الوسوم

,

لماذا خفت الصوت المنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر؟

هذه  صفحات من تاريخ مصر المعاصر كي لا ننسى.

وناقش الوالد الشيخ مع السيد الرئيس ما أعلمته بشأنه الأستاذة كريمان حمزة المذيعة في التليفزيون المصري، من أن قيادات الإعلام في مصر تقف ضد البرامج الدينية وتدعي أن هذه هي تعليمات الرئيس. وكان يشير في هذا الصدد إلى بعض المواقف التي أعلمته بها الأستاذة كاريمان حمزة ونشرتها بعد ذلك في كتابها “لله يا زمري”، ومنها أنها لما ذهبت لمقابلة وكيل وزارة الإعلام بالتليفزيون المصري انتفض واقفاً وقال لها: كريمان .. إحنا مش عايزين إسلام ـ الرئيس مبارك مش عايز حاجة فيها إسلام !! فقالت له على الفور: إلا الإسلام الوسط الحقيقي ـ قال فوراً وبحرارة: ولا حتى الإسلام الوسط .. الإسلام الوسط ده بالذات مش مطلوب”.

و قص عليه ما حدث لبرنامجها المبشرون بالجنة، حيث أعددت ثلاثين حلقة عن العشرة المبشرين بالجنة ، وبعد إتمام العمل ومراجعة الرقابة له جن جنون رئيس التليفزيون الذي كان جاهلاً تماماً بالسيرة والتاريخ، وقال لها: لماذا عشرة ولماذا لا يكونوا إتـنين أو تلاته أو خمسه ؟؟ وبعدين العشرة كلهم من أيام الرسول لماذا؟ .. مفيش واحد من اليومين دول مبشر بالجنة .. واحد من السلطة مثلاً .. يعني عاطف صدقي مش مالي عنيكي .. ولا صفوت الشريف .. إنتي مش ذكيه بالمرة .. كان واجب تختاري اتـنين من الماضي وإتـنين من الحاضر ، والصحفي “فلان” قال لي إن العشرة المبشرين بالجنة كلهم إرهابيين .. ووالله لن تذاع الحلقات لو على جثـتي !!

وأبدى الرئيس دهشة لما سمع، وأنكر أن تكون له أية توجهات ضد الإسلام، أو البرامج الدينية، وكرر ما يردده وزير إعلامه من أن عدد ساعات البرامج الدينية في الإعلام المصري، يفوق أي عدد كان في أي عهد سابق. وربما كان من نتائج هذا الاجتماع أن صدر بعد ذلك برنامج “ندوة العلماء” للدكتور محمد عمارة، الذي استمر لشهور معدودة ثم توقف، لا يعلم أحد فيم كان صدوره، ولا لماذا توقف؟!

******

سأله الرئيس عن حقيقة انتمائه للإخوان المسلمين، فرد قائلاً:

“لست إخوانياً وإن رأيت الانتماء إليهم شرف لم أنله. ولست وفدياً وإن كنت أحترم رموز هذا الحزب وأعترف بقدرات ومميزات الكثيرين من أعضائه. ويعلم الله أني أؤيد كل رأي سديد أياً كان صاحبه ومهما كانت هويته، ففي كل حزب من أحزابنا المصرية أستصوب آراء وأرفض أخرى”.

ثم انتهز هذه الفرصة ليقول للرئيس: “أنا أرى أن ما تسمونه التزاماً حزبياً يتعارض تماماً مع ما أعطاه الدين للمسلمين من حرية شخصية، وأحقية كل منهم في إبداء رأيه بما يشاء.”

“بصراحة شديدة ودون لف أو دوران أستطيع أن أقول لك من منطلق المشاهدة والمشاركة: أن أعضاء مجلي الشعب الحالي (1984-1987) من منتسبي الحزب الوطني لا يستقلون برأي ولا يفصحون عما بداخلهم من وجهات نظر واعتقاد للأشياء. فالنظام يا سيادة الرئيس هو الذي يختار هؤلاء الأعضاءـ ويفرض عليهم ما يسمى بالالتزام الحزبي.”

” وأقسم غير حانث أن معظم أعضاء الحزب الوطني لا يعجبهم كثير من الأوضاع في بلادنا، ويعارضون في قرارة أنفسهم كثيراً من الأمور التي جاءت نتيجة موافقاتهم واستسلامهم، و هم يعترفون لأنفسهم ولغيرهم بذلك. وكان بعضهم يقول لي: أنت تعرف فهل نستطيع أن نفعل شيئاً؟”

“تصور يا سيادة الرئيس أني انفعلت مرة وتحدثت تحت القبة حديثاً أنتقد فيه عدم تغيير الدستور، واستمرار ما أرى أنه حكم عسكري. فإذا بكثيرين ممن هاجوا وماجوا وحاولوا إسكاتي داخل القاعة بإشارة من رئيس المجلس.. يخرجون ورائي وبعضهم من كبار رجالات الدولة والحزب، بل إن بعضهم كان من الوزراء السابقين، وقالوا لي لقد أحسنت وعبرت عما في صدورنا وطلبوا مني أن أزيد وأزيد”.

……..

في هذا الوقت من حكم الرئيس أبدى الرئيس في اللقاء أسفه من تقصير كثير من المسئولين في أداء مسئولياتهم، وذكر بعض الأسماء، واعترف بأن همه الأكبر مع الإصلاح الاقتصادي هو معالجة الخلل الأخلاقي ممثلاً في “الأنانية وانعدام الوفاء والحقد وانعدام الضمير”، وكان الرئيس يتحدث عن حوادث معينة وتجارب شخصية.

وقال إنه يجد صعوبة كبيرة في اختيار المعاونين، وأن كل تشكيل وزاري يمثل بالنسبة له تحدياً خاصاُ، فالمخلصون معرضون والمرشحون مشتاقون، وعليه أن يتعامل مع الأمر الواقع بحكمة وحذر.

 كانت المدة الرسمية المحددة للقاء ساعة، ولكنه استمر ساعة ونصف، طلب بعدها الدكتور عزيز الاكتفاء بهذه المدة لعلمه بدقة جدول المواعيد من رجال البروتوكول الذين جلسوا معه قبل اللقاء. وقال الرئيس في ختام المقابلة أنه لولا ارتباطه بموعد مع مسئول عراقي لجلس ست ساعات كاملة. وشدد على أهمية تكرار هذه اللقاءات، وأنه ليس على الوالد إلا أن يتصل بمكتب الرئاسة وسيكون لديهم تعليمات بتحديد موعد للمقابلة في أقرب وقت. وهو ما لم يحدث، فقد اتصل بعد ذلك الوالد ثلاث مرات، ولم يتلق رداً بالقبول أو حتى الاعتذار.

وكان انطباع الوالد عن اللقاء والرئيس إيجابياً. ولم يخف الوالد إعجابه بطيب المقابلة، وحسن الإنصات، والتواضع والبساطة والرغبة في الاستماع والاستجابة إلى النصح. وإن رأى بعد ذلك من قرارات الرئيس ما يجعله يعيد النظر في حكمه، ويتساءل عن أسباب التغيير الذي طرأ على مزاج الرئيس ومشاعره، دون أن يتخلى عن مبدئه في تقديم حسن الظن حتى آخر المطاف.

******

وحين تأكد للوالد الشيخ أن الطريق إلى باب الرئيس سدته بطانة منتفعة، لم يتوان عن أن يرسل رسائل مفتوحة إلى رئيس الجمهورية كانت تنشرها جريدة الوفد، وفيها نبه الرئيس إلى عشرات القضايا التي تخص أمن المجتمع السياسي والثقافي، ونادى من خلالها إلى إعادة النظر في تشكيل الهيئات الدينية العليا، ووجه نظر الرئيس إلى وجوب استشارتها في قضايا الأمة الهامة.

لكن أخطر ما كتبه في رسائله إلى الرئيس، تلك الرسالة التي حملت عنوان “هل يعيد التاريخ نفسه؟”، ولا أدري إن كانت رد فعل على موقف بعينه أم على مجموعة أفعال، ولكنها كانت بمثابة النبوءة بما حدث من محاولة اغتياله الشهيرة في أديس أبابا، وإن لم تكن هذه هي المحاولة الأولى، ولم تكن بالتأكيد الأخيرة.

وفي رسالته تلك عرض لما حدث لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما كان من تمرد المواطنين عليه بسبب الحماقات التي ارتكبها بعض ولاته، من أمثال ما قام به وزيره الأول مروان بن محمد من اغتيال الصحابي محمد بن أبي بكر، وما كان من حصار المتمردين لداره لأكثر من عشرين يوماً، وهو الذي تستحي منه الملائكة. ثم اقتحموا عليه داره وقتلوه وهو ممسك بمصحفه الشريف، الذي لو لم يكن له في التاريخ الإسلامي كله فضل إلا جمع المصحف لاكتفى به تيهاً على آلاف الملايين من المسلمين.

وقتل أمير المؤمنين، ومنعت الجماهير الثائرة الجنازة من المرور، وبقي الجثمان الطاهر في بيته ثلاثة أيام حتى خرج به في الخفاء أربعة رجال ومعهم زوجته وابنته تحت جنح الظلام، حتى قال أحد حملة الجثمان: “لقد حملناه على باب، وإن رأسه لتقرع الباب لإسراعنا به”. وحين تنبه لهم بعض الأنصار منعوا الصلاة عليه، ورفضوا دفنه في البقيع وقالوا لا يدفن في مقابر المسلمين أبداً، فاضطر حاملوه إلى دفنه في مكان قريب منه كان مقبرة لليهود، وقد ضم المكان بعد ذلك للبقيع في عهد بني أمية ودفنوا فيه موتاهم.

ولما ختم الوالد الشيخ عرض هذه القصة بظلالها ودلالتها، ختم رسالته إلى الرئيس بإشارة بليغة وتعريض واضح لمن أراد أن يتعظ ويستفيد:

“سيادة الرئيس.. لقد خدم الرئيس السابق أنور السادات بلاده ودينه أكثر من حكام كثيرين حكموا مصر، ويكفيه فخراً أنه أول من غير الدستور لصالح الشريعة الإسلامية، وأول من طلب من الأزهر الشريف ومجلس الشعب أن يشكلوا لجاناً لتقنينها، وقد انتهت اللجان من عملهاـ وكانت فقط في حاجة إلى تصديق مجلس الشعب واتخاذ القرار…

“ومع ذلك أطلق عليه الإسلاميون النار لأنه انقلب عليهم، وأساء إليهم، فنسوا ونسي الناس معهم ما فعله الرجل قبل ذلك لدينهم وبلادهم، وقتل الرجل ظلماً كما قتل عثمان- وضاع الرجل، وضاعت معه إنجازات عظيمة وخدمات جليلة نتيجة تصرف خاطيء أساء تقدير نتائجه، ولم يفكر جيداً فيما يؤدي إليه من عواقب. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

……

انتهت الحلقات… ولم تنته المحاولات…. ولم تنته الدروس ……ولم ينته الأمل.

Advertisements