثلث". وبتواضع العلماء، أضاف الشيخ القرضاوي إن التكريمات والمدائح والثناءات التي سمعها في ملتقى أصحابه وتلاميذه  لا تخدعه عن حقيقة نفسه التي يعرفها أكثر من غيره وقال : " أنا أعرف نفسي بضعفها وتفريطها وتقصيرها أكثر من معرفة غيري لها".

وتابع قائلا : إن الله سترنى بستره الجميل ومن فضل الله أنه يستر على عباده  ولم يجعل لمعاصيهم رائحة يشمها الناس".

واعترض الشيخ القرضاوي على تسميته "بالإمام " كما وصفه معظم المتحدثين في افتتاح الملتقى وقال : " أنا والله لست قائدا ولا إماما أنا جندي من جنود الإسلام، وتلميذ وسأظل تلميذا أطلب العلم حتى آخر لحظة في عمري".

وأشار إلى أنه يحتاج لمن يرشده إلى معلومة أو يقول له خبرا نافعا  كما قال  الهدهد لسليمان عليه السلام : "وجئتك من سبأ بنبأ يقين".

ومضى الشيخ القرضاوي في تواضعه قائلا إنه يحب أن يخاطب الحاضرين في الملتقى من أصدقائه وتلاميذه  بكلمة " إخواني"، معتبرا أن الأخوة أقوى صله تجمع بين المسلمين مستشهدا بقول الله عز وجل :"إنما المؤمنون أخوة " وقوله سبحانه : "فأصبحتم بنعمته إخوانا".

وذكر الشيخ القرضاوي أن الله ألهمه التحرر من التعصب فلم يتعصب لمذهب ولا جماعة ولا طائفة . وروى أنه كان حنفيا خلال دراسته بالأزهر لأن أحد أساتذته سجله ضمن الطلاب الحنفية رغم انه كان يتمنى أن يكون شافعي المذهب. وقال ضاحكا : الآن أصبحت "حنفشيا"، في إشارة إلى أنه حنفي وشافعي ومتبع للمذاهب الفقهية الأربعة.

وأشار الشيخ القرضاوي إلى أنه يستمد فقهه من جميع المذاهب والمدارس الفقهية مبينا أنه يأخذ من كل مذهب أفضل مافيه ويجمع الحق بعضه على بعض.

كما أشار إلى أنه لا يحب أن يحصر نفسه ضمن جماعة إسلامية بعينها ويحب أن يكون تابعا للإسلام بشموله وسعته. وقال: "الجماعات تصب أتباعها في قوالب جامدة وأنا تمردت على القوالب".

وأضاف قائلا : "خالفت حسن البنا في رفضه للتعددية الحزبية وفي قوله أن الشورى معلمة لا ملزمة للحاكم .. وخالفت أبو الأعلى المودودي في قسوته على  تاريخنا الإسلامي … كما خالفت سيد قطب في كثير من أرائه رغم حبى وتقديري له".

وشدد القرضاوي على مسألة هامه في منهجه الدعوي وهي تحرره من إرضاء الناس والسلاطين وحرصه على رضا ربه فيما يجتهد فيه ويفتى به.

وأوضح أن "هناك دعاة وعلماء يسعون لإرضاء الخلق على حساب الخالق وهناك من المفتين والمجتهدين يفتون لإرضاء الحكام والسلاطين".

وأعتبر أن إصدار الفتاوى لإرضاء الجمهور ونيل استحسانه أخطر من إصدار الفتاوى لنيل رضا الحكام مبينا أن "الذين يسعون لرضا الجماهير قلما ينكشفون لكن الذين يرضون الحكام ينفضحون".

نعم لا تحصى

ولفت الشيخ القرضاوي إلى أنه لا يشغل نفسه بعداوة أو خصومة مع أحد من الناس وقال أن الله حرره من الوقوع في شرك الخصومات حتى مع الذين يسيئون إليه  ولا يعادي إلا الظلمة والأشرار والمفسدين .ويعادي الذين يعادون الإسلام والمسلمين ممن يحتلون أرضا إسلامية ويستبيحون دماء وأعراض المسلمين .

وأوضح أن اللقاء بين الأخوة وخاصة إذا كانوا طلاب علم لا يخلو من البركة وأشار إلى الحديث الشريف الذي رواه سلمان الفارسي وجاء فيه :"مثل الأخوين المؤمنين كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى".

وتحدث عن رحلته في طلب العلم ونشأته في قرية "صفط تراب" بمحافظة الغربية في دلتا مصر معددا نعم الله عليه معترفا وهو يبكى بكثرتها، وقال : "أعيش في نعم لا تعد ولا تحصى منذ ولدتنى أمي وحتى اليوم ولو سجدت على الجمر وصمت الدهر وقمت الليل والنهار ما وفيت ربي نصف معشار ماهو مطلوب منى في حق الله عز وجل"، وتلا قوله تعالى :" وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها".

 وروى أنه ولد يتيما فعوضه الله عن وفاة أبيه بحب عمه وأولاد عمه وأخواله له حبا عوضه عن فقدان الأب، كما أنعم عليه بحفظ القرآن الكريم وحسن تلاوته وتجويده وهو دون سن العاشرة مما جعله محل تقدير وتكريم أهل بلدته، ثم أنعم عليه بحب طلب العلم والصبر عليه والتفوق فيه منذ التحق بالأزهر الشريف وحتى الآن.

وأشار إلى أنه كان ومازال نهما في طلب العلم شغوفا به وأقر بأنه لا يعرف شيء اسمه الإجازات فهو مستغرق في القراءة والكتابة والتأليف والحوار والخطابة والتحدث في الندوات ودروس العلم طوال حياته.

وعبر القرضاوي عن سعادته بمن احتفوا به من تلاميذه وطلب من إخوانه وتلاميذه ومحبيه أن يسامحوه فيما قصر فيه تجاههم أو فيما بدر منه من إساءة نحوهم وقال : "سامحتكم فيما بدر منكم في حقي فسامحوني فيما بدر منى في حقكم" مشيرا إلى أن العفو والصفح من شيم الفضلاء .

وختم القرضاوي كلمته راجيا من الحضور الدعاء له بحسن الخاتمة متمنيا أن يختم الله له بالشهادة في سبيل الله وأن يفارق الدنيا شهيدا.

مباراة في الثناء

وتبارى أصدقاء القرضاوي وتلاميذه وزملاؤه في الثناء عليه. فقد ذكر د. عصام البشير أمين عام مركز الوسطية بالكويت أن انعقاد الملتقى جاء وفاء بحق الشيخ تأكيدا على مفهوم تلمذة المنهج لا المذهب وتحقيقا لاستمرارية وامتداد تيار الوسطية .ووصف القرضاوي  ب"الإمام المجاهد " وأنه " أمة في رجل " .

وتحدثت د. عائشة المناعي عميدة كليه الشريعة بجامعة قطر عن جهود القرضاوي فقالت: "لكل عصر واحد يزهو به.. ويوسف لهذا العصر ذاك الواحد" وذكرت أن "الوسطية تجسد فكر القرضاوي حيث تنفتح لها بصيرته وعقله ويتسع لها قلبه ويجري بها قلمه وينطق بها لسانه ويجدر ان يتمسك بها ويسير عليها تلاميذه".

واستعرض د.محمد  نور هداية من اندونيسيا جهود القرضاوي في دعم ومؤازرة مسلمي جنوب شرق أسيا وبالذات في اندونيسيا والفلبين. وتحدث عن آخر جولاته الدعوية بجاكرتا في فبراير الماضي مبينا منزلة ومكانة الشيخ لدي مسلمي اندونيسيا. واستدل بقول رئيس "جمعية المحمدية " الاندونيسية التي يتبعها أكثر من (45) مليون مسلم أن "القرضاوي لو كان اندونيسيا لكان أجدر لناس برئاسة الجمعية".

وأشار إلى أن معظم مؤلفات الشيخ تتم ترجمتها – دون إذن القرضاوي – للغتين المالاوية والاندونيسية فور صدورها ويتخطفها قراء الشيخ المتلهفين لعلمه وفقهه.

وذكر الشيخ فيصل المولوى أمين عام الجماعة الإسلامية بلبنان أن تيار الوسطية الإسلامية تعثر كثيرا حتى تمت ولادته من جديد على يد الشيخ القرضاوي . وقال "إن القرضاوي يستحق أن يكون قائد ركب الأمة الإسلامية لما يتميز به من العلم والعمل والإخلاص للإسلام والمسلمين".

وشهد افتتاح الملتقى عرض فيلم وثائقي جسد جوانب من حياة وجهود وأعمال القرضاوي وعرض لبعض مواقفه الفكرية والفقهية .

ويشارك  قرابة مائة داعية وباحث في ملتقى " ملتقى الإمام القرضاوي مع التلاميذ والأصحاب" الذي بدأ السبت جلساته بالدوحة طوال ثلاثة أيام.. ويشرف على  تنظيمه كلية الشريعة بجامعة قطر، ومركز إسهامات المسلمين في الحضارة بقطر ، والمركز العالمي للوسطية بالكويت .

ويستعرض المشاركون في الملتقى خلال ثلاثة أيام أكثر من  خمسين بحثاً وورقـةَ عمل ، تتناول جهود الإمام القرضاوي العلمية والعملية التي اشتغل بها (كتابـةً وخطابـةً وعملاً) طوال سبعين عاما تقريبا من عمره.

أبرز الحضور

ومن أبرز الحضور من قطر : الشيخ عبد القادر العمَّاري ، د. عائشة المناعي ، د. علي القره داغي ، د. عبد العظيم الديب ، د. أحمد الحمادي ، د. علي المحمدي ، د. حامد الأنصاري ، د. عثمان البيلي ..

ومن أبرز الشخصيات التي تحضر من الخارج : د. أحمد العسال ، د. عصام العريان ، د. نصر عارف، أ. أبو العلا ماضي، د. هبة رؤوف عزت (مصر) ، د. بشير نافع (فلسطين) ،  د. علي بادحدح (السعودية) ، أ. أبو زيد الإدريسي ، خديجة مفيد ، بسيمة حقاوي (المغرب) ، وسيلة خلفي ، محند صايب (الجزائر) الشيخ فيصل مولوي (لبنان) ، حمزة أبو فارس (ليبيا)، أ. راشد الغنوشي (تونس) ، أ. منير شفيق (فلسطين) ، د. عبدالوهاب الديلمي (اليمن)، د. خالد المذكور (الكويت) ، د. سعيد حارب (الإمارات) ، الشيخ نظام يعقوبي ، د. خالد السعد (البحرين) ، د.عبدالستار أبوغدة (سوريا) ، د. طه جابر العلواني (الولايات المتحدة) ، د. محمد نور هداية (إندونيسيا) ، أ. بتينا جريف (ألمانيا) ، سالم الشيخي (بريطانيا)، د. جمال بدوي (كندا) ، د. عبد الغفار عزيز (باكستان) ، الشيخ سلمان الندوي (الهند) ،  د. عبد المجيد النجار (فرنسا) .

وتم توزيع  مشاركات الحضور على تسعة محاور متصلة بمنهج الإمام القرضاوي وهي: أصول الفقه والمقـاصد ، الفقه والفتوى ، قضايا الأمـة ، الدعوة والصحوة ، الإصلاح والتجديد ، السياسة والاقتصاد ، الفنون والإعلام ، السيرة والمسيرة ،البرامج والمشاريع .

ويعد القرضاوي من أبرز دعاة (الوسطية الإسلامية) التي تجمع بين السلفية والتجديد وتمزج بين الفكر والحركة، وتركز على فقه السنن، وفقه المقاصد، وفقه الأولويات.

وحصل القرضاوي على عضوية عدد من المجامع والمؤسسات العلمية والدعوية والعربية والإسلامية والعالمية، منها: المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامية بمكة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن، ومركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد،  فضلا عن رئاسته للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

كما نال العديد من التقديرات، حيث حصل على جائزة البنك الإسلامي للتنمية في الاقتصاد الإسلامي، كما حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية، وجائزة العطاء العلمي المتميز من رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا لعام 1996م.

ويتميز منهج العلامة القرضاوي بالرؤية الشاملة، المتوازنة والمستنيرة، والتي تقوم على التيسير في الفتوى، والتبشير في الدعوة، وعلى الموازنة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر، وعلى الاجتهاد المنضبط الصادر من أهله في محله، وعلى الحوار مع الآخر، والتسامح مع المخالف.

نقلاً عن: موقع الشيخ القرضاوي: http://www.qaradawi.net

Advertisements