الوسوم

,

كان الدكتور عبد الغفار عزيز رحمه الله يحمل إعجاباً خاصاً بالأستاذ صلاح منتصر، وقدرته على اختيار الموضوعات وتبسيطها واختصارها في عموده المتميز في جريدة الأهرام. وفي هذه الأثناء كانت الساحة الثقافية تتحدث عن كتاب ظهر في الأسواق بعنوان “مذكرات اعتماد خورشيد”. يتعرض لفترة منتصف الستينات، وفساد جهاز المخابرات المصري، ووقوع عدد من كبار رموزه ورموز المجتمع في هذه الفترة في فضائح جنسية مخزية.

وفي هذا التوقيت كان الوالد الشيخ يعمل في المدينة المنورة، حين وقع بين يديه النص الأصلي لتحقيقات النيابة العامة مع المتهمين في قضية المخابرات الكبرى، ومنها تحقيقات مع اعتماد خورشيد، وآخرين من العاملين في جهاز المخابرات – ممن تبوأ بعضهم مراكز قيادية كبيرة في مصر في عهود تالية- ولا زال بعضهم في مناصبهم الكبيرة إلى الآن.

كانت المعلومات والألفاظ والتفاصيل الواردة في التحقيقات تتجاوز بكثير ما ورد في المذكرات التي حكمتها اعتبارات نشر مفهومة. وكتب صلاح منتصر في الأهرام وأكتوبر معلقاً على المذكرات أنها تظل أحاديث مرسلة، تفتقر إلى الدليل، وإن من لديه معلومات إضافية فليوافه بها. وكان الوالد الشيخ يملك هذه المعلومات، لكنه كان يضن بها بغير مقابل، أو بالأحرى يدخرها ليقايض بها ما يفيده في دعوته ورسالته التي نذر نفسه لها.

اتصل الوالد الشيخ – وكان في إجازته السنوية بالقاهرة- بالأستاذ صلاح منتصر، وعرض عليه أن يمده بنسخة من هذه التحقيقات في مقابل أن ينشر له في أكتوبر مقالاً يعرض رأيه عن تحديد النسل. في البداية رفض الأستاذ صلاح منتصر. و كان رفضه متوقعاً، فكيف لمجلة حكومية أن تنشر مقالاً يخالف التوجهات العليا لسياسة الدولة. وكان الجو العام في هذا الوقت أن تقول: إن مشكلة مصر في قلة النسل لا في زيادته، يماثل تماماً أن تقول: إن إسرائيل انتصرت في حرب أكتوبر 1973.

المفاجأة أن الأستاذ صلاح منتصر عاد واتصل بعد حوالي ساعة وقد وافق على الصفقة.

إنني أفهم الآن السبب الذي دفع الأستاذ منتصر إلى القبول، وهو التحقق – لصالح جهات أمنية وإعلامية عليا – من حجم ودقة ما يملكه الناس من مستندات تخص هذه الفترة، ومدى تعرض هذه المستندات لرموز هذه الفترة، وأثر ذلك على استقرار الحياة السياسية والمخابراتية في مصر، ولذلك فلم يكن غريباً أن يبادر مجلس الشعب إلى إصدار قانون بتحريم نشر مثل هذه الوثائق بعد أقل من شهر من هذه الواقعة. وفي المقابل فإن نشر مقال يصدر بعبارة “المجلة غير مسئولة عن محتواه، بل وتختلف معه”، مع مباشرة الرد على محتواه في العدد التالي مباشرة بقلم رئيس التحرير نفسه، وتكليف آخرين بالرد لعدة أعداد تالية، يعد ثمناً متواضعاً لنصر صحفي كبير، وفي النهاية:  “مقالة تفوت.. ولا حد يموت”.

أعتقد – وربما خالفني في ذلك كثيرون – أن وعي الناس بحقيقة ما يخطط لهم بشأن “تحديد النسل” أهم بكثير من شغفهم بمعرفة من هم الممثلون والكتاب والسياسيون الذين تورطوا في فضائح المخابرات، ومن من الوزراء ورؤساء المجالس النيابة كان طرفاً في التحقيقات؟!

نشر المقال في أكتوبر، ثم واصل الوالد الشيخ نشر مقالات متعاقبة في جريدة الحقيقة والوفد، وبادر الشيخ جاد الحق مشكوراً بنشر فتوى مجمع البحوث الإسلامية التي تقف تماماً في صف ما ذهب إليه الوالد الشيخ، ثم حين رفضت دور النشر المختلفة التحمس لطباعة كتاب يخالف الاتجاه العام، بادر الوالد الشيخ بإنشاء دار نشر خاصة هي “دار الحقيقة للإعلام الدولي”، وكان باكورة إنتاجها كتاب “تحديد النسل جريمة في حق الدين والوطن”.

وكانت الأفكار الرئيسة في الكتاب الذي جاء في 128 صفحة من القطع المتوسط تتلخص فيما يلي:

           أن مشكلة مصر ليست في زيادة السكان، وإنما في سوء التخطيط وفساد توزيع مصادر الثروة.

    أن هناك خلطاً في مفهوم السبب والنتيجة بين تناولوا الموضوع. والصحيح أن التعادلية الإلهية تقتضي أن تعوض الدول الفقيرة بالأفراد، وأن تحرم الدول الغنية من زيادة السكان كي لا تطغى. وليس الأمر على نحو ما يروج له الداعون للفكرة من أن الدول الفقيرة افتقرت بسبب زيادة عدد سكانها، وأن الدول الغنية اغتنت بسبب قلة عدد السكان.

    أن موارد الأرض لا تزال تستطيع أن تستوعب أضعاف أضعاف الأعداد الحالية من سكان الكرة الأرضية، عند تطبيق قوانين أخلاقية رشيدة.

           أن الإسلام دعا أفراده إلى الاستقواء بالنسل القوي المتعلم.

           أنه لا فرق حقيقياً بين “تحديد النسل” و”تنظيم الأسرة”، إنما هو تلاعب بالألفاظ لتحقيق أهداف تضر بمصلحة الأمة.

    أن قضية تنظيم الأسرة هي قضية شخصية بين الرجل وزوجته، وأن لهما أن يرتبوها كما شاءا دون تدخل من أحد. على ألا يكون دافعهما للتوقف عن الإنجاب هو خوفهما من الفقر والإملاق، فهذا بمثابة فقدان ثقة بقدرة الله المطلقة على توفير الرزق.

    أن على الدولة أن تتوقف فوراً عن الدعاية لتحديد النسل، وأن تفكر ألف مرة قبل أن تقدم على سن قوانين من شأنها أن تميز بين الأسر التي تحدد النسل وتلك التي لا تفعل، ففي هذا مخالفة لأوامر الله تعالى.

    أن الدعوة إلى تحديد النسل يراد بها إضعاف شوكة المسلمين، وأن هناك دولاً أخرى غربية أولى بالتحديد لا تمارسه بل تشجع على زيادته.

……….

وكان العنوان صريحاً في الدلالة على مضمون الكتاب، حتى أن الأستاذ أمين الخضري، صاحب دار الفكر العربي، وهو يملك خبرة نشر تتجاوز الأربعين عاماً، قال لي: لو غيرتم عنوان الكتاب قليلاً، لساعد في توزيعه ولقلل حجم التردد الذي ستقابله في التسويق له، ولكن الوالد رفض، فاعتذر عن توزيعه. وكذلك فعلت مؤسسة الأخبار –بعد أن جلست في مكتب مسئول التوزيع لما يزيد عن ساعة – خرج فيها يستشير من لا أعلم، ثم عاد بعدها ليعتذر، وينصح –بأبوة- ألا أذهب به إلى آخرين.

وتكرر الأمر مع كثيرين، غير أن المفاجأة كانت في قبول مؤسسة الأهرام العريقة توزيعه – بعد مشاورات مطولة بين مسئوليها وجهات لا أعرفها. وعرفت بعد ذلك سر قبولهم، فقد كانت خطتهم هي أخذ النسخ المطبوعة – وكانت خمسة آلاف نسخة- ووضعها في مخازنهم، ثم إعادتها لي كما هي بعد انتهاء دورة التوزيع ومدتها 45 يوماً، بحجة أن الكتاب لم يجد من يشتريه.

وعلمت من بعض العاملين هناك هذه الخطة، وساعدني آخر في تسريب الكتاب إلى الأسواق لمدة يومين أو ثلاثة حتى اكتشف أمره فأعادوه. وبيع في هذين اليومين من الكتاب ما يزيد عن ستمائة نسخة. كانت بشهادة الموزعين رقماً جيداً بالنسبة لموضوعه، وتحققت من صدق شهادتهم فيما بعد، حين بيع من 2000 نسخة لكتاب جميل طبعناه فيما بعد عن رباعيات الخيام لأستاذ مرموق في كلية دار العلوم ثلاث نسخ فقط. نعم اشترى المصريون 3 نسخ من كتاب  رباعيات الخيام،  ووقتها تيقنت من صدق مقولة أن المصريين لا يقرأون.

واجتهدنا في ابتكار طرق مختلفة للتوزيع، بعد أن تلقينا رسائل متنوعة – منها احتراق سيارة أخي، واستدعاء أحد موظفي المكتب للمبنى الشهير في جابر بن حيان بالدقي – بأنه من الأفضل أن ننسحب من المواجهة المباشرة. وكنا نوزعه بطريقة غريبة، إذا كان يجلس بعض الأصدقاء في مترو حلوان بنسخة من الكتاب في يده ويقوم بقراءتها، ويحاول لفت نظر الجالسين بجواره، أو افتعال حوار معهم، ربما ينتهي بأن يحصل الرجل على نسخة من الكتاب، يدفع ثمنها أو لا يدفعه. أما أصحاب المكتبات في الأقاليم فكانوا أكثر جرأة، فكانوا يتصلون بالتليفون الموجود على الكتاب، ليحصلوا على نسخ منه، لتوزيعها في مناطقهم.  

اللطيف أن الكتاب طبع بعد ذلك ثلاث طبعات مختلفة، ووجد طريقه – مع تقصيرنا المخزي في التوزيع- إلى السعودية والكويت واليمن والمغرب ونيجيريا، وبعض دول أوروبا. بل إني سمعت مؤخراً أن بعض مسلمي نيجيريا ترجموه إلى اللغة الإنجليزية، وأنهم يوزعون نسخاً منه على زملائهم لدعمهم في مواجهتهم أمام بعض القبائل المسيحية التي دخلت معهم في مواجهات طائفية دامية استمرت شهوراً في منتصف عام 2004.

بين يدي الآن نسخة من الكتاب، وهو كتاب عادي جداً.. ولا أعلم لماذا كان هذا التضييق، والتعتيم، على موضوع هو محل جدل وخلاف، ولا يمس الأمن القومي، ولا يهدد النظام العام، ولا يدعو إلى حمل السلاح أو تكفير الحاكم..

ولكن النظام المرتعش.. يخاف من مجرد المخالفة…

الدرس بسيط، والقصة عادية… وهذا هو جمالها…  

نمسك بالإصرار والصبر والابتكار لإيصال فكرتك، حتى لو كانت تقليدية ومباشرة..

وقل من جد في أمر يحاوله          واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

 

Advertisements