هكذا علمني أبي

هذا بعض ما علمني إياه أبي، أسطره كصفات شخصية له، ورقائق أرشدني إليها، ومواقف شخصية حدثت معه… وهي دروس حياتية رائعة، لا أجد في مثلها في الكتب المترجمة عن التنمية البشرية، وأتمنى أن يستوعبها أبنائي وأصدقائي وإخواتي، يمكنكم اعتبراها من عناصر النجاح أو من شروطه، ويمكنكم اعتبارها خلاصة حكمة وخبرة وفراسة.

 

تنظيم الوقت والمحافظة عليه

لكم سألت نفسي عن سر بركة هذا الوقت الذي أتاح لأبي التنوع في محاور المشاركة الفعالة، دون أن يحيف تميزه في حقل على تميزه في سائر الحقول الأخرى، بل ودون أن يؤثر هذا سلباً على علاقته بأسرته وأهله وجيرانه، ودون أن يصرفه عن واجبات اجتماعية ضرورية من عيادة مرضى وتهان وتعاز. ووجدته في ثلاثة أمور: تنظيم الوقت، والإخلاص وعلو الهمة.

كان ابن سكينة – من حرصه على وقته – يقول لتلامذته إذا دخلوا عليه: لا تزيدوا على "سلام عليكم"، مسألة، وذلك لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام. وكان الحافظ الخطيب يمشي وفي يديه جزء ليطالعه.

أما التوفيق الأكبر فهو ببركة الإخلاص وعلو الهمة، ومن لم يقم في طلاب المجد لم ينم في ظلال الشرف، أو كما كان يردد رحمه الله: "إن الكسل رسول الحرمان وإدمان الراحة يورث التعب". وهذا صحيح. و صحيح أيضاُ أن توفيق الله غالب وسنده قائم،  وإلا:

فما كل من أوى إلى العز ناله        ودون العلى ضرب يدمي النواصيا

******

إخوانك روحك، فحافظ عليها

قال المأمون: "الناس ثلاثة: رجل منهم مثل الغذاء لا بد منه، ومنهم كالدواء يحتج إليه في حال المرض، ومنهم كالداء مكروه على كل حال". وظني أنه كان لأهله كالغذاء يحتاجون إلى مشورته ونصائحه وتوجيهاته طوال الوقت، وكان لأصدقائه وجيرانه والمستفتين – حتى ممن لا يعرفهم- كالدواء يخفف الألم، ويرطب الجروح. ولم يكن كالداء إلا على أعدائه وأعداء الدين. وكان رحمه الله قريباً من إخوانه حريصاً على ودهم والإحسان إليهم وقضاء حوائجهم، بغض النظر عن سلوكهم معه في حال شدته. والأمر غالباً على نحو ما قال الشاعر:

ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها      وكيف ما انقلبت يوماً به انقلبوا

يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت        يوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا

كان رحمه الله لا يعادي أحداً، فالمرء لن يعدم مكر حليم، أو مفاجأة لئيم. وكان يطبق نصيحة الإمام الشافعي أن يكون بين المنقبض والمنبسط، فالانقباض من الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء.

ونقل إليه أحد الموظفين في الكلية مقالة سيئة عنه قال إن أحد زملائه ذكرها في حقه، فما زاد على أن قال: "الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب علي، ونزهني عن قول الحق فيه".

وهو من علمني وحفظني قول الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: "ثلاثة لا يزيد الله المرء بها إلا عزاً: الصفح عمن ظلمه، والإعطاء لمن حرمه، والصلة لمن قطعه".

و هو من علمني وحفظني درس عمري وهو للإمام جعفر أيضاً عن وصف المؤمن بأنه: "من إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، وإذا ارتضى لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر لم يأخذ أكثر مما له."

******

الجود سر الوجود

كان رحمه الله تعالى ينفق وكأنه مالك الأرض والسماء. لم يرد يد سائل حتى لو كان يعلم أنه أفاق أو غير محتاج. وقصصه هنا كثيرة جداً وتشعرني بالخجل الشديد، من ذكرها من ناحية، ومن عجزي عن أن أكون مثله من ناحية أخرى. لقد شاهدته مرة يدخل مبنى جامعة الأزهر بعد أعوام من استقالته وبيده حقيبة فسارع أكثر من خمسة من العمال وثلاثة من الحرس الجامعي لتقبيل يده وحمل الحقيبة عنه، وكان يصعد إلى السلم بجواره أحد وزراء الأوقاف السابقين ممن كان أستاذا بالجامعة، فوالله ما انتبه له أحد ولا خف لاستقباله واحد. مال علي وقال: "طعمة الفم". وكان علي أن أستنتج الباقي. وضجت والدتي – ثم تعودت – من الرجال الذين كان يعود بهم ظهراً لتناول الغذاء، ولا أدري من أين كان يأتي بهم، ولا ما الذي كان يضعهم في طريقه.. قال لي: "رزقهم على الله، ودعاؤهم لي". ولكم قابلت بعد وفاته أساتذة كباراً كانوا لا ينسون أنه كان يتكفل بمصاريف دراستهم، حتى أن طلبة كلية الدعوة – كلهم – في عهد عمادته كانوا يتلقون راتباً شهرياً من أهل الخير يقترب من راتب أساتذتهم. لم يدخل مسجداً وخرج دون أن يضع شيئاً في الصندوق. وفي أواخر الثمانينات جاءني رجل وقال لي إن اسمه محمد المهدي، وإنه كان مسيحياً وأسلم، وأنه يعاني من التهاب الكبد الوبائي وأنه يحتاج إلى مساعدة. وكان أبي يعالج من نفس المرض بعلاج مرتفع الثمن اسمه الانترفيون، وكان ثمن الحقنة أكثر من مائة جنيه، وكان يأخذ حقنة يوماً ويرتاح يوماً. فعمل على توفير الحقن كل يوم، هو يوم: ومحمد المهدي يوم… ثم اختفى الرجل فجأة.  

وطرق على الباب يوم رجل بسيط قال إنه زميل قديم لوالدي، وإنه يبحث عن 50 جنيه لإصدار جواز سفر وإلا ضاعت منه الفرصة. فأرسل معه الوالد رجلاً وأوصى أحد أصدقائه بالتكفل بكل نفقاته حتى سافر.

وطلب منه أحد عمال مكتبه مساعدة في زواج ابنته، فكتب له ورقة طلب منه أن يدفعها إلى في المنزل، وكان يستعد للسفر ولن يعود إلى المنزل، وفيها أن أصرف للرجل 1000 جنيه، فلما جاءني الرجل بالورقة، شككت في الأمر فاتصلت به أستفسر عن المبلغ، فقال: 100 جنيه، ثم سأل: مكتوب عندك كام؟، قلت: 1000 جنيه، قال: أعطه ألفاً، لا أرجع في شيء كتبته. قلت: الألف كثير، فما زاد على أن قال: أعطه المكتوب أمامك في الورقة، فهو أعلم باحتياجه، وإياك أن يعلم أنك اتصلت بي.

قلت لأبي أحاول أن أكون مثلك فأعجز، لا من ضيق ذات اليد وإنما من نقص اليقين، فقال لي: اجتهد ولا تعجز، وفي النهاية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم  قص علي وهو يبتسم قصة حاتم الطائي وأخيه، وخلاصتها: أنه لما توفي حاتم الطائي أراد أخوه أن يتشبه به فنهته أمه عن ذلك،  وقالت له لا تتعبن نفسك في ذلك يا بني. فقال: ولم لا أليس أخي من أمي وأبي؟ فقالت: بلى ولكنه منذ ولادته كان يأبى الرضاعة إلا أن يشاركه فيها أحد. أما أنت كنت إذا أرضعتك ودخل صبي بكيت إلى أن يخرج.

 

******


ورع العلماء عزيز

المال يذهب حله وحـرامـــه          يوماً وتبقـى في غــد آثـــامه

ليس التـقـي  بـمتـق لإلـهه          حتى يطيـب  طعامـه و شرابــه

ويطيب ما يحوي وتكسب كفــه       ويكون في  حسن الحديث  كلامــه

وورع العلماء عزيز، حتى أن بشر الحافي قال: " ما أعرف عالماً إلا وقد أكل بدينه إلا وهيب بن الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسلم الخواص".

في بداية الثمانينات وكان عميداً لكلية الدعوة الإسلامية، تلقى دعوة شخصية من وزارة الأوقاف زيارة في دولة الإمارات العربية لإلقاء بعض المحاضرات الدينية، والتسجيلات الإذاعية.. وكان يسوؤها العلاقات المقطوعة بين مصر والدول العربية، فرتب عن طريق صديقه الشيخ على الهاشمي المستشار الديني للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان زيارة للشيخ. قال له الشيخ الهاشمي: قابل سمو الشيخ، وأنت وشطارتك. وكان لقاء موفقاً، وحمله الشيخ زايد رسالة للمسئولين في مصر بخصوص ترحيب الإمارات بتجميد القطيعة. و كعادة الملوك والأمراء أهداه في نهاية اللقاء ساعة فخمة، ومبلغاً مالياً وخطاب تقدير. وفور عودته إلى مصر، قابل رئيس الجامعة الشيخ الطيب النجار، ودفع إليه بالهدايا جميعها، وفوضه في اتخاذ اللازم.

وكان حريصاً جداً في قبول هدايا طلبته. جاءه قفص بلح، فنزل به إلى المسجد ووزعه فيه بحضور صاحب الهدية. وكان لا يقبل أبداً الهدايا الشخصية الثمينة ومنها هدية الدكتور محمد علوي المالكي بعد مناقشة الدكتوراه وكان مشرفاً عليه، ولم يقبل منه إلا زجاجة من ماء زمزم، وبعد سنوات من مناقشة الشيخ الدكتور صالح الصواف العالم العماني الكبير قبل منه هدية عبارة عن طبق كبير من الحلوى العمانية الشهيرة.

******

Advertisements