وسوم

الدعوة لتحديد النسل في مصر والدول العربية دعوة قديمة روج لها كثير من المستشرقين، ودعا إليها بعض السياسيين الغربيين وتلقف الدعوة وآمن بها بعض السياسيين والمفكرين العرب، ووجدوا فيها وسيلة من وسائل النهضة واللحاق بالغرب.

 

وليس بمستغرب أن تجد بين الداعين لها منذ الثلاثينات أسماء مثل: سلامة موسى و أحمد لطفي السيد وطه حسين، ولكن الغريب أن تجد اسم الأستاذ أحمد أمين من المروجين لهذه الدعوة منذ الثلاثينات، وقد راقته فكرة رفع معدل التنمية الحسابي للدولة مقارنة بمعدل زيادة المواليد.

 

وظلت الدعوة تتردد بين أوساط النخب المثقفة، ولم تكن ثمة حاجة ملحة في تبنيها وفرضها على الناس، خاصة أنها كانت تتصادم مع ثقافة شعبية أصيلة يشترك في تبنيها المسلم والمسيحي، ثم إنها لم تكن على سلم أولويات المستعمر الغاصب الذي كان ينظر إلى مستعمراته كسوق كبير، كما لم تكن من أولويات المناضل الوطني الذي كرس جهده لطرد الاستعمار ومحاربة الفقر والجهل والمرض.

 

وبعد الاستقلال المصري، بدأ عبد الناصر في سلسلة متتالية من إجراءت التحديث والتنمية، وكان النمو السكاني يشكل عقبة أمام الأرقام التي تتحدث عن أن معدلات التنمية يبتلعها النمو السكاني، واستجاب لنصائح بعض الاقتصاديين من أمثال عبدالمنعم القيسوني وعزيز صدقي وسعيد النجار ممن درسوا في الخارج، وروجوا لفكرة أنه يجب التحكم في أعداد السكان لتحقيق التنمية الاقتصادية، وتطابقت هذه التوجهات مع التوجهات الاشتراكية لماوتسي تونج في الصين، ونصائح "الأصدقاء" الروس.

 

واستند بعضهم إلى فتوى لفضيلة الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر ترى "أنه يجوز لكل من الزوجين برضا الآخر أن يتخذ من الوسائل ما يمنع وصول الماء إلى الرحم؛ منعًا للتوالد". للترويج لفكرة تحديد النسل، فقام الاتحاد الطبي المصري بإقامة حلقات لبحث هذه المسألة، وكانت هذه الحلقات هي الشرارة الأولي التي انبعثت منها فكرة تنظيم الأسرة لتأخذ نطاقًا وطنيًا، فتأسس عام 1954 مجلس أعلى للخدمات الوطنية، وأنشئ المجلس الأعلى لتنظيم الأسرة بالقرار الجمهوري رقم 4075 سنة 1965، و في عام 1966 افتتح 1991 مركزًا، ارتفعت إلى 3030 مركزًا في عام 1970 تقريبًا، ، وكان من أهدافه خفض معدل المواليد إلى 1 % سنويًا.

 

وجاء ما كتبه الرئيس جمال عبد الناصر في الميثاق الوطني من "إن مشكلة تزايد السكان أهم عقبة تواجه الشعب المصري في كفاحه لرفع مستويات الإنتاج بصورة مطردة، وبطريقة صالحة وفعالة، وإن حل هذه المشكلة يستحق أن يستأثر بأفضل الجهود العلمية" … ليؤكد التوجه الحكومي الصريح لهذه الدعوة.

 

و قد ظن عبد الناصر أن تمرير فتوى كتلك لا تحتاج إلى أكثر من اجتماع سريع لمجلس البحوث الإسلامية، – وأعضاؤه من المعينين – ليصدر في نهايته توصية أو فتوى تعطي غطاء شرعياُ لجهود إعلامية وتشريعية وصحية مكثفة على الدولة أن تقوم بها.

 

وفي عام 1964 أرسلت رئاسة الجمهورية تعليمات إلى شيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون بعقد جلسة خاصة لمجمع البحوث الإسلامية حتى يصدر فتوى تعضد توجه الرئاسة إلى تحديد النسل، ولم يكن تعبير "تنظيم النسل" أو "تنظيم الأسرة" قد استخدم كما يستخدم هذه الأيام تخلصاً من الحرج، ومحاولة للتجميل الكاذب.

 

ورفض الشيخ حسن مأمون هذا الشكل من أشكال الضغوط، خاصة بعد أن وصلته الأخبار أن مندوباً من الرئاسة سيحضر هذا الاجتماع، فأعلن مرضه، واعتزل في بيته، وطلب من الشيخ الشعراوي – وكان مديراً لمكتبه-أن يتدبر الأمر في غيابه.

 

في موعد عقد الاجتماع حضر السيد كمال رفعت وزير شئون الأزهر في موعده وجلس في مكتب شيخ الأزهر في انتظار وصول أعضاء المجمع، حضر واحد أو اثنان، جلسوا لدقائق ثم انصرفوا، وكذلك فعل آخرون بعدها بساعة. الأمر الذي أثار حفيظة الوزير، فعبر عن غضبه بصوت مرتفع، فتلقفه الشيخ الشعراوي بأسلوبه المرح، وأخرجه مما فيه من ضيق وغضب..

 

قال الشعراوي للوزير بلهجة عامية محببة: "تعرف بأفكر في إيه يا معالي الوزير؟..الحمد لله… ربنا عمل جميل كبير في الأمة. لأن قرار تحديد النسل لم يصدر من قبل، وإلا لو كان صدر من قبل أم جمال عبد الناصر ما تحمل فيه كانت تبقى  شورة سودة (كارثة كبرى)، وكنا فقدنا عبقرية فذة وكان حظنا يبقى نحس".

 

تنبه الوزير لرسالة الشيخ الشعراوي، ولم يخف ضحكة سرعان ما سحبها، وأدرك الفخ الذي أوقعه فيه الشيوخ الذين تحايلوا لعدم الحضور، وفهم أن هذا سيكون شأنهم إذا ما دعوا إلى غير ما يرغبون، فانصرف على عجل، ويبدو أنه نقل الرسالة للرئيس فتراجع عن فكرة حمل المجمع على اتخاذ قرار على غير هوى أعضائه.

 

تكررت المحاولة في اجتماع لمجلس محافظة القاهرة عام 1965، وتبناه طبيب أمراض نساء هو الدكتور خورشيد، والاقتصادي الليبرالي المعروف الدكتور سعيد النجار الذي أنشأ بعد ذلك جمعية "النداء الجديد" (ت: 2004) ، وكاد أن يحصل على موافقة إجماعية من الأعضاء، لولا وجود الشيخ محمد أبو زهرة عضواً في المجلس الذي أمسك الميكروفون، وألقى بياناً بديعاً كشف فيه للحضور عن مخاطر هذه الدعوة، والشبهات التي تقف وراء التمسك بها والتريج لها، فكان مما قال:

 

"لا يصح لنا أن نقول إن النسل إذا تكاثر لن نجد له قوتاُ.. إن النسل إذا تكاثر فسيجد هو لنفسه القوت."

 

"إن حبوب منع النسل وتعقيم الأمهات تصنع في إنجلترا وأمريكا وألمانيا، ولا تباع في صيدلياتهم، وإنما تباع في صيدليات القاهرة."

 

"إننا نكافح اليهود بعددنا… ودعاية تحديد النسل هي دعاية يهودية في بلادنا، ولا يصح لنا في بلد يريد أن يكون جيشاً أن يعقم نساءه ليميت الأطفال في بطون أمهاتهم أو يقتلهم وهم أجنة. إذا أردنا تحديد النسل فليكن ذلك في الميدان (يعني في معركة بيننا وبين إسرائيل)".

 

"لماذا إذا تكلمنا في السياسة قلنا نحن العرب، وإذا تكلمنا في الاقتصاد قلنا نحن العرب، وعند تحديد النسل نقول: نحن مصر ولا نقول نحن العرب.. إن البلاد (العربية) فيها ما يتسع لملايين أضعاف ما في مصر".

 

"إذا كان رأي الدكتور النجار أن زيادة النسل تلتهم مواردنا، فما رأيه في علماء الاقتصاد الآخرين الذين يرون أن عدد السكان لم يزيدوا بالقدر الكافي لامتصاص كل مواردنا، وأنه بعد عشر سنوات (كان ذلك عام 1965) لن يكون عدد سكاننا كافياً للقيام بما سيكون لدينا من أعمال ومشروعات".

 

قبل ذلك وبالتحديد عام 1960 تمكن رجال عبد الناصر من استصدار فتوى من الشيخ شلتوت شيخ الأزهر اعتبرت المرجع الديني الوحيد حتى ذلك العهد في الترويج لفكرة تحديد النسل، ورغم أن الفتوى استخدمت في غير ما صدرت من أجله، ورغم أن نصها لا يتعارض مع إجماع علماء الأمة بتحريم أن تقوم الدولة بإصدار تشريعات تجبر على تحديد النسل، إلا أن الدولة سارعت باستخدامها في أغراضها الخاصة، الأمر الذي دعا الشيخ شلتوت إلى توضيح مقصده من الفتوى وتعديل صياغتها، ولكن الفتوى الأولى انتشرت، وغطت الثانية لحائف التجاهل والنسيان.

(يتبع)

Advertisements