الوسوم

, , ,

هذه قراءة مغايرة لظاهرة الاعتصامات والمظاهرات والإضرابات التي شهدتها المدن والمصالح المصرية في الشهور الأخيرة.  أعلم مسبقاً أن سهام التشكيك وسوء الظن ستحيط بي من كل جانب، ولكني مضطر لهذا العرض – حتى لو خسرت المزيد من المتابعين – باعتباره مرتكزاً لحوار.. لا حسماً لنتائج.

لا تستهدف هذه القراءة التهوين من شأن هذه الاعتصامات، ولا الاستهانة بمشاعر وإحباطات منظميها والقائمين عليها، ولا ادعاء أنها تزيد وترف وسوء تقدير… وإنما هي قراءة أخرى حاولت أن أخرج بها من عباءة المشارك المتعاطف لأرتدي زي المتابع المحايد… و قد أعانني علي ذلك نقاش أجريته مع بعض الأصدقاء مصريين وعرب وأجانب… ألخص لكم جملة ما خلصنا إليه في ثلاث نقاط، وأجري على الله:

(1)  

بخلاف ما يظن كثيرون فإن هذه الإضرابات والاعتصامات – إذا تمت معالجتها بشكل رشيد من الحكومة– فإنها تصب في مصلحة النظام… دع عنك حقيقة أنها ورقة ترفعها الحكومة لمنظمات حقوق الإنسان بأن حق المظاهرات موجود ومطبق… فهذا آخر ما يفكر فيه النظام. ولكن الاعتصامات غالباَ ما تنتهي بتحقيق تسوية يرتضيها المعتصمون – لأن طلباتهم في الأصل متواضعة- دون أن تضر النظام إلا في عدة ملايين تضاف إلى عجز الميزانية وتتحمل آثارها الأجيال القادمة، وبالتالي فكل اعتصام مفضوض ينتهي بأفراد موالين للنظام ومنتفعين من وجوده… وينتهي برسالة خبيثة تتسلل داخل كل معتصم من حيث لا يدري: "الآن وبعد أن عرفت حجم ما بذلناه لك، فلتكن عوناً لنا على مزيد من الاستقرار… فأنت الآن ابننا المدلل. لا تسمح للآخرين بسرقة منجزاتك ولا مشاركتك فيها… وما قدمناه لك – كما تعرف – لن نستطيع تقديمه للآخرين، فعليك بنفسك… ودع الآخرين لشأنهم".

 

(2)

حيث أن معظم هذه الاعتصامات فئوية وتنحصر مطالبها في توفير القوت الضروري للمعتصمين وعيالهم – على نحو ما نراه واضحاً في اللافتات- فهذا يكشف في أحد دلالاته عن أن حجم الغلاء أصبح أكبر من أن تسيطر عليه الحكومة أو تتحمله جموع المواطنين. لكنه يكشف – وبدرجة أخطر– عن أن فرصة خروج اعتصام أو مظاهرة – في هذا الجو – لتحقيق مطلب آخر أطول أمدا وأبقى أثراً وأعم فائدة مثل: استقلال القضاء أو منع حبس الصحفيين أو التنديد بالتعذيب أو تفعيل النقابات أو رفض التوريث.. هي فرصة شبه معدومة.

بالطبع سأشارك في المظاهرة التي تطلب لي علاوة، وليس تلك التي تتضامن مع مجموعة من المعتقلين السياسيين. خاصة أن الأولى يمكن أن تنتهي بمكاسب، أو على الأقل بمسئول نتحاور معه، أما الأخرى فلن يجني منظموها إلا الإهانة والتشريد، وأكبر مسئول يمكن أن نتحاور معه هو رائد بأمن الدولة، ثم ينتهي النضال إلى صفر كبير.

لا أنكر حق أحد في أن يغضب إذا عجز دخله عن تلبية احتياجاته اليومية، لكني أتحدث عن أفضل السبل لتحقيق المطالب، وعن الصورة الكلية لمصر الكبيرة لا المكاسب المحدودة لأسرتي الصغيرة. ثم إني أشعر أن الاعتصامات الفئوية بدلاً من أن تفتح الطريق لاعتصامات شعبية كاسحة تنتهي بعصيان مدني موجع، فإنها تشتت الجهود وتؤكد الفرقة، وتفتح مجالاً للاختراق.

 

(3)

وهي في نظري الاستنتاج الرئيسي والهام والمثير. وهو أن هذه المظاهرات والاعتصامات لا تعبر عن حالة "استنكار"، وإنما تعبر عن حالة "إنكار"، والفرق بينهما كبير جداً. ورغم أن الأعراض واحدة لكن التشخيص مختلف وبالتالي فالعلاج مختلف.

الاستنكار رفض لما حدث – مثل العدوان على الأقصى أو بناء جدار الفصل، وهو رسالة للآخر لمنع ما هو محل رفض من الحدوث أو لتغييره بعد حدوثه أو لتخفيف أثره.

أما "الإنكار" فهو "رفض تصديق" أن ما حدث قد حدث. وهو حالة نفسية تصيب الأفراد أو الجماعات أو الشعوب وهو رسالة للنفس قبل أن تكون رسالة للآخر.

الاستنكار رفض إذا تعاظم يمكن أن ينتهي إلى تراجع و تغيير. أما الإنكار فهما استمر وتعاظم، فمصيره الوحيد هو "القبول".

//

سيدنا عمر بن الخطاب حين أعلن عن غضبه من شروط صلح الحديبية كان "يستنكر"، وحين أشهر سيفه في وجه من قال: إن الرسول قد مات.. كان "ينكر" لأنه لا يصدق أن الرسول قد مات. والمصريون في مظاهرات يونيو 67 بعد الهزيمة كانوا "ينكرون" لأنهم لا يصدقون أنهم هزموا وأن الرئيس تخلى عن السلطة، بينما هم في مظاهرات يناير 77 كانوا "يستنكرون" القرارات برفع أسعار بعض السلع الأساسية.

والطفل "ينكر" أن أباه سيرحل ويتركه (رغم أن التاكسي على الباب)، والزوج ينكر أن زوجته يمكن أن تخونه (رغم أنها شوهدت عدة مرات في شقة رجل آخر)، والأهل ينكرون أن ابنهم يتعاطي المخدرات (رغم أن اللفافة التي وجدوها في جيبيه اسمها بانجو)، ومريض الإيدز ينكر أن مرضه خطير،… وجورج بوش ينكر أنه هزم في العراق… (و "حالة إنكار" هو عنوان كتاب لبوب ودوارد يتحدث عن مظاهر هذا الإنكار لدى الحكومة الأمريكية رغم أن العالم كله يرى الحقيقة). الإنكار – وليس الاستنكار – هو الحالة التي تصيب جماهير كرة القدم عندما يخرج فريقها مهزوماً في المباراة النهائية أمام فريق متواضع.

نفسياً فإن الأفراد والمجتمعات تنكر كل "حقيقة" يعني وقوعها الاتهام بالعجز أو الغباء أو التقصير أو الانحدار. والمجتمع المصري والعربي يعيش حالة إنكار مرضية لم يشهد لها من قبل مثيلاً.

//

فالإنكار هو الحالة التي عليها النظام المصري والإعلام المصري حين يصر على وصف الإخوان المسلمين ب "الجماعة المحظورة"، رغم أن بينهم 88 نائباً في البرلمان، ومقراً معروفاً ومرشداً عاما، ومجلس شورى، ولقاءات صحفية وغير صحفية تسد عين الشمس.

والإنكار هو الحالة التي عليها الحكومة المصرية حين ترى كله "تمام"، وأن المؤشرات الاقتصادية المرتفعة دليل عافية بغض النظر عن أن نسبة من يعيش بأقل من دولار يوميا (تعريف المنظمة الدولية للفقير) يقترب من نصف الشعب المصري.

والإنكار هو الحالة التي عليها الفنانون المصريون الذين يصرون على المكابرة والتشدق بأن الريادة المصرية للعرب دائمة وستدوم دائماً، بغض النظر عن حجم وجودة المعروض من الأعمال الفنية المصرية و انخفاض نسب المشاهدة العربية لها.

والإنكار هو الحالة التي عليها مشايخ الأزهر وهم يتحدثون بازدراء عن الدعاة الجدد، مع أن شهرة أقل شيخ شاب تتجاوز شهرة عمداء كلية أصول الدين والشريعة واللغة العربية مجتمعين، ومع أن الأزهر لم يعد المرجعية السنية الوحيدة فضلاً عن أنه لم يعد الأكثر قبولاً وتقديراً.

والإنكار هو الحالة التي عليها مسئولو التعليم في مصر، وكأنهم لا يعلمون أن هناك إعلانات تطلب مهندسين أو أطباء للعمل، ثم ينص فيها: "على ألا يكون من خريجي جامعة (كذا) المصرية".

والإنكار هو موقف وزير البيئة وهو يتحدث عن السحابة السوداء، وموقف وزير الدفاع وهو يتحدث عن تسليح وتدريب الجيش، وموقف وزير الزراعة وهو يتحدث عن المبيدات المسرطنة، وموقف وزير الإعلام وهو يتحدث عن الريادة الإعلامية، وموقف وزير الصناعة وهو يتحدث عن زيادة الصادرات المصرية….

والإنكار هو الحالة التي عليها جدتي حين ترفض أن تصدق أن سندوتش الفول قد أصبح بجنيه، وكان آخر عهدها به بعد موجة غلاء حادة أن أصبح ب 5 قروش.

//

والإنكار – عودة لموضوعنا – وليس الاستنكار هو الحالة التي عليها جموع المتظاهرين والمعتصمين، وجموع الصحفيين الذين يتابعونهم.

إنهم لا يتظاهرون طلباً للتغيير، ولكنهم يتظاهرون لأنهم "مش مصدقين" أن الخصخصة طالتهم أو ستطولهم، وأن العولمة هي طريق "من لا يلحق يسحق"، وأن "الحكومة لم تعد بابا وماما"، وأن "الشعب المصري غير ناضج سياسيا"، و أن "التعليم لم يعد مجانياً وكذلك العلاج"، وأن "التعيينات الحكومية قد انتهت إلى غير رجعة"، و أن "الدعم إلى زوال رغم كل التصريحات". والحمد لله أنني لست رئيس وزراء مصر، لأتحمل عبء التصريح بذلك، ومع ذلك ينكر الناس هذه الحقائق وينكرها الصحفيون.

//

وقبل أن تطلقوا علي مدافع "العنب والناطور"، فرسالتي واضحة:

لست بصدد مناقشة هل هذا جيد أم سيء، هل نريده أم نرفضه… فهذا واقع حدث ولا سبيل لمنعه، بل ولا أمل في تغييره، وبالتالي فإن إنكار ما سبق ليس من الحكمة ولا الحصافة في شيء. وعندما تمر السيارة من أمام البيت فإن أقصى ما تستطيعه هو أن تتبع آثار عجلاتها، ولا قيمة لأن تقول: لا لم تمر، لأن الناس جميعاً قد شهدوا مرورها بينما أنت نائم أو غائب.

//

أقرأ "الفجر" و"الدستور" و "العربي" و "الكرامة" و "الوفد" و "المصري اليوم" و "الأهالي" و "البديل" و "الوفد" و "الأحرار"… فيتأكد لدي أن الصحافة المستقلة والمعارضة – إلا من رحم ربي- لا تزال "تنكر" و لا تريد أن تصدق أن تغييراً جوهرياً حدث في مصر وفي العالم، وأن ما تطالب به الحكومة اليوم من التراجع عن بعض القرارات ربما كان مقبولاً من ثلاثين سنة… أما الآن فلا.

وفي المقابل أقرأ "الأهرام" و "الأخبار" و "الجمهورية" … فيتأكد لدي أن الصحافة الحكومية لا تزال "تنكر" أن الناس تقرأ وتفهم وتستوعب وتناقش، و لا تصدق هذه الصحف أن تغييراً جوهرياً حدث في مصر وفي العالم، وأن ما تقوم به اليوم من الترويج لبعض القرارات والتمويه على الناس بها كان ممكناً من خمسين سنة… أما الآن فلا.

الناس تظن أنها بالمظاهرات "تستنكر" لتغير النتيجة، والحقيقة أنها تنكر… لأنها لا تريد أن تصدق أن المباراة قد انتهت بخسارتنا، وانه لا مجال لإعادتها.

////

في الستينات وضعت عالمة سويدية نموذجاً "لدورة التغيير" وذلك بمتابعتها المستمرة لتفاعل "مريض السرطان" مع المرض. ثم أصبح هذا النموذج هو المرجع الأهم لعلماء الإدارة والسياسة "لإدارة التغيير" في مؤسساتهم ومجتمعاتهم. فأول رد فعل للمريض هو "إنكار" أنه مصاب بالمرض، ثم المجاهرة برفض تصديق هذا المرض، ويتصاعد هذا الرفض ويأخذ أشكالاً متعددة من الصراخ إلى الممارسات الشاقة – ليثبت لنفسه أنه بصحة جيدة- ثم يبلغ هذا الرفض ذروته، قبل أن تبدأ دورة هابطة من القبول التدريجي للأمر الواقع، وهنا يتحول المريض من حالة الرفض والإنكار إلى مرحلة الحوار و "التفاوض"، للحصول على أكبر مكاسب أو الخروج بأقل خسائر في ضوء المعطيات الواقعية…. وتتلوها محاولات أخرى خافتة للرفض… ثم محاولات ثانية من التفاوض… وهكذا حتى يصل إلى مرحلة "الحل النهائي".

لا بأس أن تعبر الناس عن مشاعرها…

لكن لتعلم أن التعبير عن المشاعر لن يعيد التاريخ إلى الوراء,,. و أن الإنكار مجرد شعور نفسي من الأفضل ألا يطول.

ثمة تغيير عظيم يمر به العالم ولسنا في معزل عنه، ومن الأفضل ألا نكون في معزل عنه.

من الأفضل أن ندخل مباشرة في مرحلة التفاوض والحوار…  

أعلم أن لكلمة "التفاوض" إيحاءات سيئة، ولكن علينا أن نتجاوز هذا المشاعر السلبية…

 "التفاوض" ليس هزيمة، وهو لا يعني الهزيمة في إلا في قاموسنا، ولم يكن يعنيها أبداً على مدار التاريخ لا في ثقافتنا ولا في أية ثقافة من الثقافات…

"التفاوض" سيؤدي إلى الهزيمة فقط إذا دخلناه باعتباره هزيمة…

والواقعية لا تعني "الوقوعية" والانبطاح… إلا  إذا شعرنا بالدونية… ولا مبرر لشعورنا بها كلما سمعنا كلمة "حوار"…

والعولمة فكرة أو "شوطة" وماشية… لها إيجابيات ولها سلبيات، لكن المنفعلين بها إيجابياً ليسوا خونة… وإلا لاعتبرنا مستخدمي الإنترنت خونة، ومستخدمي البنوك عملاء، ورواد المولات الكبرى جواسيس.. ومستخدمي الموبايل طابوراً خامساً…

//

لقد انتهى عصر "الكل أو لا شيء"… حتى في أدبيات الدول العظمى…

ولكننا لا زلنا نسمع هذه النغمة ونحن نتحدث عن حل القضية الفلسطينية، أو العلاقة بين الحكومة والمعارضة، أو التوجه الاقتصادي في السنوات القادمة…

العالم يتغير بسرعة… وطول فترة الإنكار يسحب من الطاقة ومن الرصيد… 

كفانا إنكاراً…

ولنبدأ المكاشفة والتفاوض والحوار

الآن وليس غداَ.

والكاسب نحن وأطفالنا.. والوطن.

…..

 

Advertisements