الوسوم

 مع إقبال الناس تعالى على الله في هذه الأيام المباركة… تتزايد سعادتهم بعبادتهم، ويتزايد رجاؤهم لله تعالى… وهذا في غاية الخطورة… فثمة خيط رفيع بين سعادة الإنسان بعبادته التي قد تدفعه إلى الفرح والفخر والتعالي على الآخرين – ولو لم يصرح بذلك، و بين سعادته بتوفيق الله له، وهو ما يستدعي منه المزيد من الذلة والانكسار… ومن الخطير كذلك أن من يزداد رجاؤه بفضل الله ومثوبته كلما ازداد إقبالاً على الله بالعمل الصالح‏،‏ فهذه إشارة إلى أنه إنما يعتمد على أعماله الصالحة‏،‏ لا على صفح الله ومغفرته‏.‏

وتوضيح هذه المعاني الخطيرة والجليلة والخفية في هذه الأيام، والناس مقبلون على الله تعالى مهم جداً حتى لا يذهب خطأ الاعتقاد بالأجر والثواب…

هذه فقرات مختارة مما شرح به العلامة محمد سعيد البوطي حكمة ابن عطاء السكندري الأولى: "علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل"…

يقول غفر الله له، ونفعنا بعلمه:


تتجلى خطورة هذا الربط بين تنامي الرجاء‏،‏ وتنامي العمل الصالح‏،‏ إذا تصورنا إنساناً يزداد عمله مع الزمن صلاحاً وتزداد طاعاته كثرة‏،‏ وكلما ازداد ذلك منه ازداد ثقة بمثوبة الله ووعده‏،‏ ذلك لأن النتيجة التي سينتهي إليها هذا الإنسان‏،‏ بموجب هذا الربط‏،‏ أنه في مرحلة معينة سيجزم بأنه قد أصبح من أهل الجنة ومن المكرمين بالنعيم الذي وعد الله به‏.‏ إذ هو بمقتضى ذلك الربط بين العمل والأجر‏،‏ لا بدّ أن يعتقد ‏-‏ إذا بلغ تلك المرحلة في أعماله الصالحة ‏-‏ أن عمله كله مبرور وأن حياته مليئة بالطاعات‏،‏ إذن فهو من أهل الجنة قطعاً‏!‏‏.‏ وهذا هو التألي على الله‏،‏ وكم وكم حذر منه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ‏.‏
وإنما سبيل الابتعاد عن هذا المنزلق‏،‏ العلم بأن حقوق الله على العباد لا تؤدَّى بطاعاته مهما كثرت وعظمت‏،‏ بل إن هذه الحقوق ستظل باقية‏.‏ ولو أديت حقوقه عز وجل بالطاعات‏،‏ لكان أولى الناس بذلك الرسل والأنبياء‏،‏ ومع ذلك فما وجدنا واحداً منهم عقد رجاءه بمثوبة الله بطاعاته وقرباته‏،‏ بل كانوا جميعاً يتطلعون إلى مغفرة الله وصفحه‏.‏


…..

وصفوة القول: إن الإنسان ‏-‏ بعد أن عرف الله وأدرك أنه عبد مملوك له ‏-‏ يجب عليه أن يعبد الله لأنه عبده ولأن الله ربه‏،‏ أي سواء أثابه الله على عبادته أم لم يثبه‏.‏ ثم إن عليه أن يسأله جنته تفضلاً منه وإحساناً‏،‏ وأن يستعيذ به من ناره وعذابه‏،‏ تلطفاً واسترحاماً‏.‏ وتلك هي سيرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ في دعائه‏.‏
فلو أن أحدنا قرر في نفسه أنه إنما يعبد الله طمعاً بجنته بحيث لو علم أنه لن ينال على عبادته له هذا الأجر‏،‏ فسيقلع عن العبادة ولن يبالي بشرعته وأحكامه‏،‏ فهو غير مسلم ولا مؤمن في ميزان الله وحكمه‏.‏ إذ إنه يعلن بذلك أنه ليس عبداً لله وإنما هو عبد للجنة التي يبحث عن سبيل ما إليها‏.‏


وهنا ندرك سموّ مشاعر التوحيد في مناجاة رابعة العدوية لربها إذ كانت تقول له‏:‏ «اللهم إني ما عبدتك حين عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك‏،‏ ولكني علمت أنك ربٌّ تستحق العبادة فعبدتك»‏.‏


بعض السطحيين ظنّ أن رابعة كانت تعبر بهذا عن استغنائها عن الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين‏،‏ ومن ثم أطالوا العتب والتشنيع عليها‏.‏ وهذا تسرع في الفهم وظلم في الحكم‏!‏‏.‏‏.‏ فرابعة كانت تسأل الله الجنة وتستعيذ به من النار‏،‏ وكم كانت في الكثير من مناجاتها تتخوف من عقابه الذي ترى نفسها معرّضة له‏،‏ وكم كانت تتشوق إلى إكرامه وجنة قربه‏،‏ ولكنها لم تكن تطلب ذلك أجراً على عبادتها‏،‏ وقيمة لصلاتها ونسكها‏.‏ وإنما كانت تسأله ذلك لأنه الغني الكريم ولأنها الفقيرة الراغبة بجوده‏.‏


أما طاعاتها وعباداتها‏،‏ فقد كانت تتقرب بها إلى الله لأنه ربها ولأنها أمته‏.‏ إنها مدينة بحق العبودية له‏،‏ ومن ثم فإن عبوديتها تلح عليها أن تعبده وأن تخضع لسلطان ربوبيته‏،‏ لا لشيء إلاّ لأنها أمته ولأنه ربها‏.‏ وسواء أأكرمها بنعيم جنانه أو زجها في أليم عذابه‏،‏ فلن تنقض معه ميثاق هذا الالتزام‏.‏ وكيف تنقضه وهي في كل الأحوال صنع يده وملك ذاته‏؟‏‏.‏‏.‏
هذا هو موقف رابعة رضي الله عنها‏.‏‏.‏ فهل في المسلمين من يقول‏:‏ إنه موقف غير سديد‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ إذن فالموقف السديد نقيضه‏،‏ وهو أن نقول‏:‏ اللهم إني لم أعبدك لأنك رب تستحق العبادة‏،‏ ولكن لأني طامع في جنتك‏!‏‏.‏‏.‏ فهل في الناس المؤمنين بالله‏،‏ حتى ولو كانوا فسقة‏،‏ من يخاطب الله بهذه المحاكمة الوقحة‏؟‏

إننا على الرغم من تقصيرنا وبُعد ما بيننا وبين رتبة أمثال رابعة العدوية‏،‏ لا يسعنا إلا أن نخاطب إلهنا وخالقنا بالمنطق ذاته الذي كانت تخاطب به ربها‏،‏ إننا نقول‏:‏

اللهم أنت ربنا ونحن عبادك‏،‏ نعبدك وننقاد لأوامرك جهد استطاعتنا لا لشيء إلاّ لأنك ربنا ونحن عبيدك‏.‏‏.‏ ونحن نعلم أننا مهما استقمنا على صراطك فلسوف يظل التقصير شأننا الملازم لنا‏،‏ لا بسبب استكبار على أمرك ولكن لأنك قضيت علينا بالضعف‏.‏


لسوف نرحل إليك من دنيانا هذه بخروق كثيرة من الزلل والإساءة والانحراف‏،‏ آملين أن نوفق لترقيعها بالتوبة الصادقة النصوح‏.‏‏.‏ سنرحل إليك فقراء عرايا إلا من ذل عبوديتنا لك وافتقارنا إليك‏.‏


ولسوف يكون جواب كل منا إن سألت‏،‏ بِمَ جئتني من دنياك التي أقمتك فيها‏؟‏‏:‏ جئتك بالأمل في رحمتك‏.‏‏.‏ بالأمل في كرمك‏،‏ جئتك فقيراً إلا من عبوديتي لك‏،‏ ذلك هو رأس مالي الذي أقف به بين يديك ولن يجرِّئني عندئذ على استجداء جنتك وكريم عطائك إلا ما أعلمه من تفضلك وكرمك وما أعتزّ به من انتسابي بذل العبودية إليك‏.


آمين يا رب

وبعد فهذا هو لُبَابُ التوحيد الذي يجب أن يهيمن على مشاعر كل مسلم بعد أن يستقر يقيناً في عقله‏.‏ وتلك هي الحقيقة التي عناها ابن عطاء الله بقوله‏:‏ «من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل»‏.‏

 

دعاء اليوم

يا رب يـا عالـم الحـال إليـك وجهـت الآمـال
فامنـن علينـا بالإقبـال وكن لنا وأصلـح لنا البـال

Advertisements