الوسوم

عرفت الشاعر المتألق دائماً الموهوب رغم إرادته أحمد بخيت عام 1985 في كرمة ابن هانيء (دار أمير الشعراء أحمد شوقي).

كنا دون العشرين طالبين أنا في الهندسة وهو في دار العلوم.. جمعنا ميكروفون واحد… وجمهور واحد.. وهمان واحدان (الحب والحرية) .. وكان اختلاف طريقة كل منا في الأداء مؤشراً لاختلاف رحلة كل منا في الحياة وإن اتحد الهدف. كنت أسبقه في العمر بعام (في الحقيقة بشهرين فأنا مواليد ديسمبر 1965، وهو فبراير 1966)، وهو يسبقني في الموهبة بعدة قرون.

في هذا الوقت، وكنت لا زالت أتوارى خلف خجلي تعرفت على مجموعة رائعة من الأصدقاء، سمير فراج وممدوح الشيخ وصلاح عبد الله وإيهاب البشبيشي وحمدي عبد الرازق وأحمد نبوي وإيهاب غريب وأشرف أبو جليل، وغيرهم… أقلهم موهبة أصدق فطرة وأعظم نظماً وأعمق ثقافة بل وأغزر إنتاجاً ممن يملئون اليوم  فضاء الإعلام بقصائد باردة الإحساس مشوشة التراكيب فجة المصنعية.

لا مجال لمقارنة محاولاتي بموهبته، ولا اجتهاداتي بملكاته، ولا إنتاجي بإنتاجه… ولكن التمسح بالعباقرة فيه مع الاستغلال متعة.

كنت أكتب الشعر بتحد على طريقة: ما هو هذا الشعر الذي لا أستطيع أن أكتبه؟ وكان يكتبه بعفوية على طريقة: ما أطعم هذا الماء الذي أشربه؟

كنت أكتبه بطريقة: المخترع الصغير: القصيدة عندي دائرة كهربية أو برنامج حاسوب، وكان يكتبه بطريقة: المبدع الكبير: القصيدة عنده صور فريدة، وتواريخ حية، ومفاجآت مستحيلة.

ولتعرفوا حجم المفارقة وعمقها وكثافتها …. فقد كانت معارضاتنا من نوع خاص..

فأنا أكتب أشياء من نوع:

الفأس بلا حد ليست فأساً

بل قطعة خشب وحديدة

….

ويكتب أشياء من نوع:

مِن أجلِها

من أجلِ خُصْلَةِ شَعْرِها

قبضتْ على جَمْرِ النشيدِ

يَميني

ووقفتُ في المُدُنِ المباحةِ

صارخًا

إنَّ القصيدةَ لم تزلْ

سِكِّيني ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!

…..

وأكتب:

الموكب الملكي سار

والطرقات خالية من الجمهور…

الموكب الملكي سار…

بين الشجرة والشجرة شرطي

بين الشرطي والشرطي شجرة..

شجرة شرطي شجرة شرطي شجرة شرطي … ش

من قتل الملك؟

شششششششششششش

ويرد:

….

ما مرَّ طاغيةٌ

أمامَ حديقةٍ

إلا ومات الوردُ في الأكمامِ

لم يبتَسِمْ يومًا

أمامَ كِلابِهِ

إلا وسالتْ دمعةُ الأيتامِ

لم ينكفِىءْ يومًا

علي مَحْظيَّةٍ

إلا ودبَّ العُقْمُ في الأرحامِ

مأساتُنا عِشْقُ الطغاةِ

كأننا

لم نَنْسَ – بَعْدَ – عبادةَ الأصنامِ !!

……….

أكتب:

من لي بمفرمة تستقبل الأشعار في جنب

وتحيلها خبزاً في الجانب الآخر..

ويرد:

لا تقتلونا بالمراثيَ

لا تحبُّونا

خُطَبُ

لا تفصِحوا

بلسانِ ” حمزةَ “

عن ضميرِ ” أبي لهبْ “

لا تزرعوا في خضرةِ الزيِتونِ

ذاكرةَ الحطبْ

لا يَرْدَعُ الحطَّابَ إلا

ما تيسَّرَ

مِنَ غضبْ

…..

عندما التقينا لأول مرة كان الفرق واضحاً..

أحمد بخيت شاعر مطبوع يدرس في دار العلوم، ووائل عزيز طالب هندسة عنده أفكار وقضية…

وكانت المفارقة أنه نجح بتفوق بسبب الشعر وتم تعيينه معيداً… أما أنا فلنفس السبب (الانشغال في الندوات الشعرية والمقاهي الأدبية) ضاع مني الامتياز وخسرت فرصة التعيين..

ولأن كل إنسان ميسر لما خلق له – فقد استقال من الجامعة وتفرغ لمشروعه الشعري الخالد، بينما انتهزت كل وقت فراغ في عملي وحصلت على درجتي ماجيستير ودرجة دكتوراه وأعد للثانية…

ولعل هذا هو ما جمعنا، ووثق علاقتنا…

خرجنا من كرمة ابن هانيء، وعبرنا كوبرى الجيزة إلى محطة الملك الصالح، ركبنا نفس المترو، نزلت في محطة دار السلام، وواصل طريقه إلى محطة كوتسيكا.

ومن يومها ولدت علاقتنا الممتدة…

وبعدها بعدة أعوام، نشر أحمد بخيت في دار الحقيقة للإعلام الدولي التي أنشأتها فور تخرجي من الكلية: أول كتابين في حياته، وكان لا زال طالباً في الكلية:  “عبقرية الأداء في شعر المتنبي”، و ديوانه: “وطن بحجم عيوننا”…

الذي أشرف الآن بتقديم فقرات منه … دون أن أعاني في اختيارها.. فكل ما كتب جميل وصاف وصادق…

 …..

قلبي على سفرٍ

وأنتِ مثيرةٌ

كشذا قَرنفُلةٍ يمرُّ

عَلَى رِئةْ

جئنا

مِنَ الزمنِ العدوِّ

كما أتتْ

مِنْ ظُلْمَةِ الأصدافِ

أروَعُ لؤلؤةْ

 

لم ينتصرْ رجلٌ

لدمعةِ شَعْبِهِ

ما لم تباركْهُ

بدمعتِها

امرأةْ !! ‍‍‍

………

يتساءلونَ مَنْ التي أحببتُها ؟

ماذا أريدُ

أريدُ نِصْفَ نبيَّةْ

تقسو قلوبُ الناسِ

وهْيَ غفورةٌ

وتخونُني الأيامُ

وهْيَ وفِيّةْ

وتكونُ واضحةً كشمسِ

بلادِنا

وعميقةً

كقصيدةٍ صوفيّةْ

 

ووقورةً

كصلاةِ قلبٍ خاشعٍ

وطَروبةً

كالنسمةِ البحريّةْ

وتكونُ ناعمةً

كصُبْحٍ ممُطْرٍ

وقويةً

كالمهرةِ البدويّةْ

فيها من النيلِ العظيمِ

تواضعٌ

وبها شموخُ مَسلَّةٍ مصريةْ

عربيةً

في ضحكِها

ودموعِها

وأنا شهيدُ دموعِها

العربيَّةْ !!

……

مِنْ مَهْدِ هْذا الحزنِ

حتى لحَدَهِ

لي رايتانِ : الحبُّ والحريّةْ !!

….

أأسقي الوردَ

في شُرفاتِ بيتي

ونابُ الذئبِ

في لحم العروبةْ ؟

……

 

– لماذا تشتهي موتًا

سريعاً ؟

– لأن عدالةَ الوالي

بطيئةْ

سأُلْصِقُ بالجدارِ الصعبِ

رُوْحِي

وأُلقي جَمْرَ أسئلتي البريئةْ

سيوجِِعُكُم

ويُوجِعُني سؤالي

” هل الفقراءُ

قافيةٌ رديئةْ ” ؟

……

هل كلُّ هذا الحزنِ

لا يكفي

ليجعلَنِي جميلا ؟

….

بمدائحِ الوطنِ المحنَّطِ

في النصوصِ المدرسيّةْ

بالجَهْلِ

أصبحَ عبقرياً

في اغتيالِ العبقريّةْ

بالحبِّ يُوْلَدُ ميِّتًا

في الأغنياتِ العاطفيةْ

لتصيرَ سِكينُ الجُناةِ

أحبَّ

مِنْ لَحْمِ الضَّحيّةْ !!

…..

فَلْيغضبوا

فأنا أدافعُ عن ملايينِ السنابلْ

ولْيَعْلموا

أنَّ الإدارةَ لا تُكَبِّلُها السلاسلْ

أنَّ البلابلَ تحت نِيرِ القهرِ

ما عادتْ بلابلْ

أنَّ اشتعالَ النارِ

في الأشجارِ

يجعلها تُقاتلْ

…..

القدسُ ليستْ مأتمًا

شكرًا لمحترفيِ العزاءْ

لكنها ألقُ النبوَّةِ

في جبينِ الأنبياءْ

صلواتُ مئذنةٍ

تُقَبِّل باسْمِنا

خدَّ السماءْ

القدسُ

بنتُ الحبِّ

أختُ الحزنِ

أمُّ الكبرياءْ !!

…..

سيجيءُ مِن لبنِ الرضاعةِ

أنبياءُ الجُلْجُلاتْ

مِن شَبيةِ الزيتونِ

أو مِن نونِ

مدرسةِ البناتْ

كم لثغةٍ عزلاءَ

تنهضُ ضدَّ صفِّ مدرعاتْ ؟

كم برلمانٍ

سوف يُسْقِطُهُ

” عَدِيْدُ ” الأمهاتْ ؟

……

جرسُ الكنيسةِ صامتٌ

ومُوذِّنُ الأمواتِ

أبكمْ

وخُطاكَ تبني جنَّةُ

في نِصْفِ مترٍ

مِن جَهنمْ

عيناك ” قرآنٌ ” رأى

ويداكَ ” إنجيلٌ ” تكلَّمْ

ودموعُ فاطمةٍ

تسيل عليكَ

مِن أحداقِ مريمْ !!

…..

يا كلَّ مَن أحببتُ في امرأةٍ

لدمعتِها سأُنسَبْ

يا هندُ

يا ليلى

ويا أسماءُ

يا أروى

وزينبْ

متأخرًا يأتي المحبُّ

ومن أحبَّكِ ليسَ يذهبْ

يَسَعُ الحياةً الموتُ

كما هو شَاسِعٌ

والحبُّ أرحبْ !!

…….

لما أضأْتِ على فمي

وأضأتني رُوحًا

وقلْبا

أدركتُ كم هُو هيِّنٌ

ما كانَ قبلَ الحبِّ صعبا

في أعينِ امرأةٍ

أرى وطنًا

وأحضنُ فيه شعبا

فالمجدُ للإنسانِ

في امرأةٍ ، وفي رجلٍ

أحبَّا

….

ما ليس يَصْلُحُ غُرْفَةً

لا نستضيفُ بها الشَجَنْ

ما ليس للأحياءِ

ثَوْبًا

ليس للمَوْتَى

كَفَنْ

ما ليس إلا صَرْخَةً

مِنْ ” طنجةٍ “

حتَّى ” عَدَنْ “

وطنٌ لبابِ القُنْصُليَّةِ

راحَ يبحثُ

عَنْ وطنْ !!

….

نواصل الإبحار في عالم أحمد بخيت الفريد إنساناً وشاعراً…في إدراج قادم بإذن الله…

 

 

Advertisements