الوسوم

,

 

لا يعنيني أن أثبت أن فضيلة المفتي الدكتور علي جمعة قد أصاب في رأيه بخصوص الغرقى المصريين على الشواطئ الإيطالية… ولا يهمني أن أدلل على أنه قد جانبه الصواب.. والأمر عندي أخطر من أن تعليقاً جماعياً رافضاً لرأي أو حكم أو فتوى (سمها ما شئت) يمكن أن تدفع المفتي لتغيير رأيه.. وإنما يعنيني ويهمني ويقلقني أن أقف على انتكاسات حادة في منطقنا في تفسير الأحداث، وطريقتنا في الحكم عليها، و قدر ومكانة علمائنا الرسميين في نفوسنا.

 

لم يكن فضيلة المفتي وهو يعلق على الأحداث ويرفض إطلاق وصف "شهداء" على الضحايا، يستعرض أدلة فتوى أصدرتها دار الإفتاء بناء على طلب من أحد أقارب الضحايا، ليستخدمها في المحكمة للحصول على تعويضات مادية من  منظمي الرحلة المشئومة، ولم يكن الذين رفضوا الفتوى "الدينية" يناقشونها من منطق الأدلة الشرعية التي وجدوها متهافتة، وإنما من منطق اللياقة والتوقيت والأثر، وهو منطق إن صح في مناقشة القرارات السياسية فلا ينبغي أن يكون مرتكزاً لمناقشة الفتاوى أو حتى التصريحات المنسوبة إلى علماء شرعيين رسميين.

ولم يغب – بالتأكيد – عن المفتي وهو يصدر هذه التصريحات التي أثارت عشرات الصحفيين ونواب البرلمان ضده أنه – لا يملك – لا هو ولا أي مخلوق على وجه البسيطة- أن يصدر حكماً من نوع : "قريبك شهيد"، أو "قريبك منتحر". وليس أمامنا إلا أن نتوقف بشأن من رحلوا ونترك أمرهم لله تعالى، فلا أحد يعلم على وجه اليقين النية التي خرج بها من خرج، ولا الحال التي لقي الله عليها كل راحل في لحظاته الأخيرة.. ولا نملك إلا أن ندعو لهم بالرحمة والمغفرة، ولأهلهم بالصبر والسلوان، وهو سبحانه واسع العفو ورحمته قريب من المحسنين… الراحلين منهم والباقين.

وأرى أن فضيلة المفتي قد اتخذ موقفاً وسطاً معتدلاً.. فلا هو تساهل في إطلاق وصف الشهداء عليهم، ولا هو نعتهم ب "المنتحرين" كما فعل البعض. وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ولا أدري سبباً يفسر هذا الهجوم الكاسح على المفتي، والذي شارك فيه كثيرون بغير علم ولا برهان مبين، إلا كونه تصفية لحسابات قديمة بين المفتي وعدد من الصحفيين، أو طعناً للحكومة في شخص المفتي.. خاصة أن رأيه بأن الضحايا شهداء لن يكون صكاً بدخولهم الجنة، وإصرار غيره على أنهم منتحرون ليس توطئة لدخولهم النار.

وجموع الصحفيين – ومنهم إسلاميون فضلاء-  الذين أخذوا على فضيلة المفتي أنه بهذه التصريحات  قد أساء لأسر الضحايا، وزاد من فجيعتهم في أبنائهم قبل أن يتسلموا جثامينهم، فاتهم أن يقفوا بهدوء أمام رسالته التي وجهها في الأساس لملايين الأسر المصرية التي يمكن أن يكون أبناؤها يعدون لمغامرة مماثلة، كما فاتتهم دعوته للحكومة ورجال الأعمال ألا يقدموا العذر والتبرير للشباب الغاضب العاطل عن العمل ليقدموا على سلسلة من المخالفات الشرعية والقانونية والإنسانية.. وبدا لي أن عدداً من هؤلاء الصحفيين كان يعنيهم أن يهاجموا المفتي أكثر من عنايتهم بالتعاطف مع الضحايا وأسرهم.

ولا أود أن أدخل في جدل فقهي حول "أنواع" الشهداء ودرجاتهم ومستوياتهم.. لكني أكتفي بتأكيد ما أجمع عليه العلماء من أن الشهداء الذين عناهم الله تعالى بقوله "أحياء عند ربهم يرزقون".. هؤلاء الذين لا يكفنون ولا يصلى عليهم، والذين هم في الفردوس الأعلى من الجنة.. هم الذين جاهدوا بأنفسهم في ساحة الحرب مع الأعداء فجادت أرواحهم في سبيل الله.. أما المبطون والغريق والمحروق وميت الهدم والمرأة تموت عند وضعها.. فهم وإن أطلق الرسول عليهم لفظ الشهداء تكريماً لشأنهم وتخفيفاً عن ذويهم، فهم دون المجاهدين الذين يقدمون أرواحهم عن طيب نفس. وأخشى أن يتلقى الناس رسالة سلبية عن فضل الشهداء وقدرهم عند ربهم إذا ضممنا إليهم نفراً من المغامرين من أجل متاع دنيوي زائل… أيا كان ما يقال عن بؤس حالهم، وطول فترة بطالتهم، وشدة يأسهم، وهوانهم على الحكومة ورجال السياسة والأعمال.

ويقتضينا الإنصاف ألا تقرأ تصريحات المفتي باعتبارها فتوى حكومية تستهدف تبرئة ساحة الحكومة من تقصيرها في حق المصريين كلهم، قبل تقصيرها في حق هؤلاء الضحايا بعينهم. ولا أظن أن المفتي قد دار بذهنه هذا الخاطر أصلاً… فضلاً عن أن هذه التصريحات لا تحتمل هذا المعنى. فكما لا يعني إقراره بأن الضحايا شهداء اتهاماً للحكومة بالتقصير، فكذلك لا يعني وصفه لهم بأنهم "طماعون" بأن الحكومة بريئة.

وما من شك في أن هناك احتقاناً متزايداً بين الشعب والحكومة، وثمة ضعف ثقة مصحوباً باتهام مسبق للعلماء الرسميين بأنهم أدوات في يد السلطة، ولهذا وذاك شواهده التي يمكن أن تكون محل أخذ ورد،  ولكن هذا لا ينبغي أن نفسر به كل كلمة وكل قرار وكل موقف. ومن يخرج من ذهنه هذا التفسير المسبق والمتعسف للآراء والأحداث سيجد أن فضيلة المفتي كان يعنيه أن يدق ناقوس خطر لعدة آلاف من الشباب المتهور الذي يتحرك وفق قناعة باعها لهم نصابون محترفون بأن "لا تتردد… فلن تخسر شيئاً، فإن وصلت لإيطاليا فهنيئاً لك جنة الدنيا… وإن كانت الأخرى فأنت شهيد، فهنيئاُ لك جنة الخلد".. ومسئولية المفتي – بحكم منصبه – أن يؤكد أن هذا تصور كاذب، وأنها مغالطة مفضوحة، وأن العملية برمتها هي سلسلة مركبة من الآثام بداية من الضغط على الأهل لتوفير نفقات الرحلة، إلى الهروب من السلطات المصرية إلى التحايل على القوانين الأجنبية..والأخطر من ذلك كله هو إلقاء النفس إلى التهلكة بالابتعاد عن أبسط مقومات الأمن والسلامة.. ومن واجب العالم أن ينبه إلى هذه الأخطاء ويحذر منها.. ولا أتصور أنه من الأمانة في شيء أن يتبسط المفتي في هذا الأمر فيعلن عاقداً بين إبهامه ووسطاه: "هم شهداء.. شهداء.. شهداء" على طريقة بعضهم، وكأنه يرسل رسالة غير نزيهة للشباب… لا بأس عليكم إن فعلتم ذلك، في أي وقت وبأية طريقة.

وقد كتب البعض بأنه كان جديراً بالمفتي أن يقول كذا وكذا… وكان الأولى به أن نسمع رأيه في قضية كيت وكيت.. ولا أعتقد أن دار الإفتاء في حاجة لأن يملي عليها أحد – من فوق أو من تحت– ماذا يقال ومتى يقال وكيف يقال. وكل الذين طالبوا المفتي بذلك، هم أنفسهم الذين يرددون بأن دار الإفتاء مخترقة… وأنها تستجيب في فتاويها لضغوط الحكومة…  وهم بذلك يحلون لأنفسهم (لأنهم معارضة) ما يحرمونه على غيرهم (لأنهم حكومة).

والدرس المهم الذي يجب أن نخرج منه من هذه المحنة – فيما يخص موضوع الفتوى والإفتاء – هو الحاجة إلى الإسراع في عقد حوار مجتمعي موسع حول: واقع استقلال الإفتاء، والخطوات الواجبة حتى نضمن تمام تحقيقه، ثم ننقل الثقة فيه إلى الناس، و هنا يصبح احترام الفتاوى والمفتين  واجباً من الجميع لا يقل عن احترام أحكام القضاء، وربما يتسع الحوار ليشمل القيمة الدستورية – وليس فقط المعنوية- لفتاوى دار الإفتاء المصرية أمام القضاء المصري، ووجوب التزام القاضي بها في أحكامه، في ضوء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. و حتى يحدث ذلك، ويلقى قبولاً عاماً… فلا يسعنا إلا أن نستجيب لرسالة الله تعالى للمفتي وللصحفيين وللحكومة ولنا جميعاً..

"ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا… اعدلوا هو أقرب للتقوى".

Advertisements