الوسوم

 

قضى الله تعالى أن تكون هذه الأمة أقل أعماراً وأقل أعمالاً من سائر الأمم. وفي الحديث: "أعمار أمتي بين الستين والسبعين، وقليل من يجاوز ذلك". كما قضى تعالى برحمته وإحسانه أن يعوض المسلمين عن ذلك بمضاعفة الأجر، وحوافز العمل. فمن صلى العشاء في جماعة كان كمن قام نصف الليل، ومن أتبع ذلك بصلاة الفجر في جماعة كان من قام الليل كله. و قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، والمسلم يصلي خمس صلوات بأجر خمسين صلاة، وهي منحة تلقاها الحبيب صلى الله عليه وسلم مباشرة من ربه في رحلة المعراج، الخ.

وكان مما قضاه تعالى في هذا الشأن أن اختص رمضان بجعله أفضل مواسم جمع الحسنات ومضاعفة الثواب. ذلك أن العبد الذي يدع طعامه وشرابه من أجل بارئه ومولاه، يكون حقيقاً على الله أن يكرمه، ويجزل له في العطاء. وأعظم عطية تقدم للمسلم أن يكون رمضان سبباً في غفران كل ما سبق من الذنوب والخطايا: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، ثم إن: "عمرة في رمضان تعدل حجة"، كما أن: "من أدى فيه سنة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه". و "من فطر فيه مسلماً كان له من الأجر أجر الصائم".

والناس إزاء هذه المنح الربانية أصناف ثلاثة: "فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات". فأما من ظلم نفسه، فهو من فرط في هذه الفرصة، وأضاع وقته في تافه الأعمال والأقوال، و "رغم أنف – أي خاب وخسر- من أدرك رمضان فلم يغفر له" . وأما المقتصد فهو الكسول المتخاذل الذي يؤدي الحد الأدنى مما هو مطلوب منه من الواجبات، و يهمل  بحر الخيرات المفتوح بلا حدود. وأما من أراد السبق بالخيرات، فلا حدود لعمله، من قيام وقراءة قرآن وصدقات وصلة أرحام وبر بالمحتاجين.

و السالك في طريق الله يعلم أنه ليس أمام حسبة رياضية إن أحسن مقدماتها ضمن نتيجتها. بل إن الصيام بالذات قال عنه تعالى في الحديث القدسي: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".. وبقدر ما يحمل هذا من بشرى بثواب لا حصر له ولا عد، بقدر ما يحمل من تحذير للمقصرين في ضبط النية والغفلة… وقد كان أبو عبد الله المغربي يقول: إني ربما أصلي ركعتين فأنصرف عنها وأنا أستحي من الله حياء رجل انصرف من الزنا.

وعلمنا شيوخنا أن الأهم من التوفيق للطاعة، التوفيق للقبول. وكثيرون رزقوا وقت الطاعة وجو الطاعة وعمل الطاعة، ثم حرموا القبول، لأنهم ظنوا أن قدرهم بقدر ما قضوا من وقت في العبادة، وأن توفيقهم للطاعة هو باجتهادهم الشخصي، فامتلأت قلوبهم عجباً بأعمالهم، وحرصاً على تزيينها أمام الآخرين.. ونسوا أن الموفق للطاعة هو الله وليس اجتهاد العابد، وأن معادلة القبول لا يعلمها إلا الله، حتى لا يركن المرء لعمله، أو يتيه به على الآخرين.

كان ابن ملكي يصلي ثلاثين سنة في موضع واحد من الجامع، وهذا توفيق من الله عظيم. فمات ذات يوم أحد جيرانه فانشغل بتجهيزه، حتى تأخر في الوصول إلى الجامع فصلى في موضع آخر… فنازعته نفيه في أن الناس لم يروه في موضع، فقال لنفسه: يا مسكينة، فأنت إذن كنت تصلين للناس لا لله عز وجل، فأعاد  صلاة ثلاثين سنة.

لو فكرت بطريقة ابن مكي، فكم صلاة تحتاج لإعادتها؟ وكم درهماً تصدقت بها وتحتاج إلى إعادة إنفاقه… حتى الصوم وهو المفروض أن يكون العبادة الخالصة المخلصة… كم لله فيها، وكم لك منها؟!! نسأل الله السلامة. 

انس ما حدث في الرمضانات السابقة… وفكر في رمضان هذا.

أستطيع أن أعد عشرة من أقاربي وأصدقائي شهدوا معي رمضان الماضي، وغيبهم عنا الرحيل، وأستطيع أن أعد عشرين من مشاهير السياسة والعلم والأدب لن يحضروا معنا أيضاً هذا العام… وتستطيع أن تفعل مثلي…

إن كنت تضمن أن تعيش لرمضان القادم، فربما كان لك عذر في التراخي… ولكني لا أضمن أن أتم كتابة مقالي، ولا تضمن أنت أن تتم قراءته. ولا يضمن أحد أن يلحق بأول أيام الشهر الكريم صياماً وقياماً.

ضاعف همتك…واسأل الله التوفيق والقبول، فمن يدري ربما كان هذا آخر رمضان لي أو لك.

رحمني الله وإياك، وغفر لي ولك، وأعتقنا من حر النار، ورزقنا الإخلاص في القول و العمل.

دعاء اليوم:

اللهم اعصمني حتى لا أعصيك…

وارزقني حتى لا أسأل أحداً غيرك.

******

Advertisements