الوسوم

سهل أن تقول إن في برنامج word عيوباً. صعب أن تقدم للناس برنامج word جديداً خالياً من العيوب. وأوجه الصعوبة متعددة. فأنت تحتاج إلى وقت كبير للتصميم والبرمجة والاختبار، كما تحتاج إلى عدد كبير من العاملين ما يعني تكلفة ضخمة. على أن أصعب شيء هو أن تعلن للناس برنامجك الجديد وأن تقنعهم بالتحول إليه. سيكون أكبر المقاومين للتغيير هم أكثر المتضررين من بقاء الوضع الراهن (مستخدمي برنامج word). وهذا صحيح في السياسة وفي الاقتصاد وفي الإدارة وفي التكنولوجيا وفي كرة القدم.

لكننا آثرنا أن نمضي الطريق إلى نهايته… ليس فقط أن نقدم دراسة نقدية للنماذج المستخدمة في قياس الأداء، ولكن أن نقدم نموذجاً بديلاً. كان المهندس محمد غازي بصفته خبيراً ومدققاً معتمداً في النظام الأوروبي للتميز EFQM يرى أن هناك خللاً ما في هذه النماذج وأنه من الممكن ببعض الاجتهاد تلافي هذه العيوب.

ملاحظات حول نماذج قياس الأداء الحالية؟

وبدأنا من عدة قناعات كان علينا أن نحسن طرحها والدفاع عنها أمام المشرف حتى نحظى بموافقته. خاصة أنه بهذه الموافقة يسير هو أيضاً ضد التيار السائد. وكان خلاصة ما قدمناه يدور حول المعاني التالية:

       إن نماذج قياس الأداء العالمية قادرة على إعطاء صورة عن أداء الشركات أو المؤسسات في ضوء قياسات سابقة… وبالتالي فهي إن نجحت في تفسير الأسباب التي آل إليها حال الشركات محل الدراسة الآن… فهي عاجزة عن أن تعطي تصوراً ذا مصداقية عن أدائها في المستقبل. وكان معنى أن تكتفي المؤسسات بالاكتفاء بقراءة تقارير الحالة عن الفترة السابقة أن تقود السيارة على الطريق وأنت تنظر طوال الوقت في مرآة السيارة لتراقب ما قد حدث بالفعل.

       تهمل معظم هذه النماذج في تصميمها العديد من العناصر التي أصبحت جوهرية في الإدارة الحديثة…وإن كانت تشير إليها بشكل عابر لكنها لا توليها العناية الكافية مثل: إدارة الإبداع، وإدارة المعرفة، وقياس القدرة على الاتصال، وأثر الثقافة المؤسسية على الأداء، والقدرة على التنبؤ والاستجابة للمتغيرات الخارجية.. أو بعبارة أخرى فإن هذه النماذج تقيس المؤسسات باعتبارها "بنايات" وتقيمها بحسب ارتفاعها وعوامل الأمان والرفاهية ومستوى التشطيب، وليس باعتبارها "سيارات" يجب أن تقيم بمعدل سرعتها وقدرتها على المناورة وقدرتها على الاستمرار لمسافات طويلة ومعدل استهلاك الوقود,, الخ. 

       إن هذه النماذج تعجز عن تفسير بعض النتائج … فهناك مؤسسات تحصل على درجات عالية وفق هذه النماذج لكن أداءها في البورصة وانطباع الجمهور عنها متواضع. وفي المقابل فإن شركات أخرى (مثل جوجل مثلاً) ربما تفشل في الحصول على درجة النجاح وفق هذه المعايير ومع ذلك فأداؤها ممتاز، وانطباع الناس عنها في القمة (ارتفع سهمها من مائة دولار إلى سبعمائة دولار في ثلاث سنوات).

       إن تسارع خطوة التغيير “pace of change” بسبب العولمة والتقنية الحديثة والمنافسة الشرسة وعوائد الابتكار والإبداع (انضم مخترع موقع face book إلى قائمة المليارديرات برصيد 1.5 مليار دولار وعمره 23 سنة).. هذا التسارع جعل هذه النماذج عاجزة عن إدراك "البعد الزمني" للمتغيرات، وهو ما يفسر أن 93% من المديرين التنفيذيين لأكبر الشركات العالمية التي تربح المليارات سنوياً لا يعلمون على وجه اليقين ما هو الوضع الذي ستكون عليه مؤسساتهم خلال 3 سنوات، ولا يعلمون إن كانت شركاتهم التي تحقق ملايين الدولارات من الأرباح اليوم، هل يمكنها أن تستمر في تحقيق الأرباح في السنوات التالية أم لا؟ وتعكس هذه النسبة الكبيرة من حجم اللاتحديدية "uncertainty التي يعمل في ظلها المديرون حجم المخاطرة والضغوط التي يتعرضون لها، كما تعكس أيضاً عجز هذه النماذج الإدارية المتقدمة أن تقدم مساعدة ذات قيمة في هذا المجال رغم الملايين التي تدفع للاستشاريين والخبراء.

       للناس آراء في قياس الأداء تختلف باختلاف مواقعهم الإدارية. فالمهندس مدير الإنتاج في المصنع يعتبر أداؤه في القمة.. لأنه يراعي متطلبات الإنتاج من عناصر الجودة والتكلفة وصيانة معدات الإنتاج وترتيب ورديات العمل… لكن صاحب المصنع يراه فاشلاً لأن منتجه لا يبيع بالقدر الذي يغطي تكاليفه.. وهي مشكلة تقليدية تعجز عن حلها نماذج التميز الحالية في قياس الأداء.

       ويرتبط بذلك.. أنه وإن كان "التميز" هو الدرجة الأعلى في سلم الجودة، وإذا كانت نماذج التميز العالمية  تساعد مستخدميها وبدرجة كبيرة في أن يكونوا أفضل "فيما يقدمونه"…. وفي ضوء تسارع خطوة التغيير وشراسة المنافسة فإن الشركات الكبرى في حاجة لأن يكونوا أفضل ليس فقط "فيما يقدمونه"، و إنما أيضاً "فيما يمكن أن يقدموه".

مواصفات النموذج المقترح؟

قدمنا هذه القائمة من الملاحظات للبروفيسور تيرنر تريفور عندما التقيناه على هامش مؤتمر الهندسة المدنية في نوفمبر 2006، وعندها فقط أحس بجديتنا… وأننا نتحدث لغة مختلفة عما اعتاد سماعه وإلقاءه في المحاضرات… والرجل الذي أشرف على عشرات الرسائل وقاد فريق بحث عالمي عمل لعدة سنوات في مقارنة منهجيات مماثلة في مجال الصناعة… بدا أكثر قبولاً لمنطقنا بعد أقل من عشر دقائق من العرض.. وكنا مستعدين لإجابة سؤاله التالي.. ما هي مواصفات النموذج الذي تودون طرحه؟

وكانت إجابتنا معدة سلفاً… نحن نسعى لابتكار نموذج يحقق المواصفات التالية:

       بساعد على قياس الأداء للتعبير عن قدرة الشركات في المستقبل لا أدائها في الماضي.

       يتعامل مع المؤسسات باعتبارها كائنات حية تجاهد للبقاء وتسعى للنمو التكاثر… تعيش في عالم ديناميكي من التنافس والموارد المحددة، وليس باعتبارها مبان كلاسيكية تعنى بالصيانة والتوسع الأفقي المحدود.

         يستلهم معايير النجاح والتميز الحقيقية من التجارب العملية للمؤسسات الناجحة وليس من الافتراضات النظرية لعلماء مكتبيين.

       تساعد المديرين في التغلب على أعظم ما يؤرقهم وهو "غموض المستقبل"، وترفع من قدرتهم على التنبؤ والاستجابة... وهو تطبيق عملي لمقولة ظهرت على استحياء في نهاية التسعينات ثم لم تلق قبولاً واسعاً للتمييز بين شركات: "اصنع وبع make and sell" التقليدية وشركات "تحسس واستجب sense and respond" المعاصرة.

 وكان خلاصة هذا الكلام… أن عناصر التميز المعاصرة لا تكمن في "وصفة جاهزة" تقدم للشركات للعمل في ضوئها، فتضمن بذلك تحقيق النجاح.. وإنما في القدرة على ألا تعمل وفق وصفة جاهزة… فما كان سبباً للنجاح في الماضي قد لا يكون مناسباً للمستقبل، بل إن معظم التجارب المعاصرة تقول: إن أقصر طريق إلى الفشل في المستقبل هو أن تفعل ما قاد إلى نجاحك في الماضي.. فالناس اختلفت والظروف اختلفت والقيم اختلفت وعناصر الإنتاج اختلفت… أو بعبارة أكثر قسوة، ولكنها أصح تعبيراً عن هذا العصر الذي نعيشه..: "إن أكبر عوائق نجاحك وتميزك… هو خبرتك السابقة"… وكان هذا في ظننا مناسباً جداً لطرح فكرتنا عن أن الخطوة القادمة في طريق النجاح… لم تعد هي "الجودة:quality " كما كان الحال عليه طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، ولا هي "التميز: excellence" كما هو الحال عليه من عشرين سنة وحتى الآن.. وإنما نحن نطرح كلمة المستقبل وهي: "التكيف:.adaptation". وعليه فإن مقاييس إدارة الأداء التى ندعو إليها هي مقاييس لقياس "القدرة على التكيف: adaptation capacity".

 

مفاجأة غير متوقعة

ظننا أننا بهذا الطرح المركز قد أجهزنا على الرجل.. وقطعنا عليه بجدتنا وجودتنا وجديتنا كل فرصة للتراجع عن الإشراف على الرسالة… ولكن الرجل المخضرم عاجلنا بسؤالين لم نكن مستعدين لهما تمام الاستعداد… سألنا – وهو يخفي بالكاد ابتسامة ونظرة إعجاب -: هل فكرتم في مراجع البحث؟ وهل اتفقتم على طريقة ستقومون بتنفيذها للوصول إلى نموذجكم المفترض؟

أصارحكم القول: لم نكن مستعدين تماماً للإجابة… ولكن الله فتح علينا بجواب… جعل الرجل يقول: أعطوني الأوراق لأوقعها… قبلت الإشراف على رسالتكم… وأرجو لكم التوفيق.

نستكمل في إدراج لاحق.  

 

Advertisements