كان رأي كثيرين من الذين تحلقوا تحت النخلة أن الرطبة المتعفنة سوف تسقط وحدها.

النخلة الوحيدة في قرية "كوم النخلة" كانت تساقط بعض البلح في السنوات الماضية، لكنها منذ أكثر عقدين توقفت تماماً عن العطاء. لا زال الناس يذكرون خالد الذي تسلق النخلة منذ سنوات ليقوم بتنظيف النخلة وتشذيبها، ثم سقط ومات. منذ ذلك الحين، توقف أهل القرية عن رعاية النخلة. واكتفوا بثمرات قليلة متربة يجمعها بعض الصبية إذا مروا مصادفة تحت النخلة.

لدى الناس يقين بأن الرطبة المتعفنة سوف تسقط وحدها. ولا أحد يريد أن يصدق أن الرطبة المتعفنة يمكن أن تظل في مكانها لشهور أو سنوات دون أن تسقط ، رغم أنهم –بحكم تعاقب السنين–يرون الرطبة المتعفنة في مكانها لم تسقط، ورغم أنهم – بحكم أنهم فلاحون متمرسون- يعرفون أنه لا أمل في رطب طازجة حتى تسقط الرطب المتعفنة.

عقب كل جمعة يخرج عدد من أعيان القرية نحو النخلة يعاينون الرطبة المتعفنة، ويتدارسون حالها، ثم ينصرفون، يحدو بعضهم الأمل في أن تسقط في الجمعة القادمة، بينما يعلن آخرون يأسهم قائلين: لو كانت ستسقط لكانت سقطت.. كفانا وهماً.

سألوا الشيخ محمود عن حكم إزالة الرطبة المتعفنة. تلعثم، وطلب إليهم أن يعاودوه في الغد بعد أن يبحث الأمر، غاص في "المغني" و "بداية المجتهد" والفقه على المذاهب الأربعة وفقه السنة. ولم يجد حالة واحدة في الكتب تشبه هذه الحالة. خشي من أن يجتهد فيخطئ ، أو يسأل فيتهم بالجهل، فأفتى بأنه لا نص في الرطب، فمن شاء أسقطها ومن شاء ترك. لكنه لمح في الجلسات الخاصة إلى أن الترك أولى.

لا يحتاج الأمر إلى خبير في تسلق النخل حتى يسقط الرطبة. ولكنهم ما أن يهموا بالمحاولة حتى تلوح لهم ذكرى ما حدث لخالد فيتراجعون. قال أحد العالمين ببواطن الأمور: انتظروا عدة أيام حتى يحضر مهندس الزراعة، ولديه من الأدوات ما يسقطها بسهولة. الجملة نفسها تتردد من سنوات، لكن مهندس الزراعة لا يجيء، وإذا جاء مرة كل عدة أشهر، فإنه يتحدث في كل شيء ويفعل كل شيء ما عدا إسقاط الرطبة المتعفنة.

ذات جمعة، وكان الجوع قد أخذ منهم مبلغه، صاح أكرم مندفعاً: كفاية. ثم اندفع متهوراً للنخلة يريد أن يتسلقها ويسقط الرطبة، منعوه في بادئ الأمر، ثم تركوه، و التفوا حوله في تردد.. وما أن فشل في محاولته الأولى حتى انفضوا من حوله، وعاد إلى بيته ممزق الثياب مكلوم الجبهة منكوش الشعر، فتلقى تقريع زوجته صامتاً ثم أخذ دشاً ساخناً ونام.

زهد الناس موضوع الرطبة المتعفنة، وفتر حماسهم للاجتماع عند الشجرة بعد كل جمعة.. وانصرف كل منهم يصلح شأنه بطريقته.. وتجاهلوا تماماً أمر النخلة والرطبة والجوع. سافر من سافر، وقعد من قعد وأنجب من أنجب،  ولم يعد يذكر أمر النخلة ولا رطبتها المتعفنة أحد.

في يوم قائظ ، خرج هيثم (10 سنوات) مع عدد من أصحابه بعد العصر ليجرب النبلة الصينية الجديدة التي أحضرها له خاله من دبي.. وقف العصفور المراوغ فوق الرطبة المتعفنة، لم يكن هيثم – صياد العصافير الماهر- ليترك تلك الفرصة، اختار حجراً مناسباً وصوبه بالنبلة نحو العصفور، نجح العصفور في الفرار، لكن الحجر أصاب الرطبة المتعفنة في قلبها فسقطت، عاينها هيثم ورفاقه بدون مبالاة قبل أن يلقوا بها في الترعة المجاورة.

مرت عدة أيام قبل أن يكتشف الغفير عوض اختفاء الرطبة المتعفنة، سارع بإبلاغ العمدة الذي قام بدوره بجمع أعيان القرية فاجتمعوا في أقل من ساعة تحت الشجرة. لم يكن المرتسم على وجوه المجتمعين هو الفرحة و لا كان الرهبة، بل القلق. أبرقوا للمأمور ومهندس الزراعة فحضرا على الفور، ولم يستغرق الأمر أكثر من نظرة فاحصة من مهندس الزراعة قبل أن يعلن للحضور في تحذير مقتضب: "النخلة ماتت وعلينا أن نسرع باقتلاعها".

لأول مرة اجتمعت كلمة أهل "كوم النخلة" صرخوا بانفعال: " مستحيل، كله إلا النخلة، افعل أي شيء آخر". كان مهندس الزراعة حازماً حين قال: "أنا لا أستطيع أن أتحمل المسئولية. إذا لم نقلع النخلة الآن فيمكن أن تسقط في أي وقت، وتنتهي بنا إلى كارثة". لم يرد أحد، و بعد أقل من نصف ساعة من مكالمة بالمحمول لشركة خاصة، جاء البلدوزر–الذي كان في الانتظار على مشارف القرية-  بكامل معداته ليقوم بالمهمة.

تحلق جمع محدود من الرجال والنساء متوسطي العمر يتابعون المشهد الأخير للنخلة الحزينة. و بينما كان أعضاء المجلس المحلي يعقدون اجتماعاً طارئاً لاختيار اسم جديد للقرية، كان هيثم ورفاقه يتابعون على الدش مباراة الإياب في تصفيات كأس آسيا لكرة القدم، بين السعودية وإسرائيل.  و كانت مباراة الذهاب قد انتهت في تل أبيب بنتيجة 3/ صفر لصالح الدولة المضيفة. وفي الوقت نفسه كان عدد من عمال متعهد الحفلات يجمعون معداتهم في اتجاههم إلى المسجد للصق المجموعة الأخيرة من بوسترات الحفل الغنائي الراقص للمطربة شاكيرا، حين قابلهم  الشيخ محمود على باب المسجد متجهاً لرفع أذان العصر.

 

 

Advertisements