الوسوم

في لقائنا معه على طاولة جانبية خارج قاعة الندوات في مؤتمر الهندسة المدنية الذي عقدته مدينة المعرفة في دبي في نوفمبر 2006، عبر البروفيسور تريفور تيرنر كل الحواجز والمقدمات وسألنا – محمد غازي وأنا – من الآخر: هل فكرتم في مراجع البحث؟ وهل اتفقتم على طريقة ستقومون بتنفيذها للوصول إلى نموذجكم المفترض؟

كان السؤال الأول عن الأساس النظري للبحث أو الجهود السابقة في هذا المجال، أو ما يسمى بالإنجليزية: literature review  هو أكثر الأسئلة التي كنا نود الهرب منها.. فأنت لو بحثت على شبكة الإنترنت التي تحتوي أكثر من 8 مليارات صفحة، تزيد يومياً بمئات الآلاف عن "adaptation capacity”  أو adaptation management فلن تجد إلا عدداً محدودا جدا من الصفحات …. وكلها تقودك في اتجاه آخر تماماً، فالتكيف في هذه المراجع – هو تكيف مع البيئة والتغيرات المناخية والظروف البيولوجية، والمتكيفون كائنات حية: حيوانات أو نباتات.

في سياق آخ خجول… أشارت بعض شركات الحاسب الآلي الكبرى إلى ما يسمى: adaptive organization  المؤسسات المتكيفة، أو agile organization المؤسسات الرشيقة، وتحدث آخرون عن On demand أو بالطلب، يقصدون أنه يجب أن تكون المؤسسات رشيقة جداً، حتى تتاح لها حرية الحركة والمناورة، فعلى مستوى الأعمال تركز فقط على الأعمال الجوهرية، وتقوم بتوزيع بقية المهام على شركات أخرى متخصصة outsourcing بل إنه حتى على مستوى الأجهزة والبرمجيات، فليس عليها أن تضع استثمارات ضخمة في هذا المجال، وإنما يكون إنفاقها بقدر الطلب on demand كما يطلب الزبون فنجان قهوة ويدفع ثمنه فقطه، دون أن يكون مضطراً لشراء المقهى بأكمله. وهي أفكار جيدة وداعمة لفكرتنا الأساسية، لكنها واردة في سياقات دعائية تسويقية أكثر منها معبرة عن قاعدة علمية معتبرة,

/////

وكنا نعرف هذا النقص النظري في المراجع المباشرة، بل إن هذا النقص هو الذي حفزنا ليكون لنا جهد في هذا المجال… لكنك لن تقول لأستاذك الذي تلقاه أول مرة، إنني سآتي بما لم يأت به الأوائل، ففضلاً عن أن أحدا "يتعلم" لا يصح أن يفعل ذلك، لأن كل واحد يقف على أكتاف من سبقوه (حتى لينقدهم)، فإن البروفيسور تيرنر كان متخصصاً في مجال النماذج الإدارية للمؤسسات الصناعية، وإذا كنا سعداء بعدة كتب قرأناها، وعدة أبحاث اطلعنا عليها، فالرجل قرأ أكثر من ألف كتاب في هذا المجال، وأشرف على عشرات الأبحاث، وأصدر عدة كتب…  وقبل كل شيء فإن البحث العلمي مبني على فضيلة التواضع، والبحث حتى الرمق الأخير، وقد كان البروفيسور تيرنر بارعاً في كليهما، فهو يدعنا نتحدث كأننا العلماء الجهابذة وهو التلميذ المجتهد، فإذا انتهينا قال لنا بهدوء وثقة: تابع هذا الموضوع في كتاب كذا، أو اقرأ نقداً له في البحث الفلاني. لنكتشف في النهاية أن العلم بحر لا ساحل له، وأن من يدعي أنه قد علم فقد جهل، وكان أحد علماء الحديث المبرزين وهو على سرير المرض يسأل عن القلم والورقة ليكتب حديثاً تذكره، فقالوا له: اهتم بشأنك، فقال: هذا شأني إن أذهب الله ما بي عدت ولم أفقد هذا الحديث، وإن اختارني إلى جواره، فلعل ما كتبته يشفع لي، وكان آخر يقول وهو على فراش الموت: "أشتهي إلى بيت خال (أتمكن فيه من الاطلاع والمدارسة دون إزعاج، وإلى إسناد عال (أي حديث متصل بسند قصير إلى سول الله صلى الله عليه وسلم).

تلجلجنا قليلاً في الإجابة على سؤال المراجع، ثم فتح الله علي بشيء، اختبرته في عينيه أولاً فلما وجدت قبولاً..أسهبت في الجواب، قلت له مبتسماً إن مرجعنا الأول سيكون كتاب "العلوم للصف الثاني الإبتدائي"، وكنت بتقدير العزيز الحكيم أذاكر لابني في الليلية السابقة (أو تحديداً يذاكر علي) فصلاً مطولاً ممتعاً عن قدرة الحيوانات والنباتات على التكيف مع الظروف البيئية والمناخية (لأول مرة شعرت بأننا ظلمنا في دراستنا للعلوم بحرماننا من مثل هذه الأبواب خوفاً من ربطها بنظرية التطور لدارون، مع أنها يمكن أن تدرس في سياق بارع عن عظمة الخالق سبحانه وتعالى، كما شعرت لأول مرة أن المبالغ الطائلة التي أدفعها على تعليم ابني لم تضع عبثاُ. وقد بلغت مصاريف السنة الأولى الابتدائية وحدها أكثر من 5 أضعاف إجمالي ما صرفه علي أبي منذ دخلت الروضة حتى تخرجت من الجامعة بما فيها الدروس الخصوصية ومصاريف الكمبيوتر الذي اشتراه لي من أجل مشروع التخرج…!! ولكن هذا موضوع آخر ذو شجون عريضة).

 كانت المعلومات حينها حاضرة في ذهني بفضل الله، حدثته (ولا أدري كيف خرجت من فمي المصطلحات وأسماء الحيوانات بالإنجليزية) كيف أن فكرة التكيف هي الفكرة الأساسية في عالم الحيوان والنبات، فالسمك له لغد (لحم تحت الحنك) ليستطيع الاحتفاظ ببعض الأكسجين تحت الماء، وكلب البحر له فرو سميك ليحتفظ بالحرارة في الماء البارد، وشكل أسنان الحصان لا تسمح له بأكل اللحوم، بينما يسمح نابا النمر والدب لهما بذلك. قلت له: نحن في بيئة صحراوية ومع ذلك فالنباتات والحيوانات تتكيف رغم ندرة المياه، تختبيء السحالي طوال النهار في ظل الصخر، وتخرج ليلاً للبحث عن طعامها، وقلت له إنه حتى البلاد غزيرة المطر تحتاج أن تتكيف هي أيضاً، فالمطر الغزير يجعل الأشجار عالية وكثيفة، مما يحجب ضوء الشمس عن الحشائش والحيوانات التي تعيش على الأرض، ولكن الله أمدها بمقومات التكيف، فالضفدعة الخضراء لديها أرجل بها ما يشبه الغراء يساعدها على التسلق، والقرود تعيش في أعالي الأشجار وتتحرك عن طريق ذيلها لتكون لأيديها حرية الحركة في التقاط الثمار..وشكل منقار القوارض يختلف عن شكل منقار آكلات الأعشاب.. وهكذا (شكراً لبرنامجي عالم الحيوان والعلم والإيمان).

نظرت في عيني البروفيسور وأنا أقول: إن المؤسسات المعاصرة هي أشبه ما يكون بهذه الكائنات الحية التي تعيش في عوالم متداخلة، ولكل كائن حي طريقته المناسبة في البقاء حياً في صراع شرس يتنافس فيه الجميع على موارد محدودة … للدودة حق في الحياة لا يقل عن حق الأسد، وللنملة وسائل للتنمية الاقتصادية ربما كانت أكثر فاعلية من وسائل الفيل، وكانت هذه المقاربة مهمة لأن الذي استقر في أذهان كثيرين من رجال الأعمال والسياسة أن الكبير سيظل كبيراً، وأن الصغير لا أمل له.. بينما كانت فكرتنا: لا توجد وصفة واحدة للنجاح، ولا يوجد حكم مسبق بالفشل. النجاح مرتبط بقدرتك على التكيف أياً كان حجمك ووضعك، والفشل رهين إحساسك بالتفوق المغرور و بالعجز الكامل. ولولا أن السياق لا يسمح لقلت له إنه لا فضل لدولة كبرى على دولة صغرى إلا بالاجتهاد والعمل.

قال – محاولاً تلخيص ما قلته-: إذن فكرتكم هي المقارنة analogy  بين سلوك الكائنات الحية وبين سلوك المؤسسات، انطلاقاً من فكرة أن كل كائن حي عليه أن يلعب الدور المؤهل له، ولو حاول أن يلعب دوراً غيره فسيفشل… هل هذا ما تقصدونه؟

قال محمد غازي: بالضبط يا سيدي…إن الشركات الربحية يجب أن تربح … لكن طريقة تحقيق الأرباح في شركات المقاولات – حيث بدأت عملي – تختلف عنها في شركات البرمجيات – تخصص وائل- .. وكل الشركات تسعى للحصول على أيدي عاملة مدربة، ولكن أسلوب المصانع في الاحتفاظ بموظفيها وجلب موظفين جدد يختلف تماماً عن أسلوب محال البيع بالتجزئة… وكل الشركات تطور خدماتها، وترضي عملاءها.. وتحسن كفاءتها… ولكن بطرق مختلفة.. وهذا هو ما نقصده بالتكيف..

سألنا ليتأكد من حسن استيعابنا وإيماننا بالفكرة.. ما الذي تقصدونه تحديداً بالتكيف؟

وأجبته وقد تقمصت ثوب الأكاديمي: ربما كان وصولنا إلى تعريف معتبر إلى التكيف هو غاية ما يرمي إليه بحثنا.. ولكننا نبدأ من تصور مبدئي يعتبر التكيف هو مجموعة المهارات والقدرات والخبرات الواجب توفرها في المؤسسات (على اختلاف أنواعها) من أجل البقاء والنمو… وبدلاً من العناصر التقليدية التي تتحدث عنها نماذج التميز والتنافسية وقياس الأداء المعاصرة مثل الملاءة المالية والموقع الجغرافي، والعمليات المحكمة والآلات الحديثة… فربما كان هناك مجال لنبحث في عناصر أخرى من أجل تحقيق تميز حقيقي مثل: القدرة على التنبوء، والقدرة على سرعة الاستجابة، والقدرة على الاتصال، والقدرة على الإبداع، والقدرة على التعلم والقدرة على توحيد الجهود،.. وبدلاً من أن نكتفي بمؤشرات كابلان ونورتون الأربعة (المالية – العملاء- العمليات – الموارد البشرية والنمو)… ربما كنا في حاجة إلى قياسات متخصصة تركز على نتائج التكيف كما نراها في الحيوانات (وكان في ذهني الغزال كأفضل مثال من أمثلة الرشاقة agility) مثل: قياسات متخصصة في السرعة (مثلا: السرعة في تعيين موظف، السرعة في فتح سوق جديدة، السرعة في طرح منتج جديد، السرعة في الرد على شكوى عميل… الخ)، وقياسات في السهولة، وقياسات في الحجم أو المدى، وقياسات في التكلفة أو الجهد، وقياسات في الدقة أو الجودة… ليست لدينا الآن صرة واضحة عما نود أن نصل إليه، ولكن لدينا فكرة جيدة عن موضوع البحث وأبعاده..

قال البروفيسور – محاولاً استخراج أقصى ما لدينا-: ولكن ألا تظنون أن الربط بين إدارة المؤسسات وهي كيانات حديثة متشابكة، وبين الحيوانات وهي كائنات فردية… فيه قدر من الافتعال.. الذي ربما انتهى بكم إلى لا شيء؟

كان السؤال مباغتاً… ولم أكن أتصور أن المهندس محمد غازي لديه إجابة حاضرة بهذه القوة، وهذا الوضوح..

…..

نستكمل في إدراج لاحق..     

Advertisements