الوسوم

أرجوك انس منطق الحلال والحرام في رمضان.

رمضان شهر استثنائي فتعامل معه بطريقة استثنائية.

لا يصح في رمضان المزيد من "العادي"… وإنما يجب الارتقاء بالمقاييس… مقاييس أداء الطاعات ومقاييس النفور من الذنوب. لا يكفي أن تقرأ المزيد من القرآن، وإنما يجب ألا تقرأه بشكل "عادي"… ولا يكفي المزيد من صلوات الجماعة، وإنما يجب ألا تؤديها بشكل "عادي. "إقامة الصلاة" عند أهل الطريق يعني أن يتم "عدلها" وكأنها عمود مائل و "ضبطها" على الكيفية التي كان يؤديها بها المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو بعبارة أخرى… صلاة أكثرنا اليوم "مائلة"… فليكن رمضان فرصة "لإقامتها".

منطق الحلال والحرام هو منطق الحد الأدنى وهو منطق الجدل والمراء. لا يقول أحد إن لبس البيجامة حرام، ولكنك لا تذهب إلى العمل بالبيجامة لأنك لا تطبق هنا منطق الحلال والحرام… ولا يقول أحد إن تغيير زيت السيارة حرام، ولكنك لا تقوم بتغييره أثناء زيارتك لمديرك في العمل وأمام منزله وبالبدلة السوداء وربطة العنق.. نحن لا نتحدث هنا عن الحلال والحرام ولكن عن الذوق والأدب… عن اللائق وغير اللائق.

عندما أطلب من نفسي ومنك أن نمتنع كلياً عن سماع الأغاني أو مشاهدة المسلسلات التليفزيونية، والتخفيف من الدخول الإنترنت والمدونات (راجع المقالة الهامة عن إدمان التدوين للأستاذة سامية عبد المطلب)، فأنا لا أقول ذلك بمنطق الحلال والحرام وإنما بمنطق اللائق وغير اللائق. ولسنا هنا بصدد مناظرة فقهية ستحسمها آراء الشافعي وابن حنبل، وإنما بصدد رياضات قلبية يغذيها الاشتياق إلى فضل الرحمن، وإجلال قدر المنان، وخشية السميع العليم إعظاماً لقدره لا خوفاً من قدرته.

يا أخي حتى لو كان الغناء – في نظرك – حلالاً، فهل كثير عليك أن تمتنع عنه، وقد امتنعت عما هو  أوضح حلالاً منه في نهار رمضان.. حتى لو كان حلالاً فهل كثير على الله أن تقضي في رحابه ذاكراً أو مصلياً أو قارئاً سويعات تنازعك نفسك أن تهتكها أمام الشاشة الصغيرة وعلى المقاهي، وأمام شبكة الإنترنت.

عندما أقول لك عافاني الله وإياك من بلاء السجائر، فأرجوك لا تقل لي إن الشيخ فلان أحلها أو قال إنها على الأكثر مكروهة.. أنا لا أتحدث عن حلال وحرام فقهي… أنا أتحدث عن حلال وحرام قلبي.

حسناً السجائر ليست حراماً ولكن الحرام ألا تتذكر مع مدفع الإفطار إلا السيجارة… الحرام أن تختزل معنى الصوم الذي هو الطريق إلى تفريغ النفس من عتامة المادة، وملئها بأريج الروح… تختزله في نفس سيجارة وفنجان قهوة حرمت منهما فأفسدا عليك يومك… ومن قال إن الصوم نزهة… أو تسلية.

حكى من أثق به أنه ذهب لزيارة الشيخ الشعراوي في السابعة صباحاً في منزله بالقرية، فوجد الشيخ وقد شمر جلبابه وأخذ في مسح سلم البيت وكان أربعة طوابق، فعرض صديقي المساعدة فرفض الشيخ، وظل معه حتى انتهى ثم سأله: يا مولانا ألا يوجد بالمنزل من يقوم بهذه المهمة؟.. فقال الشيخ: يا بني … بنت الكلب (يعني نفسه) تطالبني كل صباح بفنجان قهوة… فأشربها… اليوم حدثتني نفسي بشرب فنجانين فشربتهما، فقلت لها: لا قد تجاوزت الحد ولا بد من عقوبة، فاخترت لنفسي أهون عقوبة بمسح المنزل.

وقد يسأل شاب أحد العلماء: هل يصح صيامي وأنا على شاطيء البحر – أو شاطيء الفضائيات -أتأمل الرائحات الغاديات؟ ويحتار الشيخ كيف يرد. فلا يوجد في باب مبطلات الصيام في أي من كتب الفقه ما يقول إن مشاهدة التليفزيون تبطل الصوم…. نعم يا شيخنا: لا تبطل الصوم، ولكن أي صوم؟!! وهل يكفي أن نسأل عن مبطلات الصيام الفقهية كي لا نقع فيها بطريقة الحد الأدنى، أم نتذوق مراتب الصوم على مدارج السالكين.

 

كلنا يصوم صوم البطن والفرج… وهذا لا يبطله مجرد مشاهدة التليفزيون.. ولكن ألا يجدر بنا أن نضيف إليه – بالمرة وفي موسم التنزيلات – صوم السمع والبصر واللسان واليد وسائر الجوارح… لا أقول صومهم عن الحرام.. فهذا "عادي" ولكن صومهم عن فضول الحلال.

صم عن قول السوء في الرضا والسخط، وصم عن أن ينشغل قلبك أو سمعك أو بصرك أو لسانك بما لا يفيدك ولا يعنيك.. صم عن قراءة أخبار الفن والرياضة… صم عن متابعة الجدل بين فتح وحماس، صم عن تضييع وقتك وجهدك فيما لا يرفع أمام الله درجتك، ولا يحط عنك خطيئتك. كن لله تعالى كما يحب اليوم – وهو سهل بملازمة الصالحين- ليكون – سبحانه وتعالى –  لك كما تحب غداً حين تلقاه وحدك.

الصوم مدرسة الإرادة.. والإرادة تعلمك الصبر والصبر يعلمك الورع والورع طريقك إلى الجنة. وعند الإمام علي: أنه إذا كان الشيء تحله آية وتحرمه آية فاتبع التي تحرمه. جرب ذلك في رمضان واستمر عليه بعد رمضان… معظم من عافاهم الله من فتنة الأغاني لم يسألوا أنفسهم حتى الآن هل الأغاني حلال أم حرام، لكنهم قالوا لأنفسهم، لقد ذقنا حلاوة القرآن ولن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. الحق بهم هذا العام. فهم أناس طبيعيون مثلي ومثلك… لا متجهمين ولا متزمتين ولا مقهورين.

ذكر نفسك طيلة نهار رمضان: اللهم إني صائم… اللهم إن بصري صائم عن الوقوع على منكر، اللهم إن يدي صائمة عن الضغط على مفاتيح المواقع الخبيثة، اللهم إن عقلي صائم عن الجدل مع زوجتي حول مصاريف المنزل، اللهم إن لساني صائم عن الزعيق مع أولادي حول المذاكرة، اللهم إن قلبي صائم عن اتباع الهوى وشهوة المراء والجدل. وإذا دعاك صديق لرحلة ترفيه، فاعتر بلطف لأن روحك صائمة عن "طول الأمل".

الصوم عند الغافلين جوع وحرمان، وعند المجتهدين زهد وورع…وعند العارفين قرب واستشراف.

لا تدع باب المجتهدين… فهو الطريق إلى العرفان… دع ما لا بأس منه مخافة أن تقع فيما فيه بأس… هذا هو الورع… وهل الصوم إلا هذا؟!! والزهد ترك التعلق بالدنيا… اتركها حتى يكون حرصك على تركها والفرار منها أشد من حرص الطامع في طلبها فهذا هو الزاهد الحق.

اجعل أهدافك من رمضان واضحة… واجتهد في تحقيقها ، ولا تنس أن الصيام والقيام والذكر وسائر الطاعات هي مجرد تمارين… المباراة الحقيقة هي في التعرف على الله… والهدف (الجول) الحقيقي هو في الوصول إليه..

إذا خرجت من رمضان أهدأ نفساً عند الطلب، وأكثر قناعة بالموجود، وأكثر رضا بالمقسوم، وأشد نفوراً من الفضول.. فقد فزت…

إذا خرجت من رمضان وقد أفرغت كل الخلائق من قلبك…فقد عرفت الطريق فالزمه… واسجد واقترب.    

 

 

 دعاء اليوم:

الحمد لله الذي كفاني وآواني وأطعمني وسقاني، والحمد لله الذي مَـّن علي فأفضل ، والذي أعطاني فأجزل، والحمد لله على كل حال اللهم رب كل شيء ومليكه أعوذ بالله من النار.

Advertisements