الوسوم

تابعت المشتركين في مسابقة أمير الشعراء العام الماضي، وتعجبت أني لم أجد اسم أحمد بخيت بينهم، سألته عن أسباب تأخره عن المشاركة في العام الماضي، قال: ممدوح، وعن أسباب اشتراكه هذا العام قال: ممدوح. أصيب ممدوح ابنه في حادث سيارة قبل بدأ مسابقات العام الماضي، ولازالت رحلة العلاج مستمرة … ولذلك هو يشترك هذا العام!!

لا يخجل أحمد بخيت من الفترة التي كتب فيها الأغنية “ليشتري الحليب لأطفاله”، لأنه على غير استعداد لتقديم تنازلات مهما كانت الظروف، وهي مثلها مثل فترة التدريس في الجامعة، لا شبهة فيها إلا أنها عطلته عن مشروعه، وحادت به قليلاُ عن اختياره. فضلاً عن أن المناخ الفني لم يكن صالحاً لكي تنبت فيه زهرة عطائه بألقها الفتان.

……..

لا يخشى أحمد بخيت الحسد، لكن قلقه واهتمامه بالتجويد في كل إنتاجه يصيبه بثلاثة أمراض قاتلة: توتر وتحفز، انفعال وضيق خلق، واكتئاب. تأمل في تركيبة هذه الصفات حين تستقر وجدان صعيدي موهوب، تعرف لماذا هو متهم ممن لا يعرفه بأنه مغرور، ولماذا يخشى عليه محبوه من الموت المبكر. وما في الموت تبكير ولا تأخير. وإنما لا بأس من الموت إذا اقترب من العرفان…وهو القائل:

أراوغُ
شهوتي للموتِ

منذُ صرختُ

في الميلادْ

وأعبرُ برزخي

وأعودُ

منتصراً

على الأبعادْ

لكي أصطادَ خُلدَ الروحِ

قبل تحلّلِ الأجسادْ.

……..

لا يحتفظ أحمد بخيت بنفس هدوئه حين يتهم بالنزارية، أو بأن به صدى من فاروق جويدة، وهو يحاول اختيار أكثر العبارات تهذيباً للتعبير عن مفارقته لهما، لكنه شاء أم أبى محاصر بجمهور نزاري التوجه. و لا ينكر أحد أن نزار حرث للأجيال التالية أرضاً ظلت مهجورة لمئات السنين، حين جذب للشعر العربي جمهوراً من خارج دائرة النخبة، ولكن جيل السبعينات والثمانينات أهدر هذا الإنجاز خوفاً من تهم المباشرة والسطحية والابتذال.

وكان على أحمد بخيت وزملائه أن يخاطر من جديد ليصل بشعره إلى الناس حيث يجلسون ويفكرون ويتطارحون الغرام ولعن الحكام، حتى لو كانت تهم النقاد جاهزة بابتزاز مشاعر الجماهير، واستدعاء الآهات من حلوقهم.   

وأحمد بخيت – لأنه ينشد الإرث الخالد، ويطلب لؤلؤة اليقين الشعري على حد قوله –  واع جداً لهذه المعادلة المستحيلة: صدق القضية، عمق المعنى، وأصالة التعبير، وسهولة الوصول.. معاً وبنفس الدرجة.

ويستطيع أحمد بخيت بخبرته وذكائه أن يجنب نفسه شهوة استجداء رضا الجماهير أو سرقة آهاتهم : “ بقصائد حب سطحية متهافتة‏,‏ أو بهجاء سياسي مباشر وفج‏,‏ أو بأنين إنساني متخاذل لا يوقظ القلب والروح والإرادة‏”. ومع التلوث الذي يخنق الضمير، يرى أحمد بخيت أن مهمة الشاعر الأساسية هي: “ مساعدة الإنسانية لكي تنعم بالحياة بشكل أفضل‏,‏ أو علي الأقل تتحملها بشكل أفضل“.

وأحمد في رحلة بحث مستمرة عن الكتابة الحقيقة التي تصل إلى القلب. يقول: أكتب شعري عاري القلب وكثيرا ما أقرأه على الناس عاريا حتى القلب فأشعر بهم ويشعرون بي وتلك هبه الله التي أحمده عليها والذي تعدل عندي وتفوق أعظم الجوائز الأخرى.

و حديث أحمد بخيت كشعره ونثره يتميز بالتدفق والعذوبة.

وأنت لا تملك إلا أن تعجب ببيته الشهير:

ولست وسيماً ولكنني أكون وسيماً وأنت معي

وكنت أسأل نفسي كم استغرق من وقت ليخرج بهذا المعنى، ووجدت الإجابة بشكل غير مباشر، حين قابلته قبل أسابيع في أبو ظبي، وقد تحلق حوله مجموعة من المشتركين في المسابقة، وعرفته بنفسها إحدى الشاعرات من سوريا، فقال على البديهة: “خلق الجمال شامياً”. المعاني الجميلة لا تستغرق وقتاً في خلقها، إنها تضيء كمصباح الكهرباء.

أحمد بخيت لم ينبت في فراغ، ولا زال يدين بالفضل لطاقات شعرية مبهرة اختار منها: الشنفرى وأبو تمام والمتنبي وشوقي والفيتوري وأمل دنقل ومحمود درويش، وطاغور وجلال الدين الرومي وبودلير وأراجون.

و يشتكي أحمد بخيت من غياب حركة نقد تطبيقي فاعلة، ومن عجز معظم النقاد عن اقتحام اللحظات الإبداعية بكتابات علمية كاشفة ونزيهة، بل ومن عجز بعض النظريات، أو على الأقل استيعاب بعض النقاد لها وتمكنهم منها من مساعدة المبدع والمتلقي على كشف أوجه القصور أو التميز في النصوص الأدبية، خاصة أن عدداً من هذه النصوص هي تجارب لم تنضج ثقافياً، إما لكونها تحرث أرضاً جديدة، أو أن أصحابها قليلو الخبرة ‏. والسؤال الأهم في علاقة الناقد بالمبدع، هو من يكتب تحت رحمة من؟ أو من يكتشف من؟ أو من يستمد مرجعيته من من؟

….

لأسباب موضوعية، وبغير استباق للأحداث، ومع مسك كل أنواع الخشب والحديد والمناديل الورقية، فإن أحمد بخيت هو أحد المرشحين بقوة للجائزة.. وسيرته الذاتية تشهد باحترافية واضحة في حصد الجوائز – خاصة إذا كانت أحد المصادر الأساسية لدخله المادي-

         الجائزة الأولى في الشعر المجلس الأعلى للثقافة أعوام 87-88-1989 م.

         جائزة أمير الشعراء أحمد شوقي عام 1998م.

         جائزة (المبدعون) لأفضل قصائد عربية – الإمارت -2000م.

         جائزة المنتدى العربي الأفريقي – أصيلة – المغرب -2000م.

         جائزة الدولة التشجيعية في الشعر – مصر – 2000.

         جائزة (المبدعون) لأفضل دواوين عربية – الإمارت -2002م.

         جائزة ” البابطين للإبداع الشعري ” – الكويت- عام 2002م

         جائزةالشارقة للإبداع في أدب الاطفال2005.

         جائزة البردة الشريفة- أبوظبي 2005

         جائزة شاعر مكة محمد حسن فقي- مؤسسة يماني الخيرية – 2005

….

ومع ذلك فأحمد بخيت منزعج من التجربة، ومن تداعياتها، ومن الآثار التي يمكن أن تنتج عنها فيما يخص علاقته بالمجتمع الثقافي العربي.. خلال فترة المسابقة وبعدها… وقد بدأت شواهدها على صفحات الجرائد، وفي بعض مواقع الإنترنت، بشكل مستفز يتحول معه الشعر العذب إلى ميدان معارك عنصرية ومذهبية تستخرج أسوأ ما في الناس، ولا تدع لهم فرصة … ولولا أن أحمد مناضل عنيد لفضل الاحتفاظ بشاعريته لجمهوره.

بمعنى من المعاني… فإن أمير الشعراء … ليس منافسة على رئاسة كالمنافسة بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما… وإنما “اصطفاء”… والمصطفى لا ينبغي أن يدخل في منافسة ليتم اصطفاءه… وما دمنا لا نثق فيمن يقومون بالاصطفاء، فليس أمامنا سوى خوض التجربة حتى نهايتها، حتى لو كانت لنا تحفظات على شروطها، وآليتها..

….

هذه مقاطع من قصيدة “قمر جنوبي”… التي كتبها أحمد بخيت عن والده، والتي استخدمها كتعويذة للمرور في الأدوار التمهيدية للمسابقة… سيتضاعف إحساسك بهذه المعاني وصدقها وإنسانيتها، لو قدر لك أن تسمعها مباشرة من فمه… فلا تبخل على نفسك بهذه المنحة..

 

قمر جنوبي

لا تنتظر خِصْماً أقل شجاعةً

وارفعْ جبينَكَ

مثلما  عوَّدتنا

تتبرجُ الدنيا

ونَكْسِرُ كِبْرَها

ونقولُ: يا حمقاءُ

غُرِّي غَيْرِنا

…..

هون عليك

وأعط موتك فرصة

واشكره أن وهب اغترابك

موطنا

يا نائيا عني

بمتر واحد

الآن وسعت المسافة بيننا

…..

نلتفُّ حولَكَ

نحن حولَكَ يا أبي

فابْسُطْ عباءاتِ الحَنانِ

وَضُمَّنا

قل: مرحباً،

قل: أي شيء طيب

لا تتركِ الكابوسَ يُفْسِدُ حُلْمَنا

حول صِغارِهِمْ

 نشتاق أن تأني

وأن تحكي ْ لنا 

وانتظرتُكَ

يا أبي

الآن

بادِلْني الحديثَ

مكَفَّنا‍‍

……

إنا قصائِدُكَ الجميلة

  يا أبي

الله أبدعنا

وأنت رويتنا

نَثْرٌ هيَ الأيامُ

نَثْرٌ باهتٌ

وتصيرُ شِعراً

كلما اتقَدتْ بنا!

…….

أتأملُ الحداَّدَ

في سِتِّينه

قمراً جنوبياً

يرنِّقُ حولنا

ويقولُ: يا ولدي تَعِبتُ،

فَخُذْ يدي

ثَقُلَ الحديدُ عليَّ

والظَهْرُ انحنى!

 

أنصت لصوتيَ فيكَ

صدقاً جارحاً

فالموتُ يَعجَزُ

أن يُبَدِّل صوتنا

لا تحمِلِ اسْمِيَ فوق صدرِكَ

صَخرةً

أسماؤنا وطنٌ

يُعَمِّرُه السنا!

كن ما أحُّبكَ

كَمْ أحُّبكَ

لا ينحني فقراً

ولا يطغى غِنى

……..

لا يشبِهُ الشعراءَ

يُشبِهُ شعْرَه

إن البناءَ الفذَّ

يشبه مَنْ بَنَى!

لا دمعَ يبقَى

كلُّ دمعًٍ زائلٌ

إلا الذي بالحبِّ

يَغسِلُ صدرَنا

دمعُ المناحةِ دائماً متأخرٌ

في نطفةِ الميلادِ

نحمِلُ حَتفَنا!!

ولازال… الإبحار مستمراً في عالم أحمد بخيت الفريد…

Advertisements