الوسوم

تفاخرت قبيلتا بني حارثة وبني الحارث من الأنصار بأحسابها وأنسابها، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان وفلان. وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء. ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، ومثل فلان، وفعل الآخرون كذلك، فأنزل الله " ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر". والناس إذا زارت المقابر فالأولى بها أن تتذكر يوم الحساب في الآخرة، لا أحساب وأنساب الدنيا الزائلة، لذلك كان لابد  من هزة تذكرهم بذلك، فنزلت الآية: "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ".

وكأن بعض الصحابة تعجبوا من صيغة التحذير في الآبة، وظنوا أنهم غير معنيين بها، فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم. وقريب من ذلك ما رواه زيد بن أسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم". ومثله ما ورد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما فوق الإزار وظل الحائط وجر الماء فضل يحاسب به العبد يوم القيامة أو يسأل عنه".

أتأمل هذه الروايات وعلي مائدتي أطايب الطعام والشراب، وعلى مائدة الرحمن مما يجود به المحسنون على الفقراء وعابري السبيل ما لذ وطاب من العصير البارد، والمشروبات الساخنة، و قطع اللحوم الحمراء والبيضاء، وفواكه الصيف والشتاء، ثم أترحم على الصحابة والتابعين، ممن كانت فاكهتهم خبز البر، ولباسهم المسوح، ولحافهم السماء، ورواحلهم الأقدام الحافية.

لقد وردت كلمة النعيم في القرآن الكريم 10 مرات، كلها في وصف الجنة إلا في هذه المرة. إلام يريد الله تعالى أن ينبهنا؟ إنه يريد أن ينبهنا إلى أن الطريق إلى "جنات النعيم"، و "نضرة النعيم" لا تكون إلا عبر حسن إدارة نعيم الدنيا، صغر أم كبر، عظم في عين صاحبه أم حقر، تعلق به صاحبه أو استخدمه في الطاعة.

واستخدام التعريف للجنس أو الاستغراق، يعني أنه لا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد، أو نوع من الأنواع، ومجرد السؤال لا يستلزم تعذيب المسؤول على النعمة التي يسأل عنها، فالكل يسأل ولكن سؤال الكفار توبيخ; لإقامة الحجة على من ترك الشكر. وسؤال المؤمن سؤال تشريف; لأنه شكر. أو سؤال عتاب  ليعرف تقصيره وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر، أو أنه استعان به على معاصي الله فهنا يستحق عقاباً بقدر ما فرط: قال تعالى: { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } الآية.

ومن أعظم النعم: حاستا السمع والبصر، وأجلها على الإطلاق القلب فبه يهتدي المرء وبه يضل، ولهذا ربط العلماء بين آية التكاثر، وبين قوله تعالى "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً"، فقالوا إن المقصود بالنعيم هو هو ما تدخله هذه الحواس على النفس من السرور، وهو استنتاج مقبول، غير أنه لا حاجة إلى التخصيص فيما جاء عاماً.

وأصح ما ورد في هذا الباب أن الرسول (ص) خرج ذات مساء طاوياً، فقابل أبا بكر ثم قابلا عمر، كلهم يطلب شيئاً يأكله، فانطلقوا حتى دخل (ص) حائطا لبعض الأنصار, فقال لصاحب الحائط: ( أطعمنا بسرا ) فجاء بعذق , فوضعه فأكلوا , ثم دعا بماء فشرب , فقال : ( لتسألن عن هذا يوم القيامة ) قال : وأخذ عمر العذق , فضرب به الأرض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله , إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال 😦 نعم إلا من ثلاث : كسرة يسد بها جوعته , أو ثوب يستر به عورته , أو حجر يأوي فيه من الحر والقر ) .

روى البيهقي في الشعب عن محمود بن لبيد قال: لما نزلت "ألهاكم التكاثر" فقرأ حتى بلغ "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" قالوا: يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: "أما إن ذلك سيكون". أما إنه وقد كان يا رسول الله.

دعاء اليوم:

اللهم هون علينا السؤال وارزقنا حسن شكر نعمتك، ولا تفتنا بما تفضلت به علينا، وأعنا على استخدام نعمك في طاعتك، ولا تستخدم جوارحنا في معصيتك.

Advertisements