الوسوم

الذين ذهبوا لمشاهدة فيلم “حسن ومرقص”، خرجوا بعد مشاهدة الفيلم وهم لا يعرفون:

لماذا؟ و لا: ماذا بعد؟

لماذا توجد أسباب للاحتقان الطائفي، وما (ومن) الذي يغذيها؟ وإلى متى تظل “سلامة الوطن” عود كبريت يمكن اشتعاله في أي وقت، لا يقي منه إلا “ستر الله” ؟ وهل سيظل استقرارنا مهدداً بسبب تغذيات سلبية من الفريقين تفترض سوء نية الفريق الآخر، وترفع راية أخذ الحيطة والحذر، بداية من رفض الاستجابة لدعوات تحديد النسل (حتى لا تتغير التركيبة السكانية)، وانتهاء بتخزين الأسلحة مروراً بمنشورات التحريض ومنتديات الفتنة وأوشمة التمييز.

إن الغالبية الساحقة ممن شاهدوا الفيلم ممن هم دون الثلاثين من العمر، ليس لديهم تصور واضح ومحدد عن طبيعة علاقة أي منهم بشريكه في الوطن. وهم يتجاورون على مقاعد السينما، أو مقاعد الدراسة أو مقاعد الحافلات العامة، أو العمل… ولا يكاد يدور بينهم حوار من أي نوع. ومن كان هذا شأنه فهو غير محصن بالمرة. وربما ذهب أحدهم إلى المسجد فسمع من “شيخ!!”  أنه لا قصاص على مسلم إن قتل مسيحياً كافراً، وربما ذهب آخر إلى الكنيسة فسمع من “قس!!” أن مصر قبطية وأنه يجب تحريرها من المسلمين المحتلين.. ترى كيف يلتقيان صباح الغد وماذا تقرأ في عيون كل منهما؟!!

و حتى نعرف وماذا بعد؟ علينا أن نفهم تماماً: وماذا قبل؟

ولكن دعوني أرصد لكم أولاً يعض الأسباب التي تجعل من “المسألة القبطية”، شأناً عاجلاً وملحاً ليس فقط على مستوى البحث الأكاديمي في جماعات حقوق الإنسان، وأروقة المنتديات الثقافية والأمنية داخل مصر وخارجها، وإنما على مستوى الشأن الشخصي لكل مصري قبطي له جار مسلم، ولكل مصري مسلم له زميل عمل قبطي.. ومما رصدته من أسباب …

         الحالة الصحية لكل من البابا شنودة والرئيس مبارك، وسيناريوهات المستقبل المحتملة في حال غياب أحدهما أو كليهما عن الساحة، في ظل اهتزاز التقاليد المرعية والأعراف التي ظلت سائدة عن علاقة المسلمين بالأقباط في مصر عبر السنين. في ظل الفوضى يصبح الانتصار المرحلي حقاً مكتسباً… وهذا يغري الطامعين… ويقلق المخلصين.

         تجدد حوادث الانفعال الإسلامي- القبطي في السنوات الأخيرة، بما يستدعي المزيد من الحذر، والوعي على كل المستويات تحسباً لاستغلال سئ من جانب القوى التي تستهدف استقرار المنطقة.

         غياب رؤية واضحة محددة مطمئنة من تيار الإسلامي السياسي لحقيقة وضع الأقباط في المجتمع المسلم في حال نجاح الجهود الرامية لأسلمة الدولة. مع سيطرة خطاب ديني سلفي بين عوام المسلمين يتبنى تفسيرات ضيقة لبعض النصوص الدينية المجتزأة من سياقها العام والمعتمدة على تطبيقات تاريخية مرحلية لبعض الحكام والفقهاء، يتم الترويج لها باعتبارها المرجعية الوحيدة لعلاقة المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى.

         تزايد الحديث عن الحقوق القبطية الغائبة، وما يمكن أن تنتهي إليه هذه الدعوات المتزايدة. مع ما تقوم به بعض التيارات الأصولية الممثلة لأقباط المهجر من استغلال للمواقف السياسية والضغط على الحكومة المصرية لتغذية نزعات انفصالية عنصرية. و هو الدور الذي تعاظم مع الاحتلال الأمريكي للعراق كبداية لتواجد أمريكي مكثف في المنطقة يستهدف تغيير هويتها، ووجوب الاستعداد لهذه المواجهة.

         غياب هيبة الدولة، وانشغال كبار المسئولين فيها بمصالحهم الشخصية على حساب الهم العام، جعل الاحتكام إلى القوة، وليس القانون هو المحرك لأعمال الاحتقان الديني. مع ما صاحب ذلك من غياب دور وقلة ثقة الجمهور في آراء وفتاوى علماء المؤسسة الدينية الرسمية في هذا الخصوص. 

         تعاظم القدرة المالية لعدد من كبار أثرياء الأقباط، بما يشكل تهديداً للاقتصاد المصري في حال انسحابهم المفاجيء، وبما يمنحهم من قدرة على الضغط على الحكومة المصرية لتحقيق المزيد من المكاسب القبطية. (دفعت شركة أوراسكوم هذا العام أكبر قيمة للضرائب في تاريخ مصر، وتتجاوز ثروة آل ساويرس 40 مليار دولار بما يجعلهم أغنى عائلة عربية).

         الحملة المنظمة التي يتبناها البعض لعزل مصر عن عروبتها، والاكتفاء بالبعد الفرعوني فيها، ودعوة أن الهوية المصرية غير عربية. وعلاقة أقباط مصر بهذا التوجه، الذي تنامى حتى تم تقديم  طلب التأسيس لحزب ينادي بهذا، ويطالب بفصل مصر عن العالم العربي، وانضمامها للجامعة العربية بصفة مراقب. ومن المؤسف أن أغلب من يتبنون هذه الدعوات ويروجون لها يتسمون بأسماء إسلامية.

******

في أقل من أسبوع سمعت ثلاث مرات شباباً في العشرين يردد أن حملات الفتح الإسلامي لمصر هو غزو بالمعنى المعاصر للكلمة، وأن ما فعله عمرو بن العاص وجنوده من المسلمين لا يختلف في شئ عما فعله بن جوريون ورفاقه من مؤسسي دولة إسرائيل. وأن العرب في مصر ليسوا أكثر من مستوطنين مستعمرين احتلوا البلد، وغيروا خريطتها الديموغرافية تماماً كما يفعل الصهاينة في فلسطين. وأن مثل هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم. ويجب اتخاذ وسائل التصحيح والتصويب.

وفي إطار متابعتي للمنشور والمتداول بين الناس في مجالسهم الخاصة في هذا الشأن، بل وعلى منتديات الإنترنت وجدت خلطاً كبيراً وتشويهاً للعديد من الحقائق الدينية والتاريخية، وسوء ظن وتربص من الفريقين بالآخر، وإفصاحات من المتطرفين من الفريقين عن مكنون اعتقادهم في الآخر لا يحمل على الاطمئنان، خاصة في ضوء التربص الخارجي بمصر، واللعب بورقة الأقباط لتحقيق مصالح الغرب أكثر من تحقيق مصالح أتباع دين بعينه.

إن عمليات اكتساب الانتصارات الرخيصة من الفريقين على حساب مصلحة الوطن يمكن أن تنذر بكارثة، خاصة مع افتقاد الرضا النفسي لجماهير الشعب،  وهو ما يذكرنا بتداعيات الفتنة الطائفية التي سبقت اغتيال الرئيس السادات، مع تغليب متزايد للمشاعر الغواغائية على نداء العقل الرشيد والدين الصحيح،

حتى نعرف “وماذا بعد؟”… علينا أن نعود لنذكر أنفسنا ب “وماذا قبل”؟

هذه سلسلة من المقالات عن المسألة القبطية… حتى نفهم، ونقدر لأرجلنا قبل الخطو موضعها، ولكلماتنا قبل النطق منطقها . دون أن ننسى أننا  أقباطا ومسلمين – …

شركاء في الوطن… شركاء في التاريخ… شركاء في المصير.

 

Advertisements