الوسوم

,

لماذا خفت الصوت المنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر؟

هذه  صفحات من تاريخ مصر المعاصر كي لا ننسى.

في مجلس 84- 87 اتفق التيار الإسلامي في المجلس – ومعظمهم من نواب حزب الوفد – مع الأستاذ إبراهيم شكري رئيس حزب العمل – الذي أصدر الرئيس مبارك قراراً بتعيينه بعد فشل حزبه في تحقيق نسة 8% المطلوبة – حسب القانون الصادر حينها- ، ومع كل من الشيخ عطية صقر والشيخ رمضان عرفة وكلاهما من أعضاء الحزب الوطني على تفعيل قوانين “الشريعة”، التي ظلت حبيسة الأدراج لسنوات طويلة.

ولخبرته في جمع التوقيعات، وكسب التأييد الشخصي لمواقفه، تولى الدكتور عبد الغفار عزيز هذه المهمة ونجح في جمع توقيعات 64 عضواً من أعضاء المجلس – معظمهم من نواب الحزب الوطني – على طلب لمناقشة تطبيق الشريعة الإسلامية، فوجيء به أمامه على المنصة الدكتور رفعت المحجوب رئيس المجلس، والسيد كمال الشاذلي رئيس الهيئة البرلمانية للحزب الوطني – الذي نظر شذراً إلى أعضاء حزبه، وكأنه يحاول أن يستخرج بعينيه المدربتين خبيئة كل منهم، ويحاسبهم على جهلهم بمفهوم الانتماء الحزبي. فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقنع نفعله، ولا يحق لعضو أن يوقع على استجواب أو طلب إحاطة حتى يأخذ الإذن من أمين الحزب في دائرته.

وفي 26/1/1985 نجح التيار الإسلامي في تمرير الطلب، وتحدَّدت جلسة يوم 4 مايو من نفس العام لمناقشة الطلب في محاولة من رئيس المجلس للتسويف، حتى يتدارك الموقف.

وفي محاولة منه للالتفات على الطلب، أوعز المحجوب للجنة الشئون الدينية والأوقاف بالمجلس إلى عقد جلسات استماع حول الدعوة الإسلامية، ودعت اللجنة بالفعل زعماء ورؤساء الأحزاب والتيارات السياسية وشارك فيها الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين، كما شارك فيها عدد من رؤساء المؤسسات الدينية المدنية كالطرق الصوفية والجمعية الشرعية وغيرها.

و تقرر عرض تقرير اللجنة على المجلس يوم 4 مايو وهو نفس اليوم الذي سبق أن وافق المجلس على مناقشة اقتراح تطبيق الشريعة الإسلامية، وكان الغرض من ذلك أن تدورالمناقشة في معظمها حول تقرير اللجنة فيما يخص الدعوة الإسلامية، و تصبح قوانين الشريعة جزءاً منه حتى يتم هضم حقه في المناقشات، ونجحت الخطة.

تمكن رفعت المحجوب بالتنسيق مع الدكتور محمد علي محجوب رئيس لجنة الشئون الدينية – والذي تولى بعد ذلك منصب وزارة الأوقاف من 1986- 1996 مكافآة له على جهوده في خدمة الحزب داخل المجلس- في ضم الموضوعين، وأصبحت الجلسة تناقش تقرير اللجنة الذي جاء في ثلاثة أقسام: الدعوة الإسلامية ومقوماتها ووسائل النهوض بها في الداخل والخارج، ودور أجهزة الإعلام في مجال الدعوة الإسلامية، ثم تنقية القوانين مما يخالف الشريعة الإسلامية”. ثم ختم د. محجوب استعراض تقرير اللجنة بقوله: “إن اللجنة ترى ضرورة تنقية القوانين القائمة مما يخالف الشريعة الإسلامية، وأن يحرص الجميع أن تكون معالجة هذه القضية في جو من الهدوء والحكمة وبعيدًا عن الإثارة والمزايدة.”

وكان ممثلو التيار الإسلامي قد اختاروا المتحدثين في الموضوع، واتفقوا على أن يكون ترتيب حديثهم على النحو التالي:

         الشيخ عطية صقر باعتبار أنه عضو بالحزب الوطني، وأكبرهم سناً، ولموضوعيته وهدوئه، وقدرته على تفويت الفرصة على المتربصين.

         الشيخ صلاح أبو إسماعيل، أقدم ممثلي هذا التيار في المجلس، وأعلمهم بتاريخ المجلس مع القوانين السابقة.

         الأستاذ إبراهيم شكري رئيس حزب العمل، وهو من كبار المؤيدين لفكرة تطبيق الشريعة الإسلامية.

         الدكتور عبد الغفار عزيز أستاذ الدعوة الإسلامية، فإذا كان تقرير اللجنة عن الدعوة فلابد أن يتحدث المسئول عن تخريج الدعاة، ومنها يمكن أن يعيد الحديث إلى قضية تطبيق الشريعة، وعلاقتها بالدعوة.

         الأستاذ حسن الجمل – صاحب عدد من المشاريع التي قدمها في الدورات السابقة عن نفس الموضوع.

         الأستاذ عبد المنعم حسين عضو المجلس عن حزب الوفد وأحد ممثلي الإخوان.

         الأستاذ محفوظ حلمي عضو المجلس عن حزب الوفد وأحد ممثلي الإخوان.

         الشيخ رمضان عرفة عضو المجلس عن الحزب الوطني، لكسب مزيد من التأييد من أعضاء الحزب الوطني.

واتفق الجميع على مضمون مداخلة كل منهم، بحيث لا يكون هناك تكرار، وتتكامل في النهاية لتعطي تصوراً متكاملاً عن القضية وأبعادها، والمطلوب تجاهها. وعقدت معظم لقاءات التحضير لهذا اليوم التاريخي على سطوح منزلنا بدار السلام بالقاهرة، لأن غرفة الصالون كانت لا تتسع للحاضرين، كما عقد بعضها في مكتب الشيخ صلاح أبو إسماعيل بالدقي.

وعلى الجانب الآخر كان رفعت المحجوب وعصابته يخططون لإدارة الجلسة بشكل مختلف. وقد بدأ الشيخ عطية صقر حديثه، وكان موفقاً هادئاً جريئاً وواضحاً ومنظماً، فكسب العديد من النقاط لصالح الفكرة. و خلاصة ما قاله الشيخ عطية صقر – كما جاء بالمضبطة ويمكن أن يعود لنص ما قاله من يريد- أن مقدمي الطلب فعلوا ذلك لجملة أسباب هي:

إبراء ذمتنا أمام الله تعالى بعد أن شاء لنا أن نكون في موقع التشريع، وفي موضع المسئولية أمام المشرع الأكبر سبحانه، وفي محل الثقة من أبناء هذا الشعب المؤمن المتدين. وأن هذا الموضوع من الموضوعات التي تشغل الرأي العام كله، وأن غياب القوانين الإسلامية يؤدي إلى وجود كثير من الانحرافات في المجتمع. وأن المجلس السابق مشكورًا قد أتم تقنين قوانين الشريعة الإسلامية في الجنائي والمدني والاجتماعي والاقتصادي والتجاري والبحري، ولا يوجد ما يبرر تأجيل طرحها للمناقشة. خاصة وقد نادت جميع الأحزاب خلال المعركة الانتخابية الأخيرة بتطبيق الشريعة الإسلامية وجعلت هذه الأحزاب تطبيق الشريعة مبدأً من مبادئها.  وأنه مطلب دائم منذ مائة عام، و أن تطبيق الشريعة الإسلامية احترام للدستور  الذي نص في بابه الثاني أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع.

وطالب المستشار ممتاز نصار رئيس الهيئة البرلمانية للوفد المجلس بأن يبدأ فورًا في تقنين أحكام الشريعة الإسلامية،  – ولم يكن في خطة التيار الإسلامي أن يتحدث، لكنه حين طلب الكلمة نالها كزعيم للمعارضة بالمجلس-  كما طالب بأن تبدأ اللجنة التشريعية فورًا ببحث أحكام الشريعة الإسلامية ومدى اتصالها وتطبيقها على القوانين المغايرة في هذا الشأن، لكنه فاجأ الجميع باقتراحه بالبدء من جديد دون استكمال ما تم الانتهاء منه بالفعل في المجلس السابق، وهو ما كان تراجعاً وتهرباً لامه عليه سائر المتحدثين بعد ذلك..

Advertisements