الوسوم

,

أتقدم بعظيم الشكر والامتنان لجميع الإخوة والأخوات الذين تفضلوا بالسؤال عني خلال الشهر الماضي. لم أكن في إجازة بالمعنى المتعارف عليه، وإن شملت عدة أيام بجوار البحر، لكني كنت مع صديقي وزميلي المهندس محمد غازي بصدد إتمام مهمة علمية كجزء ختامي من دراستنا لماجيستير إدارة الأعمال من جامعة "ستراثكلايد" الاسكتلندية (واحدة من أكبر 25 جامعة في العالم ولا عزاء للجامعات العربية التي لا تظهر على القائمة)… ولعلي أعود لكم بعد شهر رمضان المبارك بتلخيص ما قمنا به، وبعد ظهور النتيجة النهائية – دعواتكم- ..وهو حسب رأي بعض المسئولين بالجامعة إضافة هامة لعلم "إدارة أداء المؤسسات"، أو تأسيس لعلم جديد هو علم "التكيف"… حيث كان موضوع البحث عن إنشاء نموذج معرفي وأداة قياس رياضية لقياس "قدرة المؤسسات الحكومية على التكيف"…وهو مبني على حقيقة كونية خالدة هي أن القدرة على التكيف والاستجابة للمتغيرات هي التي تضخ أسباب الحياة والنمو والتطور في الكائنات الحية، وأن من يعجز عن التكيف ككائن حي أو إنسان أو مؤسسة مصيره الحتمي إلى الفناء. وأن الخريطة الحالية للدول من حيث تقدمهما وتخلفها هو خريطة لقدرتها على التكيف. وأن هذه النظرية صالحة للتطبيق على الأفراد والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني.. وهو خلاصة عمل متواصل لمدة جاوزت العامين، وكان يستدعي بعض التفرغ والتركيز في مراحله الأخيرة…  

 

كما أتقدم بشكر خاص لجميع الأصدقاء الذين أثروا البحث في موضوع الجهاد وانتشار الإسلام بالسيف بتعليقاتهم القيمة والي استفدت منها جميعاً، وأكدت لي حقيقة أن البحث الحقيقي ينبغي أن يكون جماعياً، وأن نتاج تفكير مجموعة من الأشخاص المتعاونين هو بالتأكيد أعظم من مجموع إنتاجهم فيما لو عملوا مستقلين.. ولعل هذا هو السبب الذي جعل المؤسسات الأكاديمية بل والتجارية الحديثة تفضل العمل الجماعي وتشجع عليه، وبقي –كما تقول الدراسات الحديثة- أن تحدد المرتبات ليس للأفراد ولكن لفرق العمل… موعدنا أيضاُ بعد رمضان لمزيد من التفصيل.

……….

لا أود أن أثقل على القاريء الكريم بتعليقات مطولة…. وقد كتبت على هامش مذكراتي أكثر من 10 صفحات … غير أني أحاول في نقاط مبسطة أن أبسط ما انتهيت إليه من خلاصة ما فهمت من تعليقات الأصدقاء وقراءاتي السابقة – أنا معزول الآن عن مراجعي- … وأرحب بالطبع بجميع التعليقات… إذ هي بالفعل جزء من متن العمل… غير أني أنصح الأصدقاء أن نؤجل ما يستدعي منها الجدل والسجال إلى ما بعد رمضان… حتى نعطي لأنفسنا في الشهر الكريم فرصة للاقتراب الحقيقي من الله تعالى بعيداً عن حظ النفس ومغريات النزال الفكري…

…..

هاكم خلاصة ما انتهيت إليه…وإن احتفظت بأدلته وشواهده لوقت آخر.

1.    الإسلام كعقيدة لم نينتشر بالسيف. بمعنى أن عدد المسلمين لم يزد بسبب الإكراه العسكري على الدخول في الإسلام، لأن الله سبحانه وتعالى لم يأمر بهذا "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، ولأن المسلمين لم يفعلوا هذا على مدار تاريخهم (لم يجمع قائد مسلم جماعة من "الكفار" ليخيرهم بين الإسلام أو الإلقاء في التنور)، ولأن الفطرة البشرية تنفر من تغيير القناعات والعقائد عن طريق القهر والإجبار. وقد ظل المسلمون في منطقة الشرق الأوسط دون 5% بعد مرور مائة عام على فتح مصر وسوريا والعراق وإيران ومال إفريقيا، ولم يصبحوا أغلبية في هذه البلاد إلا بعد أكثر من ثلاثة قرون على الفتح، تأكيداً على حقيقة أن التحول إلى الإسلام لم يكن قسرياً، وإنما كان بالممارسة والمعاملة وطول العشرة، أو باختصار عن طريق "الدعوة".

2.    ولكن هذا لا ينفي أن الدولة الإسلامية قد توسعت بشكل لافت للنظر في القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة. والدولة الإسلامية أنشئت غرضاً لا عرضاً. بمعنى أن رسالة الإسلام الخاتمة بها توجيهات للأفراد (المسلمين) وللمجتمع (المسلم) وللحاكم (المسلم). والشأن في دولة الإسلام كالشأن في كافة القضايا الفكرية كالتعليم والاقتصاد وحقوق الإنسان مبني على قاعدتين متضافرتين: الأولى: وجوب الالتزام بالمباديء الإسلامية العامة كالحق والحرية والعدل والشورى والرحمة، والثانية: وجوب احترام الأعراف العامة داخل الدولة وخارجها… بين الأفراد وبين الدول، حتى ولو لم تكن إسلامية المصدر مادامت لا تتعارض مع المباديء العامة للشرع الحنيف.

3.    وقد كانت إدارة شئون الدولة الإسلامية بما فيها من تأمين الحدود أو صد العدوان أو التوسع الجغرافي محكوم بالقاعدتين السابقتين. 20% منه مباديء شرعية، و 80% منه استجابة لواقع سياسي واجتماعي واقتصادي دولي وإقليمي ومحلي. وليس من الحكمة في شيء أن نحكم على ممارسات الفتوح الإسلامية التي كانت مقبولة من المجتمع الدولي في حينها في ضوء ما انتهت إليه مواثيق الأمم المتحدة الحالية (التجريم الحالي لاحتلال الدول… كان بلا معنى قبل 100 سنة، وكانت القاعدة: من ليست لديه معي هدنة أو اتفاقية، فإن لم أحاربه اليوم فسيحاربني غداً) مع التسليم بالنقلة النوعية الهائلة التي أكدها التزام المسلمين بالقيم الأخلاقية للإسلام في الحرب كما جاء في توصيات القادة المسلمين لجنودهم، حتى لو كانت من جانب واحد. وعلى الإجمال فليس في تاريخ الفتوحات الإسلامية ما يستدعي كمسلمين أن نخجل منه وندينه ونتبرأ. وسيظل دائماً: المسلم القوي خير وأحب إلى الله من المسلم الضعيف.. والدولة الإسلامية كذلك.

4.    الجهاد باب من أبواب الدعوة الإسلامية، وليس باياً من أبواب ممارسة العنجهية والتسلط العسكري وبناء الإمبراطوريات. الجهاد لا يمارسه أفراد ضد أفراد، وإنما تمارسه الدولة الإسلامية – دون عدوان – ضد من يطمعون فيها أو يتحرشون بها. والأصل في علاقة المسلم بغيره هو الاحترام المتبادل، والمسلم مطالب بأن يظهر دائماً في صورة "النموذج المثالي للإنسان". والأصل هو الدعوة، والجهاد مجرد وسيلة من وسائل الدعوة مثله مثل القضاء والتعليم والدبلوماسية والخطابة… ولكل وسيلة توقيت وظروف وقيم استخدامها المناسبة… وفي الأحكام الإسلامية المطلقة غير القابلة للنسخ: "لا إكراه في الدين"، و "إن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله"، وفيها أيضا: "" واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم علي سواء " (يعني إن أقدم الطرف الآخر على عدم الالتزام بالاتفاقات فعاجلهم بالحرب، وعلى سواء يعني: "وفق مقتضيات الحق والعدل والإنصاف".)

5.    لا يصح أن تقرأ آيات القرآن الكريم منبتة الصلة عن ملابسات نزولها. وآيات الجهاد لم تنسخ آيات الصفح بمعنى أنها أبطلت أحكامها، وإنما بمعنى أنها قدمت للدولة الإسلامية مشروعية القتال العسكري – بعد أن كانت ممنوعة منه – بعد تمام "التمكين". وعلى كل حال فإن النسخ (بأقسامه الأرسطية المختلفة) هو نظرية عبقرية تفتقت عنها ذهنية العلماء لحل مشكلة التناقضات الظاهرية بين بعض النصوص الشرعية، وليس عقيدة يمكن أن يتهم منكرها في إسلامه. والرسالة الحقيقية التي ترسلها نظرية النسخ لبعض الغلاة هي أن يخففوا من وطأة تعصبهم لآرائهم. فإذا كانت أحكام القرآن الكريم نفسها تنسخ نتيجة المرونة والاستجابة للمستجدات… فما الضرر في أن تنسخ أيضاً بعض الحكام الفقهية حتى لو استقرت لعشرات السنين… لا لشيء إلا لأن مجال تطبيقها لم يعد وارداً. دون أن تحذف نهائياً من الأحكام "الممكنة" إذا دعت إليها الضرورة.

6.    ينبغي ألا تعتبر حركات الإسلام السياسي والحركي ومعارضة النظم الحاكمة المستبدة على أنها باب من أبواب الجهاد، وإلا فتحنا باباً للفتنة لا سبيل لرده. وإنما هي معارضة سياسية تستمد مشروعيتها القانونية من التزامها بأحكام الدستور ومشروعيتها السياسية من حسن تعبيرها عن مصالح الشعب والاستجابة لطموحاته. واستناد بعض هذه الحركات إلى جملة من المباديء الإسلامية العامة لا يمنحها أولوية شرعية مطلقة عند الله ولا أمام الناس.. أما العنف الذي تقره بعض الجماعات ويمارسه بعض الأفراد فهو مرفوض على كل المستويات، وترويع المسلم – ولو على سبيل المزاح – إثم عظيم، فما بالك بالاعتداء على حياته أو ممتلكاته.

7.    وللجهاد باعتباره باباً من أبواب الدعوة مستويات وآليات تختلف باختلاف نطاق التطبيق، لكنها جميعاً تشترك في أمرين: "بذل أقصى الجهد"، و "في سبيل الله"، وعلى ذلك يمكننا أن نقول ولو على سبيل الكناية/ أن جهاد الأفراد هو تزكية النفس وآلته العبادة، وجهاد المجتمع هو التناصح وآلته الإعلام، وجهاد الدولة هو الردع والصد والمقاومة وآلته الجيش. لا يلغي مستوى مستوى، ولا يختلط به ولا يغني عنه.

8.    ووضع المسلمين في دول هم فيها أقلية يرجح نظرية أن الجهاد باب من أبواب الدعوة، ويبطل نظرية "دار الحرب ودار الإسلام"… وقد صحت النظرية في الماضي لأنه لم يكن في الماضي مسلمين يعيشون في أكناف الدولة البيزنطية أو الإمبراطورية الصينية. وثمة دعوات لعودة الخلافة الإسلامية تنتشر في دول أوروبا أكثر من انتشارها في دولنا العربية، وهي تذكر الأوروبيين بما كان عليه اليهود معهم قبل قرنين، حين كان المسيحي يحذر ابنه من سكان شقة الطابق الثاني لأنهم يهود، فكان الطفل يجري على السلم في هذا الطابق، وقد انتهي الحال باليهود إلى إنشاء دولتهم اللقيطة على أراضينا على النحو الذي تعرفون، ويخشى أن تتصاعد الدعوات بطرد المسلمين من أوروبا مع تزايد حالات العنف المنتسب للدين، وعندها سيقع العالم كله في اضطراب بالغ.

9.    و موقف جموع المسلمين مما ينادي به أسامة بن لادن وما يدعو إليه أيمن الظواهري في بياناته المتعاقبة،  وما تقوم به جماعة القاعدة في العالم هو المحك. إن شماتتنا في ما يحدث لدول العدوان من أمريكا وحلفائها، وللمخاطر التي يتعرض لها من نكرههم من حكامنا بسبب استبدادهم، ينبغي ألا يعطي مشروعية للأعمال الإرهابية التي تقوم بها جماعة القاعدة. وينبغي أن نكون صرحاء وحاسمين مع أنفسنا بهذا الخصوص، فتلكؤنا في حسم هذه المسألة على المستوى الشخصي هو الذي يعطي وقوداً وطاقة لهذه الجماعات ويطيل في عمرها. إن القاعدة لن تهزم أمريكا. سيهزم أمريكا المسلم المنضبط المتعلم النبيل القوي التقي. بقياس الأثر: فإن خسارتنا كمسلمين بوجود القاعدة أكبر من خسارة أمريكا، وأكبر من خسارتنا في حال غيابهم. وكثير من طروحات القاعدة وممارساتهم تفتقر إلى الغطاء الشرعي المحكم الذي يستند إلى فهم دقيق للنصوص الشرعية والاستنتاجات الفقهية.

10.           وأخيراً، فإنني مع قناعتي بأنه لا توجد دولة الآن من دول العالم تحقق كامل الشروط المطلوبة من "الدولة الإسلامية"، ومع قناعتي بأنه لا معنى لتطبيق "الجهاد" في غياب مثل هذه الدولة، إلا أنني أدعو أن تنهض همة مفكري الإسلام لوضع نظرية متكاملة عن الجهاد، يعاد فيها استحضار نصوص الجهاد من قرآن وسنة وفهمها وفق أطرأكثر موضوعية، تزيل الشبهات وترسخ لقيم الإسلام النبيلة… المتوازنة بين إرساء مفاهيم العدل والرحمة والحرية والحقوق الإنسانية المشتركة… وبين إظهار القوة والحسم مع الطامعين والمعتدين والمتربصين..

 

 والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل…

 

بلغنا وبلغكم الله رمضان… وأعاننا وأعانكم على الصيام والقيام وقراءة القرآن الكريم.

Advertisements