هل الجهاد أكذوبة؟

أرهق المحللون الغربيون أنفسهم في فهم سر "الجهاد"، ثم سلموا بعجزهم. وحين طلبوا المعونة من خبراء الدين الإسلامي، ازدادوا تشوشاً وحيرة… إذا وجدوا هؤلاء أيضاً يرددون مقولات من نوع أن الحرب في الإسلام دفاعية فقط، وأن الإسلام لا يبيح العنف، وأن الجهاد المشروع هو فقط ما كان لرد العدوان… فإذا صح أن هذا هو فهم علماء الدين الرسميين للجهاد، وإذا كان هذا هو بالفعل ما يدرس في المناهج الدينية الإسلامية، فما هي إذن القيمة الداعمة والعقيدة المحفزة لسلوك هؤلاء "الجهاديين"؟؟؟

ما الذي يدفع عدداً من الأطباء النابهين أن يديروا ظهرهم لمستقبلهم العلمي الزاهر، وأسرهم السعيدة، وابتسامات أطفالهم المبهجة ليركبوا سيارات ملغومة ويفجروا أنفسهم وسط جموع من المدنيين الآمنين؟. ماذا الذي يدور داخل مصانع الانتحاريين في العراق الذين ينتجون انتحارياً كل دقيقة؟ وما الذي يدفع أطفالاً يدرسون القرآن في المسجد الأحمر في باكستان أن يتلقوا دروسهم وسط هذه الترسانة من الأسلحة والذخيرة؟ وما القيمة التي يدافع عنها مجاهدو فتح الإسلام حتى يرفضوا الاستسلام لجيش كامل يحاصرهم شمال لبنان؟ وما الذي يريد أن ينتهي إليه الحوثيون في اليمن بصراعهم مع الحكومة؟ ومن يقف وراء انفجارات المغرب العربي وسيناء و مكة المكرمة، التي تتوقف شهراً وتنهض آخر؟

لكن المشكلة لا تقف عند عدة آلاف من الشباب المسلم في شرق العالم وغربه باعوا عقولهم لفكرة غامضة، المشكلة الأكبر في أن مئات الملايين من المسلمين عاجزون عن اتخاذ موقف صريح برفض هذه الأعمال والتبرؤ منها باعتبارها أعمالاً إرهابية تخالف تعاليم الإسلام، ولا تتفق مع الفطرة، وتتناقض مع الأعراف الدولية . والحق أن كثيرين ممن يستنكرون في العلن هذه الأحداث لا يملكون إخفاء غبطة خفية تتملكهم وهم يتابعون تفاصيل التفجيرات في الدول الأوروبية… ويتناقلون بسرور وفخر أعداد الضحايا في تشف واضح وكأنهم يثأرون بكل ضحية لشهيد من شهداء معارك فلسطين، أو لتصريح من تصريحات بوش الغبية عن دعم الصهاينة ومطاردة الإرهابيين.

وهكذا وفي غضون عدة سنوات أصبح "الجهاد" كلمة سيئة السمعة، حتى أنه قبل عدة سنوات تأخر إصدار البيان الختامي لأحد اجتماعات وزراء الخارجية العرب لعدة ساعات حين أصر أحد الوزراء، الذي تولى بعد ذلك منصباً مرموقاً في الجامعة العربية، على حذف كلمة "الجهاد" التي تسربت إلى منطوق البيان بدعوى أنها كلمة رجعية سيئة السمعة، وأنه لا يليق بوثائق الدبلوماسية العربية أن تستخدم مثل هذا النوع من الألفاظ، وإن كان لابد من بديل، فلنستخدم كلمة "المقاومة".

هذه الاستفادة المريبة من تداول المصطلح وترويجه بمعناه الديني الغامض وهالته التاريخية البراقة يتشارك فيها ثلاثيو المأساة (أمريكا والجهاديون والأنظمة العربية)….

فمحافظو أمريكا الجدد يبحثون عن حجة أخلاقية (أسموها محاربة الإرهاب/ الجهاد) لتبرير أطماعهم التوسعية كما أنهم يرددون أمام أتباعهم الإنجيليين أن أصوليتهم المسيحية مهددة أمام أصولية إسلامية همجية تعادي الحضارة  وتسعى لتدميرهم….

أما السلفيون الجهاديون فيختبئون خلف المصطلح ليضفوا على أعمالهم صبغة شرعية في ضوء رفض شعبي لقبول أعمالهم التي تخالف الفطرة، وترفض أن يكونوا بديلاً سياسياً مقبولاً حتى لو اشتركوا معهم في عدائهم لأمريكا وإسرائيل..

كما أن الحكام العرب يتمسكون بنظرية (دينية) ترى أن الجهاد سلطة مطلقة للحاكم يطلقه متى أراد ويحجبه متى شاء، وأنه لا يخضع للشورى (كوضع الموازين وسك النقود)، وأنه لا جهاد إلا بجيش، ولا جيش إلا تحت راية، ولا راية إلا لولي الأمر، ولا ولي أمر إلا هم.

وثمة منطق يقول إنه ليست هناك فروق ذات شأن بين ما يفعله جورج بوش الآن وما فعله قبل 13 قرناً الوليد بن عبد الملك أو هارون الرشيد، أو محمد الفاتح في عصور لاحقة. فالجميع ينفذ "رسالة" الله ويلبي "نداءه" المقدس. وما تفخر به أدبيات المسلمين من أنهم كانوا لا يبدءون بالقتال، وإنما يدعون "الكفار" إلى أن يختاروا بين واحدة من ثلاثة: أن يخلوا بينهم وبين الدعوة، أو الجزية مقابل الحماية، أو القتال، لا يختلف كثيراً عما يروج له رسل جورج بوش إلى الأقطار العربية في أن يختار قادتهم بين واحد من نفس الثلاثة تحت أسماء: الإصلاح السياسي (بالمفهوم الغربي)، أو العولمة الاقتصادية (الجزية المعاصرة) أو محاربة الإرهاب (التي تسمى أحياناً بالفوضى الخلاقة). والخلاصة أن "القوة تغري"، و "النصوص المقدسة تؤازر"ـ يصح هذا مع "الفتوح الإسلامية"، كما يصح مع "حروب بوش الصليبية".

هل هناك شبهة تواطؤ؟ هل الجهاد أكذوبة أطلقها البعض وروج لها من تحقق له المصلحة؟ هل شامل باسييف هو الوجه الآخر لبويتين، وبن لادن هو الوجه الآخر لبوش؟ هل الأمر كذلك بين الإسلامبولي والسادات، وأحمد ياسين وشارون؟ هل من مصلحة الإسلام ومن مصلحة العالم أن يعود هذا المارد إلى قمقمه، لتنعم الأمة بالسلام، ويعود الأمن إلى العالم؟

Advertisements