الوسوم

لم أر أحمد بخيت ولا مرة واحدة خلال الخمس عشرة سنة الماضية، لكني كنت أتابع أخباره، وجوائزه وأسفاره، ومثله يتابع.

وحين طرقت باب غرفته –مع صديقنا ممدوح الشيخ – في فندق انتركونتنتال على شاطيء الخليج العربي في أبو ظبي قبل عدة أسابيع، تأخر في الفتح… قبل أن يشهق لرؤيتي ويسقط الأرض في حركة مسرحية تليق بشاعر كبير وهو يردد.. “مش ممكن… مش ممكن”. مكثنا قرابة الساعة قبل أن يطلب منظم الرحلة من جموع الشعراء الضيوف من معظم الدول العربية أن يركبوا الحافلة في اتجاههم إلى المسرح للإعلان عن التصفية الأخيرة في هذه الجولة من مسابقة “أمير الشعراء”. وعرفت فيما بعد أن أكثر من أربعة آلاف أرسلوا أعمالهم إلى اللجنة، تم دعوة 300 منهم لإلقاء أعمالهم أمام اللجنة، في اليوم الأول تم اختيار 70 منهم واستبعد الباقون، وبعد ساعة سيتم الإعلان عن 35 متسابقاً سيواصلون الرحلة الشاقة الممتعة، وكما كان متوقعاً… كان أحمد بخيت واحداً منهم. تحركت الحافلة تحمل الشعراء والشاعرات بدخان تبغهم وتوترهم وجنوحهم، وركبت سيارتي عائداً إلى دبي… بعدها بساعات كان أحمد بخيت على متن طائرة أخرى إلى الجزائر، قبل أن تعيده طائرة ثالثة إلى الشارقة ضيفاً في ملتقى الشعر الذي تنظمه دائرة الثقافة، وهناك قابلته للمرة الثانية خلال أسبوعين، وتحدثنا طويلاً.

……

 حين كان أحمد في السادسة من عمره سألت المعلمة الفصل: “تحبوا تطلعوا إيه يا أولاد؟”، وتسابق الأولاد في اختيار المهن بين طبيب ومهندس وضابط وممثل وميكانيكي. وسكت أحمد بخيت، اقتربت المعلمة منه وسألت: وأنت يا أحمد يا حبيبي تحب تطلع إيه؟” ثبت عينيه في عينيها وهو يقول: “أحب أطلع نبي”.

بعدها بخمسة وثلاثين عاماً، سألت أحمد بخيت بسذاجة: “أنت بتشتغل إيه؟”، فنظر إلي في استنكار وكأني لا أعرف وقال: “باشتغل شاعر”، واصلت ادعاء السذاجة قائلاً: “أيوه .. أقصد بتشتغل فين؟”، قال: “بأشتغل عند نفسي وجمهوري”، قلت: “أكيد انت فاهمني… عيالك بيآكلوا منين؟”، قال: “من الشعر”. وادخرت لنفسي كلمة تقافزت على الشفة: “يا مجنون!”.

…..   

إيمان أحمد بخيت بموهبته جعله يتخذ هذا القرار الانتحاري، القرار الذي لم تجرؤ على مثله هامات مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم، ومن الشعراء صلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي ونزار قباني ومحمود درويش… وفي زمن كان يسمح بمثل هذه المجازفة…

لم يشأ أحمد أن يكون هذا موضوع حديثنا بعد سنوات من الافتراق، فأحالني أحمد لحوار أجراه معه أحد الصحفيين قبل سنوات، وفيه تعرفت على وجهة نظره..

يقول عن تفرغه لمشروعه الشعري: “بعض الأمور يجب أن تحدث حتى ولو بدت في نظر البعض عملا انتحاريا. أردت أن يكون ذلك  قبل الشهرة لا بعدها،  ليكون التفرغ اختياريا وليس قسريا بعد انتهاء الخدمة “

ويقول في جرأة وثقة: “من الأمانة أن يعلن أن الكاتب أنه ليس بحاجة إلى ألقاب أخرى ولا إلى عمل آخر فهو يمارس بالفعل عملا جادا وهاما ومنتجا ويجب أن يكفل له معيشة كريمة. الكتابة ليست استراحة المحارب ولكنها حربه ذاتها التي عليه أن يخوضها بأقوى طاقاته”.

ويقول عن الهواة من أمثالي: “هناك من يكتب للمتعة، لا بأس، لكن عليه أن يعترف بشجاعة أنه يحب الشعر لكنه ليس شاعرا، يستمتع بكتابة القصص لكنه ليس روائيا. نعم لا تؤمن الكتابة في عالمنا العربي للكاتب معيشة كريمة وهذا احد أهم الأسباب في تحولها من وظيفة  إلى هواية،  وهذا إهدار للجزء الأكبر من طاقة المبدعين الحقيقيين في أمور أخرى غير الإبداع وفي قبول ضعاف الموهبة  أدعياء الأدب داخل هذا النادي المجاني والاستفادة بميزاته دون ضغط أو مسؤولية”

ويرى أن الكتاب الحقيقيين لديهم مسئولية لتغيير هذا الواقع، ليس على المستوى الفردي بل على المستوى القومي: “الكتابة هي متن العمل الثقافي ومتابعتها وتقويمها وإدارتها وتسويقها هي هوامشه الهامة أيضا. ما يحزن أن الهامش احتل الصدارة والمتن بصدد التحول إلى حاشية ولهذا السبب الثقافة العربية كسيرة الظهر كأم الأيتام .”

كما يرى أنه لا أمل في أن تنال الثقافة والكتابة مكانتها التي تستحقها دون تغيير من الجذور على المستوى الشعبي: “ثمة إساءة واضحة في استمرار النظر إلى الكتابة كزينة مضافة وليس كضرورة إنسانية ، كهواية مترفة وليس كتطبيب روحي، كنزهة مرحة وليس كعمل بطولي لا يقل أهمية عن مكافحة الإيدز والسرطان.”

 …….

والحق أنه لم يكن لي أن أتعجب من هذا المنطق، من شاعر يؤمن بموهبته وقدراته إلى حد الاتحاد معها، والانصهار فيها… لم يكن لي أن أتعجب من شاعر هذا منطقه بلغته:

……

أنا ضيفٌ
على الدنيا
وأوشكُ أن أودّعها
وُلدتُ
بحضنِ قافيةٍ
وأختمُ رحلتي معها
وغايةُ شهوةِ الكلماتِ
أن تغتالَ مبدعها!!.
……….
وأمي
في صلاة الفجرِ
ترفعُ وجهها للّهْ
ليُرجعَ طفلها المخطوفَ
يوماً واحداً
لتراهْ
فمنذُ رأى
عروسَ البحر
أصبح شِعْرُهُ
منفاهْ!!
……

لقد ندهتْه جنّياتُهُ
فانساحَ في الملكوتْ
ومسّتْه الرؤى
فاختارَ
وعد النارِ
للكبريتْ
إذا هجرته نارُ الشعرِ
ماتَ
وإن دعتْهُ
يموتْ!!
……

لماذا كلُّ أسئلتي

وأنتِ هُنا

وأنتِ هُناكْ

غنائي الفذُّ

يا لَيلَى

هديةُ طائرِ الأشواكْ

وماذا

قد يَضِيرُ الشمسَ

إنْ هُمْ

أغلقوا الشُّبّاكْ؟!

…..

يقولُ لَكِ الغَيَارَى

مِنْكِ:

إنّ غناءَهُ

فتنةْ

إذا أنا تبُتُ

عن شِعْري

ولم أتقبَّلِ المِنَّةْ

فَمَنْ سيسبِّحُ الرحمنَ

بالأشعارِِ

في الجنّةْ ؟!!

….

……

أنا نَخْلُ الجنوبِ

 الصعبُ

هُزِّي الجذعَ

واكتشفي

بجذرٍ راسخٍ

في الأرضِ

يحتضنُ السَما

سَعَفي

للَيلَى

أن تعانقَني

عناقَ اللامِ للألِفِ!!

…..

أنا الصوفيُّ

والشَّهوانُ

عَشَّـاقاً

ومعشُوقا

أسيرُ

بقلبِ قِدِّيسٍ

وإن حسِبُوهُ

زنديقا

وحين أحبُّ

سيدةً

أحوِّلها لموسيقا!!

…..

…..

ولدت لكي

أعيش الموت

لكنّي أموت حياةْ

…..

نواصل المسيرة…. في إدراج قادم بإذن الله..

Advertisements