قال الإمام علي رضي الله عنه في وصف من يقيم أمر الله تعالى:

"إنما يقيم أمر الله تعالى من لا يصانع ولا يضارع ولا يتبع المطامع"

 وهذا منهج العلماء الربانيين من طفولتهم وحتى شيخوختهم.

 والعالم الرباني لا يتغير هذا فيه سواء كان يقف أمام والده ينتظر عقاباً يعلم جيداً كم سيكون عنيفاُ، أو كان يقف أمام محقق في النيابة، أو كان يكلم رئيسه في العمل، أو يناقش أحد تلاميذه في مسألة علمية، أو يحاور أحد أولاده في شأن منزلي.

 ومن المصانعة الخجل في تطبيق أوامر الله، والمراعاة الكاذبة التي تنطوي على ضعف وخنوع لمشاعر وأحاسيس الأصدقاء والأقارب والأولاد والأتباع. وهذا ميزان دقيق جداً بين التدخل في شئون الآخرين ودعوتهم، وبين تعمد الإحراج و إبداء عدم الرضا عن أمر ، وبين سماجة المقاطعة والإعراض و لطيف النصح والتوجيه.

فلا خجل في أن يطالب أهل بيته وأصدقاءه وجيرانه بالالتزام بالحجاب، ولا حرج في أن يعتذر عن حضور بعض الولائم والأفراح لما يصاحبها من إسراف أو مخالفات شرعية، ولا ملل من أن يطالب الأقارب والجيران بالاقتصاد في العزاء على الضروريات، فهذا مال الورثة. وهو يفعل ذلك بكل مهاراته في تغليف النصح بكافة أشكال العبارات اللطيفة، ولا يعنيه بعد ذلك ما يقوله الناس فيه.

 ومن المصانعة الحرج الذي يصيب بعض الناس حين حضور وقت الصلاة فلا يؤدونها لأنهم بصحبة كبير من الكبراء أو رئيس من الرؤساء أو وسط اجتماع به مسئولون مهمون. وساءني جداً ما بلغني من أن أحد كبار الشيوخ وكان ضيفاً على حفل إفطار في رمضان على مأدبة الرئيس تحرج من أن يدعو الرئيس لصلاة المغرب حتى قارب وقت صلاة العشاء، فافتعل إذناً واهياً ليؤدي الصلاة في الخفاء.

 وهذه المصانعة أو التحرج في إقامة أوامر الله وقع في مثلها الوفد الفلسطيني في مفاوضات كامب ديفيد الأخيرة، والتي اتهم بعدها ياسر عرفات بأنه أضاع فرصة ذهبية للسلام، وكانوا كاذبين. قال رئيس الوفد الإسرائيلي – وكانوا مساء يوم جمعة- علينا أن ننهي المفاوضات اليوم، فغداً السبت ونحن لا نعمل يوم السبت. فرد رئيس الوفد الفلسطيني مهوناُ من شأن الحجة: رويداً سيدي، فقد كان اليوم يوم جمعة، وتركنا الصلاة من أجل المفاوضات. فابتسم اليهودي وقد أدرك من أين يأتي الانتصار وقال: لا شأن لي بما تفعلون. صليتم أم لم تصلوا فهذا شأنكم. أما أنا ووفدي فلن نحضر مفاوضات الغد.

 وقد سمى القرآن الكريم هذه الصفة الكريهة بالمداهنةـ وقال عن الكفار إنهم: "ودوا لو تدهن فيدهنون". أي أن الكفار كانوا يريدون منك يا محمد صلى الله عليه وسلم، أن تجاريهم في المصانعة، فتبقى الصورة الظاهرية لتعاليم الدين، ويبقون هم على ما يدينون به من شرك وسلوكيات. والحق أنه لا تنازلات إذا كانت تتعلق بأوامر الله تعالى، أما مادون ذلك فلا بأس من بعض المدارة والتلطف إلى الناس والتودد إليهم والأخذ بأيديهم إلى مرافئ هذا الدين الحنيف.

دعاء اليوم

اللهم إني أنزل بك حاجتي ، وإن قصر رأيي وضعف عملي ، افتقرت إلى رحمتك ، فأسألك يا قاضي الأمور ، ويا شافي الصدور ، كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير ، ومن دعوة الثبور ، ومن فتنة القبور.

Advertisements