الوسوم

أظنه الشاعر الإنجليزي الشهير ت. س. اليوت هو الذي قال: “كل الناس كتبوا الشعر دون الخامسة والعشرين من عمرهم. الشعراء فقط هم من واصلوا الكتابة بعد ذلك”. .. عن نفسي فلا زلت أكتب حتى بعد أن جاوزت الأربعين، دون أن أعد نفسي شاعراً.. أغفل إليوت الفرق بين أن تكتب وأن تكون كاتباً، وأن تخطب وأن تكون خطيباً، وأن تطبخ وأن تكون طباخاً، وأن تتزوج وأن تكون زوجاً، وأن تُشعر وأن تكون شاعراً.

والفرق كمي وكيفي… فليس ثمة شاعر مجيد (بفتح الميم)، إلا وهو شاعر مجيد (بضمها) مكثر، باستثناءات محدودة – كأبي القاسم الشابي- يمكن أن تنسب إلى الظرف التاريخي أكثر من أن تنسب إلى الوهج الشعري.  والإكثار من الجيد يستلزم وقتاً ممتداً، واستثارة مستمرة، ومناخاً مواتياً، والجمع بين الثلاثة يحتاج إلى تضحية لا يستطيعها إلا الملهمون الحقيقيون، وهم من وصلوا إلى ذلك المقام التي عناه طاغور بقوله: “أنا لا أذهب إلى الشعر الجيد… الشعر الجيد يأتيني”… وهم من تحول الشعر عندهم عبر محطات متعددة من:

اجتهاد بالقراءة المطولة والنقد الذاتي إلى ملكة

ومن ملكة اصطياد المعاني المبتكرة إلى عادة

ومن عادة الحديث بالشعر كالتنفس والنوم إلى طاقة.

والطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم.

…….

حدثتكم أن أحمد بخيت حين كان في السادسة قال لمعلمته في الصف: “إنه يود أن يكون نبياً”، ولما كبر قليلاً عرف أنه قد حقق أمنيته بطبعة القرن الحادي والعشرين، فصار شاعراً. .. أما العبد لله، فقد انتظرت حتى التاسعة من عمري دون أن يسألني أحد “تحب تطلع إيه؟”، فسألت نفسي وأجبتها، وحملت الإجابة إلى والدي على شكل هذا السؤال: ” اللي يحب يبقى رئيس وزراء… تفتكر يدخل كلية إيه؟”.. فنظر إلى بخليط من الإعجاب والدهشة، وقال لي: “ما دمت طموحاً لهذه الدرجة، فلماذا لم تفكر في أن تكون رئيساً للجمهورية”، فقلت على الفور: “فكرت… بس ما أحبش أطلع ضابط”!!

الأمر إذن لا يتعلق بالموهبة فحسب، وإنما بالقرار الشخصي، فقد اختار الشعراوي أن يكون داعية لا شاعراً، واختار الغزالي أن يكون مفكراً لا أديباً، واختار إبراهيم ناجي أن يكون شاعراً لا طبيباً… ومن اختار أن يكون أمير الشعراء… فسيكونها بإذن الله بالمسابقة وبغيرها.

…..

طموح أحمد بخيت لتكون له صفحة خاصة في سفر الشعراء الكبار على مدار التاريخ العربي طموح مشروع، ما دام يسعى لتحقيقه بمثابرة وعزيمة، وما دام يستحقه بموضوعية وحياد. بل إني أعتبره في حالة أحمد بخيت واجباً ومهمة أكثر منه حقاً ورغبة.

وأحمد بخيت أكثر شعراء جيله بحثاُ عن صوته الخاص ومعجمه الخاص وصوره الخاصة وأدائه الخاص، و من كان هذا حاله …فلا يغضبه أكثر من أن يوضع في مقارنة مع غيره من الشعراء الكبار ولو بغرض الإشادة، ومع ذلك فلا أملك وأنا أتحدث عن مغامرتي أحمد بخيت بالكتابة للطفل وعن الطفل، وكتابة الشعر الديني إلا أن أستدعي إلى الذاكرة تجربة أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932)، وبين التجربتين مائة عام كاملة، يمكنك أن تملأ هذه الفترة بما شئت من فروق في المعطيات المدنية لتنتهي إلى ما شئت من استنتاجات عن فروق في اللغة والمشاعر. 

كتب أحمد بخيت ديوان “صغير … كبير”… وهي مخاطرة يمكن أن تذهب بكل جهوده لوضع نفسه على خارطة الشعر العربي جغرافية وتاريخاً.. لكنه غامر وعبر بسلاسة، وشارك في أمسية خاصة للأطفال في سلطنة عمان وألقى مقاطع منه في المغرب، وفاز بجائزة عن أدب الأطفال في الشارقة عام 2005، وأبشره بأنه حاز على جائزة الناس (ناقده الرئيس) حين قرأ ابني محمود (سبع سنوات ونصف) فقرات  من حوارية (صغير .. كبير) قبل عدة أيام، بل إنه قد حفظ ذلك الجزء الذي يقول فيه الكبير للصغير:

ألم تذهبْ لمزرعةٍ؟ ألم تذهبْ إلى البستانْ؟

هناكَ الوردُ  والنَّعْناعُ والزَّيتُونُ والرُّمَّانْ

على رَغْمِ اختلافِ الكُلِّ يَنْمُو الكُلُّ في اطْمِئْنانْ

فهل شاهدتَ معركةً لبامِيَةٍ وبَاذَنْجَانْ؟

وهل ألقَتْ جُيُوشُ الوَرْدِ قُنْبُلَةً  على الرَّيْحَانْ؟

جميعُ الناس يا ولدي الحبيبَ جميعُهُمْ إخوانْ

وعالَمُنَا هُوَ البيتُ الكبيرُ وكُلُّنا سكَّانْ!

لنا حقُّ الحياةِ مَعَاً وَلاَ تفضيلَ بالألوان

…..

ولو كنت مكان أحمد بخيت فلن أتهور وألقي بعضاً منها في المسابقة، وقد عرف بخبرته وذكائه توجهات اللجنة… التي تبحث عن شعراء يجيدون “التشعير”، و يعقدون عناقيد الصور، و يثمنون الإدهاش، ويكرهون السردية والنظم التعليمي. لو كنت مكانه لفعلت ذلك… ولكن من يضمن لي جنوح الشعراء، وجنونهم.

 

وكذلك كتب أحمد بخيت “بردته”، لتنضم إلى أكثر من خمسين بردة عربية أخرى … وكتب قصيدة كاملة عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم استعرضت أهم مواقف السيرة العطرة،

قُلْ باسْمِكَ الله واصْعَدْ بي لسدرتهِ
واخْشَعْ لِمَنْ تخشعُ الدنيا لِهَيْبتِهِ
هذا مَقامٌ كريمٌ، لايليقُ بهِ
إلاّ فؤادٌ كريمٌ في محبَّتهِ
لولا المحبةُ لم تَثْبُتْ بنا قَدَمٌ
مِنْ خشيةِ اللهِ، إجلالاً لِرَحْمتِهِ
يأتي التجمُّلُ مِنْ شِعْرٍ وشاعِرِهِ
أمّا الجمالُ فَمِن قلبٍ وخفقَتِهِ
كأنها بيعةُ الرِّضوانِ خالصةً
إذ قلبُ كلِّ محبٍّ عندَ بيْعَتهِ
ذي بُردةُ الطُهْرِ، لا وزنٌ وقافيةٌ
بل سَجْدةُ الشِّعْرِ في محرابِ تَوبَتِهِ
…….

وكتب أيضاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

لَمَّا وقفتُ أمامَ بابِ مُحَمَّدٍ
كرَّمتُ باسْمِ مُحَمَّدٍ أشعاري

واللهِ مُذْ غنّيتُ باسْمِ المصطفَى
ما مَرَّ شيطانٌ على قِيثَارِي

تتوضّأ الكلماتُ فوقَ أناملي
وَتَجِيءُ ساجدةً إلى أَوْتَاري

إنِّي لأَشْهَدُ أن حُبَّ المصطفَى
قَدْ فضَّ خَتْمَ فَمِي، وفكَّ إساري

وَجَلاَ بنُورِ اللهِ ليلَ بصيرتي
لأراهُ ملءَ السمعِ والأبصارِ

قالوا: “مَدَحْتَ”، فقُلْتُ: ما أنا مادحٌ
حاشايَ من جَهْرٍ ومن إسرارِ

أَنَّى أقولُ لَقَدْ مَدَحْتُ مُحَمَّداً
وأنا الذنوبُ، وذِكْرُهُ استغفاري؟!

إني مدحت مُحَمَّداً بمُحَمَّدٍ
وذبحتُ كِبْري لحظةَ استكْباري

….

 

كما كتب قصيدة رائعة عن الإمام الحسين بعنوان منبر الإمام … جاء في مطلعها..

أَسْمَاُؤنَا الّصحراءُ واسْمُكَ أخْضَرُ   أرني جِراحَك كلّ جرحٍ بَيْدرُ
 يا حِنطةَ الفقراءِ يا نبع الرضا    يا صوتنا والصمت ذئب أحمر
يا ذبح هاجر يا انتحابة مريم       يا دمعَ فاطمةَ الذي يَتحََدّرُ
إيٍِهٍ أبا الشهداء وابن شهيدهم   وأخا الشهيد كأن يومك أعصر
……

لا يعلم أحد ماذا تخبيء لنا الأيام… ولكن القدر الذي سمح لبوش أن يرأس أمريكا سيدة الدنيا مرتين، وأن يكون محمد سعد نجم شباك لبضع سنين، وسعد الحريري زعيماً سياسياً، والراقصة دينة موجهة تربوية… يمكن أن يحمل أقسى المفاجآت فلا يفوز أحمد بخيت بالجائزة… مع تقديري الشخصي لمجموعة تابعتها من الشعراء من تونس وسوريا والعراق والمغرب وموريتانيا.

ومن المؤكد أن الموهبة وحدها لا تكفي، ومن المحتمل أن تكون نصاعة تجربة أحمد بخيت وشهرته مقارنة بالمجموعة المشاركة سبب ضغط خفي على لجنة التحكيم، حتى لا تتهم بالمجاملة … وحسناً فعل الدكتور صلاح فضل حين غاب عن المشاركة في تقييم أحمد بخيت في التجربة الأولى. على أية حال، فالتوفيق يحتاج مع الموهبة إلى دعاء الوالدين، والاجتهاد في الملعب… وقد ضمنا لك الأولى، فلا تتهاون في الثانية.

….

خفف عنك توترك يا صديقي… واطمئن فسيكون لك بإذن الله ما تريد…

ولن تخذل عظام أبيك الحداد في قبره..

ولا شال أمك في صلاتها…

ولا ابتسامة أطفالك الأربعة، وهم يتحلقون – مع الجيران – حول شاشة التلفاز..

يتابعون بفخر وإعجاب جولات أبيهم وصولاته على فرسه النبيل …

ينتقل في Game  ممتع من مرحلة لمرحلة… يتلقى الطعنات، ويكتسب في كل مرحلة … حياة فوق حياة…فوق حياة..

….

 

Advertisements