الوسوم

 

لما شعر إمبراطور الصين الحكيم أن أجله قد دنا، وأنه ليس من بين أسرته من يصلح أن يتبوأ هذه المكانة، قرر أن يجمع شباب المملكة الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين، وأن يجري بينهم اختباراً يختار من خلاله الإمبراطور القادم

تجمع مئات الشباب وخطب فيهم الإمبراطور خطبة قصيرة، وأعطى كل واحد منهم نبتة صغيرة، وطلب منهم أن يتعهدوها بالعناية والرعاية ثم يلقاهم العام القادم في نفس المكان لينظر نتائج كل منهم، وعلى ضوئها يختار الإمبراطور الجديد.

تلقى كل منهم نبتته وسارع بوضعها في إناء أنيق وأحضر لها التربة المناسبة، وبدأ في عنايتها بالأسمدة والماء ووسائل التهوية، وأخذ الشباب يتناقلون فيما بينهم تطور نبتاتهم، وجمالها وتنوع أغصانها ونضج ثمارها.

كان من بين من غرسوا نبتاتهم فتى صغير اسمه "لينج"، ساعدته أمه في زراعة النبتة وفي رعايتها، ولكن الأيام والأسابيع مرت دون أن تنمو النبتة أو تكبر وكأنها قطعة حصى. أصيب الفتى بالإحباط وهو يسمع ويرى زملاءه كل منهم يتباهى بشجرته. قالت له أمه: إنها مجرد مسابقة، عليك أن تقوم بما هو مطلوب منك، وأن تقبل ما قدره الله لك. وبالفعل استمر الفتى في سقاية نبتته كل يوم، ولكن بلا أمل.

حين حان الموعد المضروب اجتمع الشباب في الساحة كل منهم فخور بنتائج عمله، وكان الإمبراطور سعيداً بما يراه، وقد مر عليهم واحداً واحداًً وهنأهم بجدهم واجتهادهم ونتائجهم الباهرة. ومع ذلك فقد كان يبدو أن الإمبراطور يبحث عن شيء ما لم يجده بعد، عندما أبصر الفتي "لينج" وهو يتوارى خجلاً خلف أحد المتسابقين، حاملاً إناء الزرع وليس به سوى القليل من الطين. استدعاه الإمبراطور وسأله عن اسمه وعن نبتته، فتقدم يتعثر في مشيته ورفع الإناء بتردد وهو يقول: اسمي لينج يا مولاي، و لقد فعلت كل ما في وسعي مع النبتة لكنها لم تنم.

كانت الهمسات والضحكات تتصاعد من الجمهور، عندما طالبهم الإمبراطور بالهدوء، واصطحب الفتى إلى منصة التتويج، ثم قال للجموع الحاشدة: "أيها الشباب… يسعدني أن أعرفكم على إمبراطوركم الجديد… السيد لينج." وقبل أن يفيقوا من الصدمة شرح مبررات اختياره قائلاً: "لقد أعطيت كلاً منكم نبتة تالفة، لا تصلح للنمو، ولأن الطمع أعماكم فقد استبدلتم النبتة التي استلمتموها بنبتة أخرى مزيفة، كيف يمكن أن نأمن الغشاشين على مصير أمة. الوحيد الذي التزم بالأخلاق، حتى دون أن يحصل على نتيجة هو الفتى لينج، لذلك اخترته ليتولى المسئولية".     

 

عاد الفتى سعيداً إلى أمه، وبشرها بالنتيجة وهو يتطاير فرحاً

احتضنته أمه – دون أن تبدو عليها آثار المفاجأة وقالت له: يا بني!

من يزرع الغش والخداع يحصد الخيبة والفضيحة

ومن يزرع الصدق والإخلاص يحصد النجاح والتقدير.

 

Advertisements