الوسوم

تابع – موجز تاريخ الأقباط في مصر

تركت وفاة عبد الناصر فراغاً سياسياً هائلاً، ضاعف من حجمه قرب العهد من الهزيمة المباغتة عام 1967، وما صاحبها من انكسار شعبي عام. وشعر الناس بهذا الفراغ فور الانتهاء من جنازة عبد الناصر المهيبة التي لم تعرف مصر مثيلاً لها في تاريخها القديم والحديث.  وعكست هذه الجنازة ومشاعر الناس الحادة فيها خوف المصريين من المستقبل أكثر مما عكست حبهم للزعيم الراحل.

وتولى السادات الحكم ووجد نفسه وحيداً ومطالباً بمهام جسيمة، دون أن يكون له رجال يأتمرون بأمره. وفي المقابل فقد حاول الناصريون والشيوعيون الذين اعتبروا أنفسهم شركاء في الحكم أن يشوهوا صورته، فخطط بذكاء لإقصائهم، فيما عرف باسم حركة التطهير أو التصحيح عام 1971. وفي نفس الوقت وجد الأقباط الفرصة سانحة لاقتناص بعض المكاسب في فترة التحول وقبل استقرار الأوضاع، تعويضاُ عما اعتبروه سنوات من الضنك والتضييق في عهد عبد الناصر. وكان البابا شنودة قد تولى منصبه الرسمي قبل شهور من تولي السادات الحكم، فشرع في بناء بعض الكنائس دون موافقة رئاسة الجمهورية كما تقضي بذلك القوانين المتبعة، في محاولة منه لاختبار القوى، ودفع مئات القساوسة والرهبان لإقامة الصلاة عنوة في كنيسة الخانكة التي شيدت على عجل  ودون تصريح، ولكن السادات فوت عليه الفرصة، ولم يعبأ بسقوط بعض القتلى في مواجهات مع رجال الأمن.

وهكذا وجد السادات نفسه بين فكي الناصرين والنصارى، فأحاط نفسه بعدد من المستشارين المخلصين له من أمثال  عثمان أحمد عثمان، ومحمد عثمان إسماعيل (الذي تولى محافظة أسيوط فيما بعد) وسعد مأمون ومحمود جامع، وفوزي عبد الحافظ وحافظ بدوي وسيد مرعي وغيرهم. فأشاروا عليه بإحداث قدر من التوازن في تركيبة المجتمع السياسية خاصة مع اتجاهه لفتح المنابر والأحزاب السياسية. وكان هذا يعني عملياً المزيد من التقارب مع تيارات الإسلام السياسي الشعبية، والمزيد من التباعد مع رموز الكنيسة الرسمية، وعلى رأسهم البابا شنودة.

لا يزال الأقباط يذكرون للسادات تصريحه عام 1956 في جدة حين كان سكرتيراً لمجلس منظمة المؤتمر الإسلامي قال فيه: “بأنه خلال عشرة سنوات سوف يحول أقباط مصر إلى الإسلام أو يحولهم إلى ماسحي أحذية وشحاذين”. ومن المؤكد أن  التوسع الذي سمح به السادات لتيار الإسلام السياسي لم يكن يلقى ترحيباً من الأقباط، كما أن مواقفه المتشددة من عمليات بناء وترميم الكنائس تطبيقاً لشروط العزبي بك العشرة أدى حدوث عدد من حوادث العنف الطائفي، التي ميزت عهده الذي ابتدأ بحادثة الخانكة عام 1972 وانتهي بحوادث الزاوية الحمراء عام 1981 التي  وصل عدد القتلى فيها وفقاً لتقرير حكومي إلى 17 قتيلاً، بينما ترفع المصادر القبطية هذا العدد إلى 81 شخصاً.

وتذكر بعض المصادر القبطية أن السادات بعد أحداث الخانكة زار البابا في مقره ووعده بإعطائه 50 تصريحاً على بياض سنوياً لإنشاء كنائس جديدة، لكنه أخل بوعده وضيق الخناق على الأقباط حتى أن مجموع الكنائس الجديدة في عهده لم تزد عن 60 كنيسة في مقابل آلاف المساجد للمسلمين في الفترة نفسها. ومن جهة أخرى فقد استغل السادات تداعيات حادثة الزاوية الحمراء، فأصدر قراره بعزل البابا شنودة في دير الأنبا بيشوي. وهو ما اعتبره الأقباط قراراً باطلاً، لأن تعيين البابا جاء عن طريق اختياره بالقرعة الهيكلية بالكنيسة، وليس عن طريق الرئيس. وقد ظل البابا في عزلته حتى يناير عام 1985 عندما أصدر الرئيس مبارك قراراً بعودته. وقد أخذ الأقباط على مبارك تأخره في إصدار هذا القرار، رغم أن الرئيس مبارك فور توليه الحكم بادر بالإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين قبض عليهم السادات في سبتمبر 1981.

بعيداً عن الخلاف والتربص الشخصي بين السادات والبابا شنودة، فإن التغير الأكبر الذي أصاب الحالة القبطية تمثل في انتشار غير مسبوق للفكر المتشدد بين الكثير من شباب المسلمين، وهو فكر يستمد مرجعيته من فتاوى علماء السعودية، الذين لم يعرفوا ولم يختبروا معنى أن يعيشوا في مجتمع يشمل مسلمين وغيرهم، وفي دولة تحتكم إلى القانون وليس إلى اجتهادات القضاة الشرعيين .

و هكذا نشأ جيل كامل لا يحمل مشاعر ودية تجاه الأقباط، ولا يتردد في أن يجاهر بالعداء لهم، وينزلهم منزلة أدنى من المسلمين، ويضيق عليهم في المعاملة، ويتناول عقائدهم بالتجريح، ويعتبر -عن عقيدة- أن المسلم ولو كان عاطلاً وسكيراً، أفضل من المسيحي ولو كان عالماً مستنيراً… ليس فقط عند الله يوم الحساب، ولكن أيضاً في طابور الجمعية، وعند الحلاق وعلى مقعد الدرس والتعليم… وهو تصور بالغ في العنصرية والتعصب، ويخالف مقاصد الشريعة الإسلامية، لكنه انتشر بين العوام ولقي قبولاً منهم بغير مناقشة ولا تمحيص. وكان رد الفعل القبطي موازياً في المقدار ومضاداً في الاتجاه: فالمسلمون محتلون، وعمرو بن العاص ابن عاصية، ولويس التاسع عشر جاء ليحرر المسيحيين من الاضطهاد الإسلامي، وطلاب الجامعة الأقباط يخرجون للرد على الشعارات الإسلامية بشعار “لا إسلام بعد اليوم”.

و هكذا ارتفعت حوادث الهجوم على الكنائس في عهد السادات إلى نحو لم تعرفه مصر من قبل في تاريخها. الأمر الذي دفع بالأقباط إلى استجداء الحماية من الخارج في ظل عجز المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر الشريف) عن تصويب أفكار هؤلاء الشباب أو احتوائهم. و في المقابل  اخترع أقباط المهجر بالتنسيق مع أقباط الداخل بقيادة البابا شنودة نفسه فكرة التظاهر أمام السفارة المصرية في عواصم الدول التي كان الرئيس السادات يزورها، وإرسال الرسائل والمطبوعات إلى رؤساء الدول والوزراء والمنظمات الدولية مطالبين بالحماية والتدخل، وهو ما كان يثير حفيظة الرئيس إلى حد وصف هذه الأعمال بالخيانة.

ومن الإنصاف أن نشير إلى أن الطبقات المتوسطة والعليا من الأقباط استفادت من ظاهرة الانفتاح الاقتصادي التي دشنها السادات في أعقاب حرب 1973، وأنه برغم الحساسيات والمشاحنات التي وسمت علاقة البابا بالرئيس فإن عهد السادات كان جاذباً للرأسمالية القبطية وليس طارداً لها، بخلاف عهد عبد الناصر الذي شهد العديد من الهجرات خارج مصر، بل إن الكثير من الإمبراطوريات الاقتصادية القبطية الحالية بدأت من عهد السادات، وبمباركة حكوماته المتعاقبة.

ويعتبر الدكتور محمد عمارة أن للبابا شنودة توجهات سياسية واضحة انطلاقا من فكرة “عموم ولاية الكنيسة”، وهي فكرة حسب توصيفه لها تتشابه مع فكرة ولاية الفقيه التي جاء بها الإمام الخوميني، أو مع فكرة التنظيم العامي للإخوان المسلمين (هذه من عندي).. والحقيقة أن التوجه السياسي لدى البابا شنودة يتجاوز بمراحل ما كان عند أسلافه، كما أنه وضع في مواقف كانت تستلزم منه الحسم في إبداء الرأي ففعل ذلك بغير مواربة، و سيذكر له التاريخ نجاحه في زرع الثقة في أتباعه من شعب الكنيسة، وإخراجهم من حالة قبول الأمر الواقع والاحتماء بعقلاء المسلمين والاحتكام إلى تسامح تعاليمهم، إلى حالة التطلع إلى مزيد من المكاسب والندية في التعامل، والاستقواء بالخارج. وهو تطور لو تعلمون عظيم.

ووطنية البابا شنودة ليست محل تشكك، لكنها وطنية خاصة… وتقديمه مصلحة مصر فوق ما عداها مبدأ أصيل في قراراته وتصريحاته، لكنها ليست مصر بتركيبتها الحالية، وإنما مصر حسب ما يتمناه ويخطط له. وهو من هذه الناحية لا يختلف كثيراً عن قادة تيار الإسلام السياسي.

عرف البابا شنودة بجرأته ولباقته مع المصريين وغيرهم، وحين سأله جيمي كارتر عام 1977 عن رأيه في مسألة أن اليهود هم شعب الله المختار، قال: “إن اليهود ليسوا هم شعب الله المختار في الوقت الحاضر، وإذا كنا نعتقد أنهم شعب الله المختار فمعنى ذلك أننا المسيحيين لسنا مختارين من الله بالمرة”.

و عندما طلب منه السادات بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد دعوة أتباعه للحج إلى بيت المقدس.. في محاولة منه لتسريع عملية التطبيع على يد الأقباط بعد أن عجز عن تمريرها بين المسلمين، فوجيء برد البابا بأنه: “لا يرى الوقت مناسباً لتنفيذ هذا الاقتراح”، ثم عبر عن بعد نظره وحكمته قائلاً لمندوب الرئيس: “إن المشاكل التي تفصل مصر عن بقية العالم العربي ستحل ذات يوم وأنا لا أريد أن يكون أقباط مصر هم خونة الأمة العربية حينما تعود المياه إلى مجاريها”. و في محاولات متكررة لإحراج الحكومة أعلن بعد ذلك أكثر من مرة أنه “لن يضع يده في يد إسرائيل ما دامت تحتل القدس وتقتل الفلسطينيين”، وأنه “لن يزور القدس إلا ويده في يد إخوته المسلمين”.

و بإعلان السادات في أغسطس 1977، عزم السلطة على إصدار قانون الردة، الذي يعاقب كل مرتد عن الإسلام (يعني متحول إلى المسيحية) بالإعدام. شعر الأقباط بالتهديد، فتحركوا. وفي 5-9-1977، بناء على نداء من البابا شنودة الثالث، بدأ الأقباط صياماً (وهو تقليد ديني قديم عند الأقباط والمسيحيين عامة، يلجئون إليه عندما يواجهون محنة شديدة)، استمر الصوم خمسة أيام، (وهو شكل من أشكال الإضراب عن الطعام) احتجاجاً على القوانين الإسلامية التي تدرس الحكومة المصرية تطبيقها والتي كما صرح مصدر مسئول في المقر البابوي في القاهرة، “تهدد المسيحيين في مجال المحافظة على دينهم”، واستمر مجمع الأساقفة الأقباط في حالة انعقاد دائم خلال فترة الصيام. وأعلن البابا شنودة أن مشروع قانون الردة يتنافى مع الدستور وينتهك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لأنه يستبعد أية عقيدة أخرى غير الإسلام، وبعد الضغوط والمفاوضات تراجعت السلطة المصرية، وفي 12-9-1977 زار ممدوح سالم، رئيس مجلس<span lang="AR-SA" dir="ltr" style="FONT-SIZE: 14pt; COLOR: blue; mso-bidi-font-famil

Advertisements