الوسوم

تعددت المحن والصبر واحد

أوذي في الله تعالى كل الأئمة الأعلام حتى صار من المألوف أن تقرأ في وصف العلماء عبارة "المجاهد المحتسب"، وبات أساسياً في تراجمهم فصل عنوانه: "محنة الإمام".

ولم يكن علماء العصر الحديث استثناء من هذه القاعدة، ولا أعلم عالماً أو داعية أو خطيباً تحققت له صفة التأثير في الجماهير وخلا من التعرض لحملات متفاوتة من التشويه والتشويش, فجرت اتهامات في العقيدة، وأخرى في الولاء والبراء.

والاتهامات بنقص العلم مقبولة، أما الاتهام بالعمالة وخيانة أمانة العلم، أو ممالأة السلطان، والوصول بالاتهام إلى حد التكفير واستحلال الدم فأمر خطير يعتبر طعناً في العلماء، ولحوم العلماء مسمومة كما قال ابن عساكر، كما أنه يصيب العلماء والدعاة باليأس والقنوط.

فما صفا لامرئ عيش يسر به   إلا سيتبع يوماً صفوه كدر

ولم يكن الوالد رحمه الله بمنأى عن هذه الاتهامات. فتعرض لجملة من الانتقادات من شباب الجماعات الإسلامية الذين آمنوا بأفكار محددة مثل الخلافة، ووجوب التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية وكفر الحكام، وكفر المجتمع، ولم يوافقهم على هذه الأفكار فاتهم لديهم بالتخاذل. كما اتهمته بعض التيارات السلفية بالتلبيس على الأمة والتخاذل في إحياء السنن الميتة، والتحجج بالظروف لإسقاط الأحكام الشرعية الثابتة، واتهم من العلمانيين بأنه متطرف يسعى لإقامة حكم ثيوقراطي ديكتاتوري يقوض فيه الحريات، ويقضى على التعددية السياسية. واتهمته جهات الأمن بأنه يحرض الإرهابيين ويتبنى أفكارهم، ويشرف على تمويلهم.

 وكانت هذه الاتهامات على تعددها لا تفت في عضده، ولا تصرفه عن إعلان ما يؤمن به. فلم يكن إرضاء أصحاب هذه التهم هدفًا، ولا كان في الحقيقة ممكناً لتعارضها. غير أن مثل هذه الاتهامات تعوق الحركة وتشوش الفكر وتشتت الانتباه، وكثرة الالتفات إليها تدفع المرء إلى معارك جانبية تستهلك الوقت، في حين كان الأجدى التركيز على الأخطار الحقيقية المحدقة بالأمة وما أكثرها.

وكان رحمه الله إذا تأمل هذه التهم وتنوعها استعاد الاتزان، وازداد يقيناُ بأنه على صواب. وكان يرى أن التعارض في هذه التهم دليل براءة. وكان يرد تهم الجماعات بإبراز تهم رجال الأمن، وتهم العلمانيين بعرض تهم السلفيين. وقد ألف هذه الاتهامات واعتبرها شيئاً من "الأمصال" يتناوله من أجل التطعيم. وكان يرى أنه إذا لم تجد مرارة الدواء في حلقك لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك، وأنه هيهات من الكدور تبغي الصافي.

وقد لقي رحمه الله تعالى عنتاً من بعض الناس فما أثر ذلك على صفاء نفسه، أو صدق إيمانه بقناعاته، وظني أن ذلك لم يترك نكتة سوداء في قلبه تجاه شخص بعينه أو جماعة بذاتها أو بلد بخصوصه. وسيرته على نحو ما سنعرض لها ظلت خالية من أي أثر ولو باهت من مرارة أو تشف. ولا تجد ذلك في أقواله أو أفعاله أو كتاباته. وهذا في حد ذاته درس بليغ في الحلم والأناة وعظيم الثقة بالله.

وخلاصة القول والفعل والاعتقاد عنده، أن من ارتضى لنفسه هذا العمل فليس له أن ينتقي أو يتقي. وأن من دخل عش الدبابير فلا يشتكي اللسع، وإنما الصبر بالتصبر، وإذا قوي عزم المجاهدة لان الأعداء بغير حرب…

        ولولا تكاليف السيادة لم يخب    جبان ولم يحو الفضيلة ثائر 

******

الولاء والبراء أو كارثة التصنيف

جاء في بعض الآثار: أن موسى عليه السلام قال: يا رب كف عني ألسنة الناس، و رضهم عني، زقال: يا موسى هذا شيء لم أختصه لنفسي، فكيف أجعله لك؟!

وقد عانى الوالد الشيخ كثيراً من إصرار كثيرين من الشباب المتحمس على تصنيفه، قبل أن يقرروا أن يستمعوا له أو يقرأوا كتبه. ثم لما عجزوا عن تصنيفه انصرفوا عنه. أما الذين صنفوه، وجاء تصنيفهم على خلاف ما يهوون، فقد خسروا بهذا التصنيف المفتعل، أن يستمعوا إلى صوت أقسم على الإخلاص والاستقلال والتجرد.

إذا رضيت عني كرام عشرتي     فلا زال غضبان علي لئامهــا

والحق أنه لا يوجد من العلماء من هو إخواني صرف أو سلفي بحت أو صوفي نقي، وإنما انتماء العالم المخلص هو في الأصل للكتاب والسنة، ثم ما يتأثر به من واقع معاش، وبيئة مؤثرة، وشخصية غالبة، دون أن يؤثر هذا الاحتكاك على صحة الاعتقاد أو نقاء الفكر.

ويتجاوز البعض فيظن أنه يملك مفاتيح الجنة والنار، فيجرح هذا ويعدل ذاك. وحسبنا أن نظن في علمائنا جميعاً الخير، ونلتمس لهم العذر، ونكل أمر نواياهم إلى الله، فما وافق حالنا من آرائهم تمسكنا به، وما خالف رأينا فقبل أن نتهم رأيهم فلنختبر حالنا. وحاجتنا إلى "توحيد الكلمة" تالية -إن لم  تكن مصاحبة- لحاجتنا إلى "كلمة التوحيد"، وكل يخطئ ويصيب إلا صاحب المقام الشريف محمد صلى الله عليه وسلم.

إن العلماء ليسوا ماركات سيارات يمكن التمييز بينهم في ضوئها، وليسوا زجاجات عطور يتخير الواحد من بينها ما يروقه، وإنما هم بشر من لحم ودم ومشاعر. وإذا صح انتماؤهم لهذا الدين – وهو صحيح بأقل إشارة أو عبارة- فينبغي التوقف عن تصنيفهم، وإنما الاحتماء بهم والالتجاء إليهم وتشجيعهم على لعب دورهم وإلا أصابهم اليأس والإحباط، وبادروا بالانسحاب. وقد قال الشيخ طاهر الجزائري (ت: 1338هـ) وهو على فراش الموت: "عدوا رجالكم، واغفروا لهم بعض زلاتهم، وعضوا عليهم بالنواجذ لتستفيد الأمة منهم، ولا تنفروهم لئلا يزهدوا في خدمتكم".

والأصل في التعامل مع العلماء والحكم عليهم هو ما لخصه الحافظ الذهبي بقوله: "إذا كان الرأس عالي الهمة في الجهاد، احتملت له هنات، وحسابه على الله، أما إذا أمات الجهاد، وظلم العباد، وللخزائن أباد، فإن ربك لبالمرصاد". وما قاله أبو هلال العسكري: "ولا يضع من العالم الذي برع في علمه: زلة، إن كانت على سبيل السهو والإغفال؛ فإنه لم يعر من الخطأ إلا من عصم الله جل ذكره. وقد قالت الحكماء: الفاضل من عدت سقطاته، وليتنا أدركنا بعض صوابهم أو كنا ممن يميز خطأهم". وفي الحديث الشريف: "وإذا بلغ الماء قُلتين لم يحمل الخبث". فتأمل.!!

…..

والمنهج الذي نادى به الوالد ورآه أحق بالإتباع هو جمع "أهل القبلة" تحت راية واحدة، هي راية الإسلام لمواجهة العدو الشرس. فإذا تحقق لنا النصر والتمكين –على ما بيننا من خلاف في الاتجاهات والمشارب – جاز لنا أن نفكر في شأن التفضيل والتمايز بضوابط شرعية واضحة، تؤمن بحق الاختلاف، وتنشر فقه الإعذار والتغافر، وتترك الحكم على العباد لرب العباد.

 

******

محنة الشتات

في القرآن الكريمً: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة" (النساء: 100). وكما كانت الهجرة بنداً أساسياً في حياة الرسل الدعوية كما في قصة إبراهيم عليه السلام ولوطاً ويونس، وشعيب وموسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام. كذلك كان النفي والإبعاد فصلاً رئيساً من فصول جهاد العلماء والمصلحين من أمثال الإمام الغزالي والبخاري وابن حزم والسيوطي وابن تيمية وغيرهم. حتى أنه يندر من العلماء من تجده توفي في المدينة التي ولد ونشأ فيها.

وهناك مجموعة من العلماء الذين شعروا بالاضطهاد في بلادهم، دون أن يتعرضوا لأحكام قضائية أو قرارات إدارية بالاستبعاد، ولكنهم شعروا بأنهم مضيق عليهم وأنهم ممنوعون من ممارسة دورهم الدعوي والجهادي، ففضلوا السفر برغبتهم، تحقيقاً لنصائح الآية بحثاُ عن بلاد وأعمال تكفل لهم حداً أدنى من الترحيب والحماية. وكان شعارهم:

        قوض خيامك عن دار أهنت بـها       وجانب الـذل إن الـذل مجتنـب

وارحل إذا كانت الأوطان مضيعة       فالمندل الرطب  في أوطانه حطب

ويندرج الوالد الشيخ رحمه الله تحت نسبة الذين يلتحقون بسلك العمل الجامعي، ثم يتركونه قبل التقاعد أو الرحيل وهي نسبة تقل عن 1 لكل 200 حالة. وهذا يكاد يكون عرفاً عاماً في كل الدول وكل التخصصات. كم مرة تم فصله من عمله؟ وكم مرة ترك وظيفته؟ وكيف أثر هذا على استقرار أسرته؟

الفصل الأول كان عندما كان طالباً بالمعهد الديني، والثاني عندما كان طالباً بالجامعة وتظاهر غضباً للشيخ الغزالي، والثالث حين كان موظفاً بالقوات المسلحة بعد اعتراضه على حرب اليمن عام 1965، والرابع حين اعترض على عدم تعيينه معيداً بالجامعة حتى تم تعيينه، والخامس بعد حصوله على الدكتوراه عام 1972 حين أصر على طبع كتابه دون رغبة أساتذته، وسافر إلى السعودية جامعة الإمام محمد بن سعود عام 1974، وهناك اختلف مع الشيخ مناع قطان حول طريقة تدريس بعض المناهج، وحين عاد إلى مصر عام 78/79 تولي عمادة كلية الدعوة بالمنوفية ثم القاهرة، ثم تم إبعاده من كلية الدعوة الإسلامية بعد صفقة إما أن تبقى الكلية ويرحل، أو أن تلغي الكلية ويبقى فاختار بقاء الكلية. وعاد إلى السعودية لمدة عامين أستاذاً بالمعهد العالي للدعو الإسلامية بالرياض، وهناك لم يطيقوا نشاطه واتصالاته (طلبة المعهد كانوا من كبار رجال الدولة من مختلف التخصصات) فتم فصله من المعهد بحجة "المصلحة العامة"، ومنع من دخول السعودية حتى للحج والعمرة، ثم عاد إلى مصر رئيساً لقسم الدعوة الإسلامية بكلية أصول الدين (بحكم الأقدمية)، ثم زادت العين عليه بعد اغتيال السادات، شارك في المناظرات مع الجماعات الإسلامية بالسجون، مثل عبد الله السماوي وطه الفرماوي، وسيد فضل،  وقال لمن ناظرهم إن أقنعتموني قلت برأيكم ولو مكثت معكم، وإن أقنعتكم تبتم وعملت على خروجكم معي، فلم يقنعوه ولم يقنعهم، ودخل البرلمان عام 1984 ثم لما تم حل المسجد استقال من حزب الوفد ومن السياسة وترك مصر إلى المدينة المنورة، وهناك لم يهنأ له العيش أكثر من 4 سنوات عاد بعدها إلى القاهرة، وبعد اغتيال الكاتب فرج فودة عام 1992 شعر الوالد الشيخ رحمه الله بأن الخناق يضيق عليه، فاستقال من الجامعة، وبقي شهوراً بغير عمل ولا دخل، ثم سافر إلى أبها – في منفى اختياري- بعيداً عن أضواء الرياض ومكة والمدينة. لكن مكثه بها لم يطل أكثر من عامين بناء على توصية من السيد زكي بدر الذي كان يعمل مستشاراً أمنياً لوزير الداخلية السعودي.

وعام 1994 سافر إلى اليمن للمشاركة في تأسيس ووضع مناهج جامعة الإيمان بصنعاء، لكنه وجد أن التيار المتشدد كان غالباً بما خشي معه أن يتورط مع شباب كان يبحث عن رموز دينية نظيفة، فقطع زيارته لليمن وعاد إلى مصر بعد شهور.

وفي مصر تواصل التضييق، ورفضت كل طلباته بعقد محاضرات أو دروس عامة، وطلب العودة إلى الجامعة فلاقى طلبه هروباً ثم صدوداً وإعراضاً، رغم أن كل زملائه ممن فصلوا أو قدموا استقالاتهم تم الترحيب بعودتهم في عهد الدكتور أحمد عمر هاشم، وكانت كل النصائح له، أن يغادر مصر فهذا أفضل للجميع. السعودية أصبحت باباً مغلقاً، وفتنة اليمن كبيرة، وتوصية السيد كامل الشريف أمين اللجنة العليا للدعوة والإغاثة بالعمل معهم تعثر لأسباب مجهولة –أعلم أنها أمنية-، واعتذرت قطر عن التعاقد معه قبل أيام من توقيع العقد لأسباب لا يمكن تصديقها، وكان التعاقد مع جامعة العين بالإمارات هو طوق النجاة الذي ألقي إليه في اللحظات الأخيرة. وهناك بقي لمدة أقل من عامين قبل أن يعود إلى القاهرة ليلقى ربه في رمضان 1418، يناير 1998 بعد أن تضاعف درجة إصابته بورم في الكبد، بحيث لم تكن تجدي معه حتى زراعة كبد جديد.

 

******

Advertisements