الوسوم

,

لماذا خفت الصوت المنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر؟

هذه  صفحات من تاريخ مصر المعاصر كي لا ننسى.

في اجتماع للجنة البرلمانية للحزب الوطني عام 1984 لاختيار مرشح الحزب في لرئاسة مجلس الشعب، طرح اسم الدكتور رفعت المحجوب. وكان أحد العشرة الذين تم تعيينهم بقرار جمهوري لاستكمال عدد الأعضاء كما ينص الدستور. كان رأي الكثيرين من قدامى النواب أنهم أولى بهذا الترشيح، وأنه ليس لدى الدكتور رفعت ما يميزه “ليهبط عليهم هكذا بالبراشوت”.

وتشجع أحدهم وقال للرئيس في الاجتماع: “سيادة الرئيس. لا اعتراض علينا على شخص الدكتور رفعت، ولكن أخشى أن تقول أحزاب المعارضة إن رئيس مجلس الشعب شخص معين، وأرى أن يتم الترشيح من بين المنتخبين وليس المعينين”.

ويبدو أن الكلمة صادفت صدى طيباً لدى جماهير الحضور، فبادر الرئيس بالرد على البديهة قائلاً. “اقعد يا فلان. منتخبين إيه ومعينين إيه. ما أنتم كلكم معينين”. كان الرئيس – بذكائه المعروف- يشير إلى قانون القائمة النسبية، وفيه يقوم الحزب بتحديد (تعيين) عشرة مرشحين من أعضائه في كل دائرة. وإن كانت العبارة تحمل أيضاُ الإشارة إلى معنى تدخل جهة الإدارة والشرطة للمساعدة في إنجاح مرشحي الحزب الحاكم، فمن تم اختياره في القائمة ضمن بنسبة كبيرة نجاحه في الانتخابات، إذن فهو في نهاية المطاف “معين” وليس “منتخباً”.

لم يكن غريباً إذن أن معظم أعضاء الحزب الوطني الذين وقعوا قبل شهور على طلب المناقشة، هم أنفسهم الذي سعوا – اعتذاراً عن خطئهم وطلباً للصفح من قادتهم- على التوقيع على طلب إغلاق باب المناقشة. وهنا أدرك الدكتور عبد الغفار عزيز  أن الكارثة المسماة “الالتزام الحزبي” ستقف حجر عثرة أمام أية محاولات جادة للإصلاح لا تجد دعماً من الحزب الحاكم. وهنا أصبح مجلس الشعب طريقاً مسدوداً، وكان لابد من التفكير في بديل. ومن ثم كان التفكير في أمر المسيرة.. الميسرة الخضراء.

تفاصيل الخطة التي لم تعد سرية

فور انكشاف نية الحكومة في إقفال الطريق أمام نواب الشعب في تفعيل قوانين الشريعة الإسلامية، رغم دعم شيخ الأزهر، ومستشاري وزارة العدل، ونادي القضاة برئاسة المستشار يحيي الرفاعي، والنقابات المهنية التي كان يسيطر عليها الإخوان المسلمون.

كان لابد من الضغط وكانت الوسيلة الوحيدة لإحداث رد فعل مدوي، ليس هو الكتابة في الصحف، ولا الندوات في النقابات وأماكن التجمعات، وإنما مسيرة شعبية ضخمة يتم التجهيز لها بحرفية لتخرج عقب صلاة الجمعة في منتصف يونيو 1985، وتتوجه من مسجد النور بالعباسية _وكان لا يزال بأعمدته الخراسانية -، إلى القصر الجمهوري في مصر الجديدة، يتزعم المسيرة نواب التيار الإسلامي، وقادة أحزاب المعارضة المتحمسين للحل الإسلامي، ويتم تغطيتها إعلامياً بشكل جيد عن طريق إبلاغ جميع وكالات الأنباء العالمية وجرائد المعارضة، وتسير المسيرة في صمت ودون هتافات، حتى تصل إلى القصر الجمهوري، فيتقدم وفد منتخب من قادة المسيرة، لمقابلة السيد رئيس الجمهورية، وإعطائه عريضة بمطالب الشعب، ويطلب منه الوفد موعداً للرد، ثم تنصرف الجموع في سلام.

وكان أقل المتشائمين يتوقع حضور ما لا يقل عن خمسين ألفاً، ولكن الاستعدادات كانت تجري بحيث يتم استيعاب مائة ألف، والتحكم في حركتهم دون تجاوزات. 

مسجد النور بالعباسية

ظل مسجد النور بالعباسية تحت إدارة جمعية الهداية الإسلامية برئاسة الشيخ حافظ سلامة، الذي امتد نشاطه في هذه الفترة من السويس إلى القاهرة. وكان يتولى الإشراف على البناء والتشطيبات للمسجد الذي ظل مهجوراً لمدة تزيد عن 15 عاماً.

وقد بدأت علاقة الشيخ حافظ سلامة بمسجد النور منذ وقت مبكر في أعقاب حرب 1973 حين دعاه الملك فيصل للحج هو والمجاهدين وأمهات وزوجات الشهداء. وقد قابل الملك فيصل في قصر البطحاء بمكة المكرمة، ورفض الشيخ أن يقبل أي هدايا شخصية، وإنما طلب دعماً لناء مسجد النور بالعباسية، فتبرع الملك ب 5 ملايين ريال سعودي، ساهمت إلى حد كبير في أعمال البناء الأولية.

وقد استشعرت جهات الأمن منذ عهد الرئيس أنور السادات الخطر الذي يمكن أن يمثله حجم المسجد وموقعه على الاستقرار الأمني في مدينة القاهرة، فتواصوا بالإبقاء عليه مهملاً حتى حين. وحين تهيأت لهم الفرصة لهدمه بحجة إنشاء كوبري (جسر) من العباسية إلى مدينة نصر سارعوا بإعداد الدراسات الهندسية للمشروع وعهدوا بها إلى شركة المقاولين العرب المصرية.

واستمر هذا المخطط في عهد الرئيس حسني مبارك، وشرعوا بالفعل في اتخاذ الإجراءات التنفيذية، عندما انبرى لهم الشيخ حافظ سلامة وأنصاره. وكانت وسيلتهم في المقاومة مجدية، فقد قرروا أن يقرأوا “عدية ياسين” في الميكروفون كل يوم جمعة، ثم الجهر بالدعاء لله تعالى أن يخسف الأرض بمن يقدم على المساس بالمسجد. ولم يجرؤ المهندس حسب الله الكفراوي، وكان وزير الإسكان في هذه الفترة أن يتخذ أية إجراءات عملية للتنفيذ. فتم تعديل مسار الكوبري على النحو الذي هو عليه اليوم، وحمت سورة ياسين المسجد من الهدم والتخريب.

كانت الخطوة التالية هي عمارة المسجد بالخطب والمحاضرات والندوات، وكان ذلك أهم (وأرخص) من عمارته بالفرش والتشطيبات التي كانت تتكلف في أقل التقديرات 16 مليوناً من الجنيهات المصرية الشحيحة.

وهكذا ساهم الشيخ صلاح أبو إسماعيل والشيخ محمد المطراوي خطيب مسجد السيدة زينب، واالدكتور عبد الغفار عزيز وآخرون في عمارة المسجد، وتعهد كل منهم بإقامة خطبة شهرية في المسجد. ولك أن تتخيل أن حضور الخطبة الأولى كانوا أقل من 50 شخصاً كان عليهم أن يبحثوا عن طريقهم وسط الأتربة وبقايا الأسمنت وأدوات البناء، وفي أقل من شهرين صار رواد المسجد يزيدون عن خمسة آلاف شخص يفترشون أدواره المختلفة، وقد قاموا بتنظيفه وتهيئته للعمل، رغم عدم وجود تيار كهربائي أو دورات مياه.

كانت التجربة مثيرة، والنتائج مثمرة، والشباب الذي يردد وراء الخطيب آمين يهز أرجاء المكان. وقد أبدى الدكتور عبد الغفار عزيز رحمه الله دهشته وإعجابه بعدد الحضور وحميتهم، فسأل الشيخ حافظ: من أين يأتي كل هذا الشباب المفرح؟ فرد الشيخ بحكمته البليغة: لا تقل من أين يأتون، بل قل لماذا يأتون؟!

والطريف أن المسجد كان يحاط في كل خطبة بعربات الأمن المركزي، وعشرات الضباط من رتبة لواء فما دون تحسباً لأي تهور يقوم به المصلون. وكانت العادة أن يجلس الضباط في سياراتهم، أو على كراسي بجوار المسجد وأمامهم طاولة عليها الشاي والمياه الغازية الباردة في الحر، وأجهزة اللاسلكي، وكان من النادر أن يقوم أحدهم بالصلاة، وإذا صلى أحدهم كان عليه أن يأخذ الإذن من الرتبة الأعلى.

وكان الدكتور عبد الغفار عزيز رحمه الله تعالى لا يكف عن توجيه النداء لهم في خطبه بأسلوبه المحبب، وبتهذيب يخجل المستمع أن ينضموا إلى إخوانهم في الصلاة، وأنه عليهم حتى يرزقهم الله “التوفيق في عملهم” من “القبض على المصلين” أن يتقربوا إلى الله تعالى بالطاعة حتى لا يتخلى عن نصرتهم، ومع الوقت صار مألوفاً أن يصلي الضباط، ومعظم الجنود إذا حان وقت الصلاة، بل إن أحد اللواءات ضبط متلبساً بالصلاة في الصف الأول، وحين انتهت الصلاة تعمد الدكتور عبد الغفار عزيز أن يحرجه فاعتنقه عناقاً حاراً وسط تهليل المصلين وتكبيرهم، وفي الجمعة التالية سأل الدكتور عبد الغفار عزيز عنه، فقال أحدهم إنه قد صدر أمر بنقله، وقال آخر: بل أحيل للاستيداع.

ولم تكن الحكومة لتقف مكتوفة الأيدي وهي ترى الأمور تفلت من أيديها، فصدر قرار بحل جمعية الهداية وإبعادها عن إدارة المسجد، وحين كسب الشيخ حافظ القضية التي رفعها في هذا الشأن صدر قرار آخر بالحل. ثم لم تجد الحكومة حلاً لهذه المعضلة إلا بتوفير الاعتمادات الرسمية لاستكمال المسجد، وهكذا شرعت في استكمال تشطيبه، وأغلقته بحجة التشطيبات، وقد استمرت في هذا الأمر لسنوات حتى أتمت قلعة ثقافية رائعة، وعهدت بإدارته إلى وزارة الأوقاف. وما أدراك ما وزارة الأوقاف.


Advertisements