الوسوم

الجهاد ليس أكذوبة..

الجهاد حقيقة تاريخية وشرعية وقانونية وإنسانية…أحب ذلك من أحب وكره من كره ونافق من نافق.

الجهاد حقيقة بحكم النصوص القرآنية (ثلثا القرآن المدني يتناول موضوعات عن الجهاد)، وبحكم الأحاديث النبوية بداية من: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق"، وانتهاء ب: "الحج والجهاد قائمان حتى تقوم الساعة". وبحكم الممارسة الفعلية لأجيال متلاحقة من المسلمين. وبحكم المنطق المجرد الذي يقول: "إنه لابد لكل دعوة من قوة تحميها"، وأن مراد الله من إقامة الحق والعدل ونشر الفضيلة والسلام كما جاءت به دعوة الإسلام لا يتم إلا بدحر قوي البغي، ومواجهة الطغيان والوقوف في وجه العدوان. وبذلك فإن الجهاد ليس واجباً شرعياً فحسب، وإنما هو "سنة إلهية" يدبر الله من خلال آلياته أمر الكون ومن فيه.

ومع ذلك، و رغم وضوح آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الجهاد والقتال وضوابط العلاقة بالآخر، وتوفر الروايات الصحيحة بشأن أسباب نزول كل منها، بما يهيئ للباحثين فرصة ذهبية للربط الأمين بين المواقف والأحكام، ورغم عشرات الأحاديث النبوية الصحيحة في السياق نفسه، وتعدد الممارسات على مدار سنوات الإسلام الأولى –حيث الفهم لمدلولات النصوص أنقى وأصوب- فليس ثمة نظرية "معتبرة" للجهاد في الفكر السني، تجتمع عليها مدارسه، ويمكن من خلالها الحكم على الممارسات الناشئة، فيما يعرف بفقه النوازل، بحيث يقل الجدل حول تصنيف الأعمال إلى الحد الذي يعتبر فيه البعض منفذيها شهداء، فيما يراهم آخرون خوارج يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية.

وقد صيغت كل الأفكار الأساسية عن مفهوم الجهاد في الإسلام في ظل دولة إسلامية منتصرة، وتداول الفقهاء مصطلحات مثل: دار الإسلام ودار الحرب، والفتوح والغزوات والرباط والجزية وجهاد الدفع (رد العدوان) وجهاد الطلب (الحروب الاستباقية) في ظل تفوق إسلامي كاسح.

ويفيدنا تتبع أدبيات الجهاد عند المسلمين في هذه الفترة على فهم أثر المناخ الثقافي للمجتمع على الحالة المزاجية التي يصوغ من خلالها المفكر أفكاره. كما يعيننا أكثر على فهم – دون "قبول" – نوازع جورج بوش التوسعية لتشكيل إمبراطوريته الأمريكية. ولعل هذا هو السبب الذي تعجز بسببه هذه المفاهيم المتناثرة عن أن تكون صالحة للتطبيق كما هي اليوم… ففقه الانتصار يختلف كثيراً عن فقه الانكسار…. والإسلام يعالج الحالتين… لكن أدبيات المفكرين  المسلمين القدامى أميل للتعبير عن وضع المنتصرين.

الجهاد بين الفقه والعقيدة

وقد ظلم الجهاد كثيراً حين اعتبر تاريخياً باباً من أبواب الفقه، وجرى تناوله في نفس الإطار ووفق نفس المصطلحات التي تناول بها الفقهاء أبواب الحيض والنفاس وطلاق المكره وبيع النجش. وفي رأيي فإن أفضل ما نشر عن الجهاد في تاريخ الإسلام كله، هو ما جاء في أبحاث مؤتمر "الجهاد" وهو المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية عام 1968 (بعد هزيمة 67)، وأضعف ما نشر عنه هو ما جاء في أبحاث مؤتمر "الجهاد" أيضاً والذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض الذي عقد على عجل في أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990، ولأثر الحادثتين على مستوى الأبحاث دلالة لا تخفى، إذ أن الأصل في الجهاد هو مواجهة الأمة لأعدائها، وليس أبداً الاحتراب الداخلي بين أبنائها.

 ولم يكن الحال أفضل – فيما يخص عمق التحليل، أو سلامة الممارسة- حين انتقل الجهاد باباً من أبواب العقيدة، على يد أمثال تقي الدين النبهاني وسيد قطب ونعيم ياسين ومن تلاهم من قادة الأعمال المسلحة الميدانين بداية من صالح سرية، وحتى بن لادن والظواهري. ويمارس الآن ما يصطلح على تسميته بالجهاد – بالحق وبالباطل- عشرات القادة الميدانيين في فلسطين والبوسنة والشيشان وأفغانستان والفلبين وكشمير (ممن نشأنا على أن ندعو لهم كل يوم في صلاتنا)، وآخرون في الجزائر والسعودية ومصر والمغرب (ممن دعينا أن ندعو عليهم بعد كل تفجير)، وآخرون يسمون "المقاومين" في العراق، و"حزب الله" في لينان (ممن طولبنا أن نتوقف عن الدعاء لهم أو نصرتهم). ولا ندري لم ندعوا لهؤلاء، ولم ندعوا على هؤلاء، ولم نتوقف عن نصرة أولئك. مع أن الجميع يرتلون آيات الجهاد ويحملون رايته. 

الجهاد بين التاريخ والجغرافيا 

وقد تطورت صور الجهاد في التاريخ بداية من جهاد الرسول السلبي في مكة (بالصبر على الأذى)، تطوراً إلى رد المعتدين ومعاهدة المتاركين ومبادرة المتحفزين وتحجيم المنافقين وتأديب المرتدين وكسر شوكة المحاربين وطرد اليهود من جزيرة العرب. وحين أعلن الكفار والمشركون عن "تحالف" ضد الإسلام صار الجهاد عامة: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة".

 كما تطورت صوره في الجغرافيا وفق اجتهادات محلية مرحلية لغياب النظرية الشاملة: ففكر الجهاد وممارساته عند مجاهدي الشيشان يختلف عنه في كشمير والهند، ورافعو رايته في تركيا العلمانية مختلفون عن جيرانهم الأكراد على الحدود، وفكر المحاكم الإسلامية في الصومال مختلف عن جبهة الإنقاذ في الجزائر، وحزب الإحسان في المغرب. بل إن هذا الفكر عند قادة "الجماعة الإسلامية" في مصر مختلف عنه عند "جماعة الجهاد"، وكلاهما قضى أو يقضي عقوبته في السجن بتهمة قتل السادات.

الجهاد بين الوجوب والتعطيل

وفي مقابل فريق يرى أن الجهاد واجب لا يحل تركه بأمان أو موادعة، وأن أساس العلاقة بين المسلمين ومخالفيهم في العقيدة هي الحرب، والهدنة هي الاستثناء، وأنه لا أمان لغير المسلمين من أهل دار الحرب، هناك فريق يرى العكس من ذلك تماماً، مثل: أحمد خان الهندي وغلام أحمد القادياني وجمال البنا المصري وجودت سعيد السوري وخالص جلبي الكندي.. إذ هم يرون على خلاف بينهم في التفاصيل والمبررات أن الجهاد فريضة مؤقتة انتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أنه رياضة روحية ونفسية وليس رداً على اعتداء مادي خارجي. وكلا الرأيين يصب في نفس الغاية وهي تغليب ثقافة "اللاعنف" والترويج للصبر والمقاومة السلمية في مقابل المواجهة وسفك الدماء.

الجهاد بين المقبول والمرفوض

 وما قامت به جماعات من المسلمين تحت مسمى الجهاد على مدار تاريخ الإسلام لا يكاد يقع تحت حصر، وهو أمر مثير للتأمل، فتحت هذا المسمى: ردوا عدوان المعتدين (من أحد إلى عين جالوت) وطردوا المحتلين (حطين)، وقتلوا المرتدين (جزيرة العرب)، وخرجوا على الحكام (ابن الزبير وابن الحنفية) و تنافسوا على الحكم (استشهاد الحسين) واغتالوا من رأوهم خونة (الإمام علي والنقراشي والسادات) و هدموا المدن (تدمير الوهابيين لكربلاء) وقتلوا السائحين (الأقصر وبالي) وخطفوا الجنود (فلسطين ولبنان) وفجروا أنفسهم في الباصات والطائرات (ميونخ وتل أبيب) وهاجموا "الكفار" في عقر دارهم (نييورك ولندن ومدريد).. والقائمة أطول من أن يستعرضها مقال، وردود فعل القراء تجاهها متفاوتة، لكن الذي يجمعها أنها أعمال عنف بذل أصحابها أرواحهم رخيصة في سبيل القيام بها.  

 وباستثناء المباديء الأخلاقية للمقاتلين أثناء المعارك، والتي جاءت تشريعات الإسلام فيها سابقة لعصرها بقرون، كما جاء تطبيق المسلمين لها عبر السنوات مقبولاً باستثناءات محددة، فليس ثمة أحكام مستقرة تحصر تعريف الجهاد وتقنن له. وإذا أدخلنا إلى المعادلة الفكر الشيعي والرمزية الصوفية باعتبارهما رافدين أساسيين من روافد الفكر الإسلامي، و أضفنا إلى قائمة "الجهاديات" ممارسات أتباع الإمام الحسين و  أنصار الحلاج…  كنا – بالفعل- أمام خليط بالغ التنوع والتعقيد من الممارسات التي أحسن – أو بالأحرى أساء- استخدامها السياسيون وأصحاب الملل حين نسبوها إلى مصطلح الجهاد ليكسبوا مغامراتهم وتجاوزاتهم شرعية دينية وشعبية.

…………

الجهاد حقيقة… أحب ذلك من أحب وكره من كره ونافق من نافق واستغل من استغل وأضل من أضل…

الجهاد حقيقة… لأنه كما تقول الأستاذة سامية عبد المطلب هو غريزة الفطرة السليمة…هو  الغيرة على كل نبيل: الوطن والدين و الفكرة والعرض.. هو التضحية بالنفس الفانية لأجل الأعلى ولأجل الآخر….

حضر المجاهدون بنبلهم وتضحياتهم وشهامتهم ورجولتهم….فاصطادهم عدد من المغامرين الخبثاء وأرضعوهم لبن العنف والكراهية والإقصاء والتكفير…. وزينوه لهم حتى اشتبه عليهم وعلينا…. فصرنا بين نارين… نار استنكاره و التسليم بانتهاء دوره، لنحمي أنفسنا من متفجرات تحصد أبناءنا وبناتنا… ونار الدعاية له والترويج لشأنه… دون أن نملك القدرة على الدفاع عن تجاوزاته…

ليس لأن جماعة من الوضاعين المكشوفين انتحلوا جملة أحاديث على الرسول صلى الله عليه وسلم ننكر السنة كلها، فتهدم بذلك الدين… وليس لأن عدداً من الصبية فجروا سيارة أو اغتالوا وزيراً ننسى ثلثا القرآن المدني.

مصطلح الجهاد مخطوف ويحتاج إلى من يفك أسره، فساعدوني ..

Advertisements