الوسوم

تابع – موجز تاريخ الأقباط في مصر

لم يكن اغتيال بطرس غالي رئيس مجلس النظار في‏(20)‏ فبراير‏1910 لأسباب دينية، وإنما لأسباب سياسية أنكرت على الزعيم الكبير دوره في اتفاقية السودان‏(1899)‏،  و رئاسته للمحكمة المخصوصة في حادثة دنشواي‏ 1908,‏ وموقفه من قانون المطبوعات، وأخيراً ما تسرب عن عزمه على الموافقة على قبول عرض مد امتياز قناة السويس. وقد تبين فيما بعد أن الرجل كان قد اتفق مع سعد زغلول على عرض المشروع على الجمعية العمومية، على أن تقوم الجمعية برفضه حتى يقطع الطريق أمام شركة القناة. وقد نجح واصف بطرس غالي مع عدد من حكماء المسلمين في نزع فتيل أزمة كبيرة، عندما أصر عدد من المتعصبين من الأقباط على الثأر لرجلهم الكبير، لكنه أعلن عن قبول أسرته لتسليم المتهم إلى القضاء، والقبول بحكمه.

و في 6مارس 1911 عقد الأقباط في أسيوط مؤتمراً حاشداً  لعرض مطالبهم بعد أن نجح الاحتلال الإنجليزي في الدس عليهم وإيهامهم بأنه موجود لحمايتهم من الأغلبية المسلمة المتعصبة. وتلخصت مطالب المجتمعين في الطلب بمساواة جميع المصريين في احترام يوم الراحة الديني وبالتالي المطالبة براحة الأقباط  يوم الأحد، والمساواة في الوظائف العامة بين كل المصريين دون تمييز اعتمادا علي الكفاءة لا على الانتماء الديني، وتمثيل جميع العناصر المصرية في المجالس النيابية بما يضمن الموافقة علي حقوقهم والمحافظة عليها، ومنح الأقباط  جميع حقوق التعليم الأهلي، و الإنفاق من الخزينة المصرية علي جميع المرافق المصرية علي السواء، بما في ذلك منح ميزانية مستقلة لمحاكم الأحوال الشخصية القبطية والتعليم الديني و الأولي بين الأقباط.  ولم تجد معظم القيادات الإسلامية غضاضة في الاستجابة لمعظم هذه المطالب، بل إن عدداً من الشخصيات الإسلامية البارزة أبرق لمنظمي المؤتمر مؤيدين. ولم يمنع هذا التأييد أن يعقد مؤتمر إسلامي حاشد في إبريل من العام نفسه، للمطالبة ببعض المطالب الإسلامية، ولتأكيد حقيقة أن الإصلاح المطلوب يحتاجه المسلمون مثلما يحتاجه الأقباط.

وفي أثناء ثورة 1919 ترددت أنباء عن قدوم لجنة ملنر التي كانت ترسخ للاحتلال، فعمت مظاهر الاحتجاج الوطني التي اضطر معها رئيس الوزراء محمد سعيد باشا للاستقالة، ورفضت معظم الأحزاب ترشيح أي من رجالها لرئاسة الوزارة حتى يضغطوا على الإنجليز. وحين انتشرت الشائعات بأن السياسي القبطي يوسف وهبة باشا قد قبل هذه المهمة، كادت أن تحدث فتنة كبيرة لولا أن عدداً من قادة الأقباط برئاسة القمص باسيليوس سارعوا إلى الاجتماع في الكنيسة المرقسية الكبرى في نوفمبر 1919 وأصدروا بياناً شجاعاً جاء فيه: “‏ الطائفة القبطية المجتمع منها ما يربو علي الألفين في الكنيسة الكبري تحتج بشدة علي إشاعة قبولكم الوزارة‏..‏ إذ هو قبول للحماية ولمناقشة لجنة ملنر‏,‏ وهذا يخالف ما أجمعت عليه الأمة المصرية من طلب الاستقلال التام‏,‏ ومقاطعة اللجنة‏,‏ فنستحلفكم بالوطن المقدس وبذكري أجدادنا العظام ـ أن تمتنعوا عن قبول هذا المنصب الشائن‏’!!

وقد كفل دستور 1923 المساواة في الحقوق لكل المصريين بصرف النظر عن الدين والجنس واللغة بالإضافة إلى حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وأعطى الحرية للمصريين جميعا في تشكيل الجمعيات.

وفي المناقشات التي سبقت إصدار دستور‏1923،‏ عرض اقتراح بأن يكون للأقباط تمثيل نسبي في البرلمان‏.‏ وعندما نشأ حوار بين المؤيدين والمعارضين لهذا الاقتراح وقف قطب المشرعين وعميد أهل القانون عبد العزيز فهمي باشا‏,‏ وقال‏:‏ إنني باسم المسلمين والأقباط معا أعارض هذا الاقتراح‏,‏ لأن التمثيل النسبي لأي طائفة قد يحتم عليها ألا تتحرك إلا في حدود هذه النسبة‏,‏ ومعني هذا القيد أن الأقباط لهم وضع مختلف عن الوضع العام لسائر المواطنين‏،‏ وهو وضع أرفضه لهم بصفتهم إخوتنا في هذا الوطن‏، لهم ما لنا وعليهم ما علينا‏.‏ ولا يجوز للجنة الدستور بمن فيها من الأقباط أن تعطي للاستعمار دليلا علي تقسيم الشعب إلي أقلية وأكثرية حتى يدعي الاستعمار بأنه يحمي الأقلية‏.‏ وصفق الأقباط لعبد العزيز فهمي‏‏ وسقط الاقتراح بإعطاء الأقباط تمثيلا نسبيا في البرلمان‏.‏

وقد رفض النحاس باشا اقتراح الوصي على العرش بإقامة احتفال ديني يقام في القلعة  لتتويج الملك فاروق ملكاً على مصر عام 1937 ، يقوم فيه شيخ الأزهر بتسليم الملك سيف جده محمد علي باشا، بعد بلوغه سن الولاية وفق التقويم الهجري وقال في خطبة أمام مجلس النواب: ” إن ذلك إقحام للدين فيما ليس من شئونه‏,‏ وإيجاد سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية الإسلام لا يعرف سلطة روحية‏,‏ وليس بعد الرسل وساطة بين الله وعباده‏، ‏وليس أحرص مني ولا من الحكومة التي أتشرف برئاستها علي احترام الإسلام وتنزيه الإسلام كما أنه ليس أحرص منا علي احترام الدستور‏.‏” وبغض النظر عن السبب الحقيقي وراء هذا الرفض، فقد كان موافقاً لمناخ نجح في زرعه سعد زغلول يؤكد على علمانية الدولة، وعلمانية قراراتها.

وقد عرفت مصر المعاصرة من قديم الجمعيات الأهلية القبطية الأرثوذكسية، ومن أشهرها: الجمعية الخيرية القبطية (1881) وجمعية التوفيق القبطية (1891) وجمعية النشأة القبطية (1896) وجامعة المحبة وجمعية الإيمان القبطية (1900) ، وجمعية أصدقاء الكتاب المقدس (1908) ، جمعية ثمرة التوفيق القبطية (1908) والتي اتخذها سعد زغلول منتدى لإلقاء خطبه، وجمعية الإخلاص القبطية بالإسكندرية (1909) وجمعية ملجأ الأيتام (1917). وهذا بالإضافة الى جمعيات الأقباط الإنجيليين التي أنشأت جمعيات المساعي بداية من عام 1891م. وتأسست الجمعية الخيرية الإنجيلية عام 1937 وجمعية الشابات المسيحيات (1916).  وتشير الإحصاءات الى زيادة مطردة في عدد الجمعيات الجديدة، حيث بلغ إجمالي عدد الجمعيات الأهلية المسيحية الجديدة 116 جمعية بعد عام 1970، وبلغ إجمالي عدد الجمعيات في القاهرة وحدها 1423 جمعية.

ويبدو موقف عبد الناصر من الأقباط غامضاً، ويبدو أن قراراته بخصوصهم كانت تتسم بحسابات سياسية مرحلية، أكثر مما تنبع من مباديء أساسية يتبناها عبد الناصر معهم أو ضدهم. ففي الوقت الذي أبدى تأييداً لبناء أو افتتاح عدد من الكنائس الجديدة، مثل كنسية كوم حمادة: 1953 والتي افتتحها أنور السادات نائباً عنه عبد الناصر، ووضع حجر أساس الكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 1968 التي ساهمت الدولة في تكاليف إنشائها بمبلغ 100 ألف جنيه، ووافق على توسعة كنسية العذراء بالزيتون عام 1968 بعد حادثة ظهور السيدة العذراء التي كانت حديث مصر كلها في هذا العهد، ومع ذلك فقد عرف عنه تضييق الخناق على وصول العسكريين المسيحيين إلى المناصب العليا بالجيش وإن استعان بعدد منهم في الوزارات خاصة وزارة التموين.  

كما أن إجراءات التأميم التي قام بها في بداية الستينات، دفعت بالعديد من الأقباط إلى ترك مصر في هجرات متعاقبة، الأمر الذي أثر على تميزهم النسبي التاريخي في قطاع النقل والصناعة والبنوك، وإن بقيت لهم الحظوة في قطاع الدواء ووزارات التموين والمالية. و لم تكن هناك سياسة معلنة باستبدال المديرين الأقباط بمديرين مسلمين، غير أن تزايد هجرة الأقباط من الطبقة المتوسطة أعطى الفرصة لنظرائهم من المسلمين لأخذ أماكنهم، وإن كانوا في البداية أقل كفاءة.

ومن جهة أخرى فإن قوانين الإصلاح الزراعي شملت نزع ملكية ومصادرة آلاف الأفدنة من أراضي أوقاف البطريركية والأديرة القبطية، وإعادة توزيعها على الفلاحين المصريين، وقد وزعت معظم هذه الأراضي على المسلمين، ولم ينل الفلاحون الأقباط منها إلا النذر اليسير. وبشكل عام فإن الحراك الاجتماعي الذي أحدثته ثورة يوليو أفاد الطبقتين الوسطى والدنيا من المصريين فيما يخص التعليم والتوظيف ولم تقل استفادة الأقباط عن استفادة المسلمين من هذا الحراك، ولكن دورهم في الحياة السياسية كان أقل حظا، شأنهم في ذلك أيضا شأن المسلمين من غير المقربين من مجموعة الضباط الأحرار.

….

(رحلتنا …..مستمرة)


Advertisements