الوسوم

اعتراف

لا أجد حرجاُ في أن أعلن، ولا حاجة إلى أن أداري أن القيمة الكبرى التي تقف وراء كل سطر من سطور هذا العمل، هي قيمة "الإعجاب"، وهو معنى لا أظن أحداً يخلط بينه وبين الحب.

وحين أقول: "إني أحب والدي"، فلست في حاجة لأن أبحث في أفعاله عن مبرر، لأن نداء الفطرة هنا غالب، ولأن مشاعر الحب "العاطفية" تمارس هنا بعيداً عن أسباب العقل، أو تحليلاته. ولكني أصرح هنا أني فوق "حبه" معجب به أيضاً.

مرة أخرى أعلن أن "الإعجاب" الذي هو عمل عقلي صرف هو الذي يقف وراء جهدي لإتمام هذا العمل. وهذا الإعجاب لا يرتبط بكون أن من يعجبني هو "أبي"، وإنما سببه تقديري لقيمة وعمل ودور من أعجبني، وانجذابي إلى شخصه وروحه الواضحة الرائقة الخالية من التناقضات، دون نظر إلى حجم النجاح – أو الفشل- الذي قدره الله لهذه الروح في الحياة الدنيا.

ولست في حاجة لأن أذكر أن "الأبوة" أتاحت لي ما لم يتح لغيري من فرصة القرب، وأن القرب مكنني من التدقيق، وأن التدقيق قادني إلى "الإعجاب"، الذي تحول من قيمة عقلية "ممنطقة" إلى حالة لا شعورية غالبة.

ولعلي  بهذه الإشارة أقدم للقارئ الكريم اعتذاراً أولياً عن عدم قدرتي على الفصل بين ما هو "ذاتي" وما هو "موضوعي"، في فصول هذا العمل. وأدع له هذه المهمة داعياً الله عز وجل، أن أوفق في مهمتي من أن أجعله ينضم معي إلى قائمة المعجبين.

******

رجل ورسالة

صح لدى كل المتعاملين مع الدكتور عبد الغفار عزيز أن انتماءه الحاد لوطنه يتجاوز الأفراد، وأن استقلاله الفكري والسياسي يعلو على إعجابه أو كراهيته بهذا الزعيم أو ذاك. فإن كان لابد من ولاء فليكن لقيم الدين ولحرية الرأي والتعبير، وإن كان لابد من شقاء فليكن للجسد الفاني، لا للذهن المحلق في فضاء الدعوة والحكمة والموعظة الحسنة.

ولم تكن علاقته بالأحداث السياسية الكبرى علاقة الإنشاء والتحرير، بل علاقة التأثر والتأثير. وقد تزامنت رحلته العملية، مع عدد من الأحداث التي مرت بها مصر والأمة الإسلامية خلال أربعين عاماً أو يزيد منذ وعى البعد الوطني للمشاركة.

و لم يكن بمقدوره خلال هذه الفترة أن يتعامى عن هذه الأحداث أو يعتزلها، رغم عدم رضاه عن توجهاتها. وقد استعان في فهمه لها، وتعامله معها بما أمده الله به من معرفة بالواقع وفقه للتاريخ. واهتدى إلى معادلة مرضية تضمن له إيمانه بالله دون أن يفرط في حرصه على وطنه. وهي معادلة شق على بعض الإسلاميين تطبيقها. وكان يقينه أن استقرار الوطن يحقق رضا الله، أو بالأحرى فإن رضا الله لا يمكن أن يتحقق على أنقاض الوطن. وهو ما أدركه الإسلاميون الآن بعد أكثر من 25 عاماً على اغتيال السادات، وظهر بارزاً في مراجعاتهم الأخيرة.

وهذه الصفحات محاولة لرسم صورة متوازنة للشخصية، لا تبالغ في عرض المزايا، كما أنها تترفق في الإشارة إلى العيوب.والمطلوب من القارئ أن يعيش الشخصية ويتمثلها، ويقف على مفاتيحها.

……

وبقدر ما أتاحته لي "البنوة" من علاقة خاصة بالوالد الشيخ رحمه الله ومتابعة دقيقة لتفاصيل أعمال والدي وأقواله.. بقدر ما حجبت عني في حينه- الوقوف على جوانب التميز في شخصيته.

وفي الوقت الذي كان كثيرون ممن يحيطون به يرون في بعض أعماله جرأة نادرة وشجاعة خاصة، وتهوراً أحياناً.. كان تصنيفي لهذه الأعمال أنها عادية وليست محلاً لفخر أو اعتزاز، وأنه كان هناك دائماً متسع لبذل المزيد. الآن وبعد ما يقرب من عشرين عاماً على هذه الأحداث، وبعد عشرة أعوام من الرحيل أرى في هذه الأعمال نماذج فذة للنبل والصدع بالحق، والمواجهة حيث غض الطرف مفضل، والنضال حيث غلق الفم أسلم، والإيجابية حيث السلبية أكثر ربحاً وأقل تبعة.

…….

والقصص هنا شأنه شأن القصص في سواه. ولا أزعم – ولم أحاول- أن أقترب في عشرات القصص التي سأسردها من القصص القرآني في دقته وصدقه التاريخي – خلافاُ لما يروج المبطلون-, إنما حسبي في ذلك أني اجتهدت ما استطعت لتحري الصدق، دون أن أكون ملزماً به.

وقد عملت على استكمال الناقص من معالم الصورة بالممكن منها، دون أن أزعم أن هذا الممكن قد حدث بالفعل. أعني بذلك أني حين أحكي عن الوالد الشيخ أنه قد قابل، أو قال، أو كتب، أو خطب.. فإن هذا لا يعني أني أملك الدليل المادي على صدق ما أزعم، وإنما الظن عندي راجح بذلك. ولست أروي أحاديث شريفة ليتعقبني رجال الجرح والتعديل بالتفتيش في عدالتي ومروءتي وطريقة "التحمل"، وإنما أقص سيرة رجل رحل، وعصر حضر، ومصير منتظر.

ومن الإنصاف أن نشير إلى أن جهوده لم ترق لأن تحدث تغييراً نوعياً في الخريطة الدينية أو السياسية في المنطقة، وشأنه في ذلك شأن المئات من شيوخه وزملائه وتلاميذه، ولكن أعماله مع أعمال غيره ساهمت على الأقل في إبقاء جذوة الإيمان مشتعلة في قلوب الأفراد، لم تفلح في إطفائها سنوات القمع والكبت والإلهاء والتغييب.

 

******

تعددت المواهب والإخلاص واحد

استكمل الدكتور عبد الغفار عزيز فهمه لأوضاع العصر وظروف الجماعة الإسلامية بتنوعها عبر الأقطار ما بين أغلبية مسلمة جاهلة، وأقلية متنورة، ما بين كنائس تشترى في أمريكا في الثمانينات لتتحول إلى مساجد يدعى لافتتاحها، وأطفال مسلمين يعمدون غصباً في أندونيسيا نتيجة جهل آبائهم وفقرهم وغفلة دعاتنا وتقاعسهم. وقابل وثنيين يعبدون الأشجار في الجزيرة العربية على بعد مئات الكيلومترات من مكة المكرمة، كما صلى في مسجد أقيم من قبل ما يقرب من ألف عام على ربوة بين النمسا وسويسرا.

وناظر نفراً من شيعة العراق يخمصون وجوههم بالدماء في ذكرى استشهاد الحسين في كربلاء، وحاور المتهمين بقتل السادات في السجون، كما قابل من حكم عليهم عبد الناصر بالإعدام وفروا مثل الدكتور سعيد رمضان زوج ابنة الإمام حسن البنا وكان مقيماً في سويسرا. وناظر البرهانية أتباع الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني كما ناظر أتباع كريشنا أحد آلهة الهندوس. ركب بعض الألعاب في ملاهي ديزني لاند في كاليفورنيا، كما أتيح له دخول الكعبة المشرفة. والتقي مع الحاجة زينب الغزالي، كما التقى مع الدكتورة نوال السعداوي. وجلس مع الشيخ عبد المجيد الزنداني نائب رئيس الجمهورية اليمنية، كما جلس مع الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع ومبتكر لقب "الإسلامويين".

وكان أحد ثلاثة ضمتهم منصة واحدة في مؤتمر ضخم أحدث دوياً عالمياً وقتها، عقد في ميونخ عام 1984، جلس في المنتصف الدكتور حسن الترابي الزعيم السوداني الكبير، وعن يساره الشيخ محفوظ نحناح الزعيم الجزائري الكبير، وعن اليمين جلس الدكتور عبد الغفار عزيز. وتطور الأمر بتجربة كل منهم إلى حيث ما تعلمون، رحم الله الراحلين وغفر للباقين.

……

و تعدد محاور التميز في شخصية الوالد الشيخ أمر جدير بالتأمل والتسجيل.

فلم يمنعه تفوقه العلمي (كان أول دفعته عند التخرج من الجامعة) عن المشاركة في العمل الوطني حتى أنه تعرض للفصل لمدة عام دراسي كامل.

ولم تمنعه مشاغله الأكاديمية في الإدارة (رئيساً لقسم الدعوة بكلية أصول الدين بالقاهرة وعميداً لكليتي الدعوة بالقاهرة والمنوفية) عن المشاركة في النشاط الدعوي الأهلي المكثف خطباً ودروساً ومحاضرات، وهو أمر يستنزف الوقت والطاقة ولا يبقي مجالاً للبحث والتأليف.

ولم يمنعه انهماكه في العمل العلمي تدريساً للطلبة و|إشرافاً على رسائل الماجيستير والدكتوراه (قرابة المائة)، والتأليف العلمي والترقي المهني دون تأخير.. لم يمنعه ذلك عن المشاركة في العمل السياسي التنفيذي الذي لم يبدأ بانتخابه عضواً في البرلمان المصري عام 1984، ولم ينته عند حل البرلمان عام 1987، إنما استمر قبل ذلك وبعده كشخصية عامة مرموقة لها حضورها الثقافي والسياسي البارز.

كما أنه على كثرة أسفاره وإقامته بالخارج في فترة ما بعد حصوله على الدكتوراه عام 1972 حتى رحيله عام 1998، وقد مكث أكثر من نصف المدة خارج مصر، فإن كثيراً من تلاميذه ومقربيه لم يشعروا بهذا الغياب، ونجح في أن يجعل حبل وده موصولاً حتى أن الناس لم يعد يعنيها أين هو الآن. المهم أنها تجده حين تريد.

وفي ظل هذه المشاغل كان له مقال أسبوعي بجريدة النور المصرية، وآخر أسبوعي بجريدة الوفد، ثم بعد ذلك مقالات متنوعة بعدد من الجرائد المصرية والعربية. ويعلم المشتغلون بالعمل الصحفي كم يكلف من الوقت والطاقة كتابة عمود صحفي بشكل دوري خاصة إذا كان يتابع الأحداث اليومية، وليس مجرد مقاطع منقولة من بعض الكتب المنشورة، كما هو الشأن مع بعض الكتاب.

كما كان له برنامج إذاعي أسبوعي بعنوان أركان الإسلام بإذاعة القرآن الكريم المصرية، كان يذاع قبل قرآن الجمعة، واعتادت كثير من المساجد خاصة في الريف المصري إذاعته في الميكروفون في فترة عرضه عام 1984، كما كان له عشرات من البرامج والأحاديث بالإذاعات والتليفزيونات العربية.

وعلى كثرة ما قدم لأمته ووطنه، فقد ظل يلوم نفسه على تقصيرها في أداء واجباته، وكان يرى دائماً أن حجم طموحاته أكبر بكثير مما حقق بالفعل، ويضرب على ذلك أمثلة لما عجز عن تحقيقه رغم محاولته، يعني بذلك: المدرسة والحزب والجريدة.

وكان الوالد الشيخ رحمه الله يرى أن انتماءه التنظيمي لحركة من الحركات يحد من حرية حركته الدعوية، و ينسب آراءه وفتاواه إلى الحركة بينما يرى أنه من الأفضل لها أن تنشر وتقرأ منسوبة إلى الشرع. كما أن وجوده خارج الحركات يتيح له فرصة المتابعة والمراجعة والنقد والتواصل بغير تحفظات.

******

التاريخ الشائع والتاريخ البديل

هذه صفحات أكتبها الآن عما حدث بالأمس ليقرأها الناس اليوم وغداً وبعد غد.

ولا تتحدد قيمة الفرد – وبالتالي جدارته في أن تسجل وتنشر مواقف حياته- بقدر ما أحدث في التاريخ من أثر، وإلا توقف التاريخ عند سير الملوك وقادة الجيوش وقطاع الطرق، وإنما تتحدد هذه القيمة بقدر إخلاصه للمبادئ التي آمن بها، وبقدر دفاعه عنها وتضحياته من أجلها، كما أنها تتحدد بقدر ما أبقى من أثر وبث من روح لدى معاصريه وتلاميذه.

ويعمد بعض كتبة المذكرات والتراجم، حتى يضفوا على أعمالهم قدراُ من التشويق والإثارة المصطنعة، أن يقرنوها ببعض المبالغات، أو يضيفوا إلى ما شاركوا فيه من مواقف وأحداث قدراُ من الهالات أو البهارات، فيكسبوا للمواقف الخاملة أهمية زائفة، وللأحداث الروتينية تشويقاُ كاذباُ.

وقد يكون مثيراُ – وربما صحيحاً- أن ينتبه القارئ إلى طرف من مفارقات الأقدار، لكن لا يمكن أن تتحول ترجمة أحد النابهين إلى تاريخ من الفرص الضائعة. وثمة تاريخ بديل جدير بأن يعاد اكتشافه وكتابته: نجومه العلماء لا الوزراء، والمصلحون لا الممثلون، والمفكرون لا رؤساء الأحزاب. وهذه الصفحات محاولة على هذه الطريق ينبغي أن يصحبها محاولات كثيرة مماثلة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في فجر العمل والاجتهاد.

وفي حالة الدكتور عبد الغفار عزيز فهناك عشرات المواقف التي تغري بصياغة مذكرات من هذا النوع، وكان علي أن أقاوم الوقوع في هذا الفخ رغم غواية الإغراء…

         فلو لم يخفض رأسه ليتبين عقارب الساعة في ضوء السيارة الجيب السفلي لاستقرت رصاصة في رأسه على طريق الحديدة –صنعاء في حرب اليمن عام 65،

         ولو استجاب لتلميحات السفارة الأمريكية بالقاهرة عام 86 بالدعم والتعزيز لكنا قرأنا تاريخاً مختلفاً للمنطقة،

         ولو لم يكن في رحلة على جبال النمسا استغرقت عدة أيام صيف عام 85 دون وسيلة اتصال مباشرة لأمكنه أن يقبل ترشيحاً للوزارة جاء من مكتب الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء،

         ولو لم يعمد لإبطال المظاهرة التي سعى إليها الشيخ حافظ سلامة من مسجد النور بالعباسية إلى مقر الرئاسة بمصر الجديدة صيف عام 85 مطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية لربما كان للحركة الإسلامية شأن آخر،

         ولو لم يقم صفوت عبد الغني ورفاقه بمغامرتهم بقتل فرج فودة استناداً –بزعمهم- على بيان ندوة العلماء الذي أصدره قبل مقتل الرجل بأيام لما اضطر إلى الاستقالة من الجامعة ومغادرة مصر على هذا النحو المتعجل عام 1992،

         ولو قبل عرض الشيخ عبد المجيد الزنداني بالبقاء في اليمن عام 94 بعد مساهمته في وضع لبنات جامعة الإيمان لربما صار في طريق عمر عبد الرحمن، فقد كانت اليمن إذ ذاك قبلة الشباب العربي المتحمس وكانوا في حاجة إلى رمز ديني بارز..

على أني لن أستسلم لغواية تطبيق هذا المنهج لأكثر من ذلك، ففي النهاية: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء عنده بمقدار. و "لو" كما تعلمون تفتح باب الشيطان. ويكفينا ما لدينا من شياطين.

******

 

Advertisements