الوسوم

الحياء هو خلق هذا الدين الأسمى، وفي موطأ مالك أنه (ص) قال: " إنَّ لكل دين خلقاً ، وخلق الإسلام الحياء".  وكما يستحي المرء من الناس أن يظهر بينهم بمظهر غير لائق في ملبسه أو قوله أو سلوكه، فعليه أن يعود نفسه على أرقى أنواع الحياء، وأكثرها تحقيقاً للإيمان وهي الحياء من الله تعالى. وعندما سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال عريانًا في الخلوة أجاب بقوله: ‘الله أحق أن يستحيا منه من الناس’. والذي يستحي من ربه إن كشف عورته في خلوته حري به أن يصرفه الحياء عن الوقوع في المعصية، وقد علمها النبي لأحد أصحابه " أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك’.

تخيل أنك تنفث سيجارة ثم يفاجئك عالم جليل كيف بك وأنت تقذف بسيجارتك جانبًا أو تخفيها وراء ظهرك حياء. كيف بك وأنت تطارد بعيونك الرائحات الغاديات في أحد الأسواق، ففوجئت يابنتك المراهقة أمامك تتطلع إليك في حسرة؟ كيف بك وأنت جالس –وحدك – تقلب بين القنوات الماجنة أو مواقع الإنترنت الإباحية، وإذا بابنك الصغير يناديك؟ لا يمنعك من الوقوع في الإثم إلا الحياء من الله. وإذا خلعت بعض النساء – في التلفاز والشوارع- برقع الحياء من الناس، فارتد أنت عمامة الحياء من الله،  والصوم هو أعظم طرق التدريب على  الحياء من الله، لأنك تستطيع أن تتخفى بإفطارك من الجميع، لكن لا طاقة لك بأن تتخفى به من الله تعالى.

وفي الحديث القدسي: ‘يا ابن آدم إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ومحوت من أم الكتاب زلاتك، وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة’. هل هذا أفضل أم من ورد بشأنهم قوله (ص) في الحديث النبوي: ‘كل أمتي معافى إلا المجاهرين. قالوا: ومن المجاهرون يا رسول الله؟ قال: الذين يذنبون الذنب بالليل فيسترهم الله فيصبحون يكشفون ستر الله عليهم’. فيا الله ما أغبى من وقع فريسة الشيطان وظن في نفسه الجرأة والحرية ففضح نفسه، وهتك سره. الرجولة في مقاومة الإثم والحياء من الله وليس في المجاهرة بالمعصية، وكشف الوجه، وقطع حبائل التوقير والاحترام.

وقد  تنبه الجنيد إلى المعنى الخفي في الحياء فقال : ( الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمي الحياء وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح ، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق), والجنيد يقصد أنه كما يخجل الإنسان من أن يسيء إلى من أحسن إليه من البشر، فحري بمن يشهد إحسان الله إليه ، ونعمته عليه أن يكف عن عصيانه حياء منه.

و قال محمد بن على الترمذي : " اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك ، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك ، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه ، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه ".

وما أرق قلب الأسود بن يزيد الذي حين حضرته الوفاة أجهش في البكاء، لا جزعاً من الموت ولكن حياء من الله تعالى أن يمنحه المغفرة وهو قد وقعت منه المعاصي، وقال:  "إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه ، ولا يزال مستحييا منه " .

وقد بلغ من حياء الصحابة أن أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_ قالت : كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأبي  واضعة ثوبي ، وأقول : "إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر، والله ما دخلته إلا مشدودة علىّ ثيابي حياء من عمر(وهو في قبره) ".

وخطب الصديق في الناس: " أيها الناس استحيوا من الله ، فوالله ما خرجت لحاجة منذ بايعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أريد الغائط إلا وأنا مقنع رأسي حياء من الله " .  وقال الفاروق: " من قل حياؤه ، قل ورعه ، ومن قل ورعه ، مات قلبه " ، ويقول : " من استحيا استخفى ، ومن استخفى اتقى ، ومن اتقى وقي ".

أما عثمان فإنه ليكون في البيت ، والباب عليه مغلق ، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء ، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه ".

وعن أبى موسى _رضي الله عنه_ قال : " إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي _عز وجل_ " .

 

دعاء اليوم:

اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وكربني من أمر دنياي وآخرتي فرجا ومخرجا ، وارزقني من حيث لا أحتسب ، واغفر لي ذنوبي ، وثبت رجاك في قلبي واقطعه ممن سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك.

Advertisements