الوسوم

للدكتور/ محمد الرملى

فى حياتي و مع اهتمامي بالشأن الجامعي و متابعتى لكل ما يكتب عنه من كافة وجهات النظر لم أسمع أبلغ و لا أوجز من هذه العبارة فى وصف حال الجامعات المصرية الراهن و الفجوة بين ما هو مأمول و بين الواقع المشهود و قد صدرت من مجند شرطة بحرس جامعة القاهرة عند قاعة لطفى السيد تحت قبة الجامعة الشهيرة.
وأصل الحكاية أننى ذهبت يوم 20 مايو 2008 فى العاشرة صباحا الى قاعة المؤتمرات الرئيسية (لطفى السيد) بجامعة القاهرة لحضور افتتاح و اعلان برنامج تنمية البحث العلمى بمصر و الممول من الاتحاد الاوروبى بمنحة قدرها 10 ملايين يورو على ثلاث سنوات ، و قضيت ساعتين و نصف فى ذلك الصباح أستمع فيها لنائب رئيس جامعة القاهرة و هو يشرح كيف أن جامعة القاهرة قد دخلت ضمن أفضل 500 جامعة فى العالم بحسب تصنيف لا أتذكره الآن و أن على الجامعة و باحثيها زيادة بحوثهم بمعدل 10% سنويا للبقاء ضمن هذا التصنيف و عن مبادرات الجامعة لدعم هيئة التدريس بها فى مجال البحث العلمى و المكافآت التى تخصص للمتميزين منهم و استمعت لنائب وزير التعليم العالى لشؤون البحث العلمى يتحدث عن خطة الحكومة لتنمية البحث العلمى و الابتكار و الابداع كسبيل لا مفر منه لتحقيق معدلات تنمية عالية و عن القرار الرئاسى بإنشاء صندوق العلوم و التنمية التكنولوجية برئاسة رئيس الوزراء و عضوية تسعة وزراء و علماء مصريين مرموقين كأحمد زويل و مجدى يعقوب و عن التمويل الكبير الذى يوفره الصندوق لدعم البحث العلمى و الجامعات المصرية بباحثيها الـ 73000 و المراكز البحثية بباحثيها الـ 23000 و كيف أن هؤلاء هم أمل مصر فى تحقيق نهضة علمية و بحثية و استمعت لممثل المفوضية الأوروبية يتحدث عن التمويل الذى تقدمه أوروبا لدعم البحث العلمى التطبيقى و ربطه بالصناعة فى مصر .. إلخ
حلقت بخيالى و أنا أرى فى مخيلتى المعامل تبدع ليلا و نهارا و الابداع و الابتكار يتضاعف و البحث العلمى يتحول الى براءات اختراع و مبتكرات و منتجات تغزو العالم بإسم مصر ، ثم داهمنى نداء الطبيعة كما يسمونه فى الغرب أى الرغبة فى قضاء الحاجة فخرجت من قاعة لطفى السيد لأسأل عن أقرب حمام فقيل لى إمشى يمينا ستجده إلى اليسار ، فتوجهت إلى الحمام فوجدت حماما فخما و نظيفا للغاية فقلت فى نفسى: كويس حتى لا ننكسف امام الأجانب الذين قد يغمى عليهم إذا رأوا الحمامات القذرة فى الأقسام و مبانى الطلاب
هممت بدخول الحمام فاستوقفنى شخص قائلا ممنوع يا أستاذ ، فوجئت بالموقف و ظننت للوهلة الأولى أنه حمام حريمى فتأكدت أنه حمام رجالى ثم تجاهلت الرجل الذى اتضح أنه مجند شرطة بحرس جامعة القاهرة و دخلت الحمام ، تابعنى الرجل للداخل و هو يصيح:
– با أستاذ ممنوع ، ممنوع يا أستاذ ، إنزل تحت فيه حمام تحت
– ممنوع إيه يا ابنى؟ ده حمام ، مرفق عام ، و أنا داخل أفك نفسى
– ممنوع ، ده للباشوات بس ، إنتم حمامكم تحت
ظننت لفرط سذاجتى أنه يقصد أن الحمام مخصص للأساتذة فقط
– بهوات إيه و باشوات إيه يا ابنى ، يا ابنى أنا أستاذ فى الجامعة مش طالب
إحتد الرجل و هو يقول
– الباشوات هم الضباط ، هذا الحمام مخصص للضباط بس
أحسست بضغط الدم يرتفع فى دماغى و نبض قلبى يتسارع و صحت فيه
– يا بنى آدم مفيش ممنوع ، ده مرفق عام كل الناس تخش ، أنا أستاذ فى الجامعة بقولك و ضيف على نائب رئيس الجامعة فى افتتاح برنامج فى القاعة اللى وراك دى ، أنا أستاذ فى الجامعة فاهم
لم يبدو عليه أنه فهم شيئا أو حتى أنه يعرف معنى أستاذ فى الجامعة فالعالم عند ينقسم إلى باشوات و غير باشوات ، فرد بحدة
– قلت لك الباشوات يشـ… فوق و الأساتذة يشـ… تحت ، فاهم ، الباشوات فوق و الأساتذة تحت
أحسست أننى كمرجل بخار على وشك الإنفجار حاولت أن أستدعى أيا من آيات العفو و الحلم مثل “و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين” و “خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين” فلم أفلح ، فرت كلها من ذاكرتى ، تفوهت ببعض عبارات لا داعى لتكرارها لتنفيث بعض البخار من المرجل حتى لا ينفجر و تجاهلت الرجل و دخلت لقضاء الحاجة لكنه ظل يلاحقنى بكلماته:
– دى أوامر ، متجبليش الكلام ، أنا ممكن أتجازى كده قلت لك الباشوات فوق و الأساتذة تحت
لم أستطع قضاء الحاجة من فرط التوتر و الإنفعال فغادرت و نسيت الاتحاد الأوروبى و الإفتتاح و البحث العلمى و الابداع و الابتكار و التنمية و غزو العالم بالتكنولوجيا المصرية و خرجت و أن أردد مرارا: الباشوات فوق و الأساتذة تحت

 

Advertisements