الوسوم

في كتاب "الرياضة وأدب النفس"  يشرح الحكيم  الترمذي قوله تعالى {إنّما حرّم ربيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطنَ والإثمَ والبَغيَ بغيرِ الحقِّ} [الأعراف: 33]. فيقول:

(البغيُ في الشيء الحلال حرامٌ، والفخرُ حرام، والمباهاةُ حرام، والرياء حرام، والسرف حرام، فإنما أُوتِيَتِ النفسُ هذا المنعَ من أجل أنها مالت إلى هذه الأشياء بقلبها، حتى فسد القلب. فلما رأيتُ النفس تتناول زينة الله والطيبات من الرزق تريد بذلك تغنياً أو مباهاة أو رياء علمتُ أنها خلطت حراماً بحلال فضيَّعَتِ الشكرَ، وإنما رُزِقَتْ لتشكُرَ لا لِتكْفرَ، فلما رأيتُ سوء أدبها منعتُها، حتى إذا ذلَّت وانقمعت، ورآني ربي مجاهداً في ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المحسنين} [العنكبوت: 69] فصرتُ عنده بالمجاهدة محسناً فكان الله معي، ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وقذفَ في القلب من النور نوراً عاجلاً في دار الدنيا حتى يوصله إلى ثواب الآجل. وإنما يتجافى العبد عن دار الغرور بما قُذفَ في قلبه من النور فأبصر به عيوب الدنيا ودواهيها وآفاتها وخداعها وخرابها، فغاب عن قلبه البغيُ والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء والحسد، لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيم الدنيا وحلاوتها في قلبه، وحبه لها، وكان سببَ نجاته من هذه الآفات ـ برحمة الله ـ رياضتُه هذه النفس بمنع الشهوات منها).

وليس فيما ينادي به الحكيم الترمذي تحريم حلال ولا غلو وانحراف ولا مخالفة لقوله تعالى "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"… وإنما هي تزكية النفس وتهذيب لها، وذلك بحملها على ترك الأخلاق السيئة و التعلق بالشهوة، بما يعينها على الترقي في مدراج الكمال ، والتحرر من سجن الهوى.

ولا صلة ولا علاقة بين هذه المجاهدة المقيدة بدين الله تعالى، وبين المغالاة والانحراف وتحريم الحلال وتعذيب الجسد الذي عليه البراهمة و البوذيون و بعض طوائف الرهبان. و منتهى آمال السالكين ترقيةُ نفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا إلى مطلوبهم، والنفس تترقى بالمجاهدة والرياضة من كونها أمَّارة إلى كونها لوَّامة ومُلْهَمة وراضية ومَرْضيّة ومطمئنة… إلخ، فالمجاهدة ضرورية للسالك في جميع مراحل سيره إلى الله تعالى، وآخرها العصمة ؛ وهي لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. أما نحن العوام فالعصمة في شأننا هو ما قاله الإمام الشافعي رضى الله عنه: "العصمة ألا تجد"… أي أن العصمة في شأننا نحن الضعفاء ليست أن نجد الشهوة فنرى من أنفسنا القدرة على مقاومتها… فنحن أضعف من ذلك، وإنما بتوفيق الله عنايته بنا يعصمنا من الخطأ بألا يوقع مقدماته في طريقنا…

ويعجبني قول ابن الفارض في بيان مشقة سيره حتى وصل إلى ما أنكروه عليه من شرف المحبة:
فنفسيَ كانت قبلُ لوَّامةً متى ………أُطعها عصتْ، أو أعْصِ كانت مطيعتي
فأوردتها ما الموتُ أيسرُ بَعْضِه…………….ِ وأتعبتُها كيما تكون مريحتي
فعادت ومهما حُمِّلتْهُ تحملتــه ………………مني وإنْ خفَّفتُ عنها تَأذَّتِ
وأذهبتُ في تهذيبها كلَّ لذةٍ …………………بإبعادها عن عادِها فاطمأنتِ
ولم يبقَ هولٌ دونها ما ركبتُه……………….. وأشهدُ نفسيَ فيه غيرَ زكيَّة

وقد قالوا: من حقق الأصول نال الوصول، ومن ترك الأصول حُرم الوصول.
وقالوا أيضاً: مَنْ لم تكن له بداية محرقة "بالمجاهدات" لم تكن له نهاية مشرقة. والبدايات تدل على النهايات.

دعاء اليوم

اللهم انت ربى لااله الا انت خلقتنى وانا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت اعوذ بك من شر ما صنعت وابوء لك بنعمتك على وابوء بذنبى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الاانت

===

Advertisements