وسوم

غامر أحمد بخيت باشتراكه بهذه القصيدة، “الثقيلة” و”الخاصة” والمرتبطة بتجربة شخصية جداً له – لا زالت محل أخذ ورد شعوري ومعرفي وبوحي-  في التوحد مع النص القرآني. ومع ذلك عبر مع العابرين إلى المرحلة النهائية بترشيح النقاد.

ولا يغيب عن أحمد أن “أنكر الأصوات” هو صوت العارف ينطق قبل أوانه، لكنه قال لنفسه: تهمة تفوت ولا حد يموت. وأحمد سيد العارفين أن أوان النطق هناك لا هنا، وأن الحكم الحقيقي ليس لجنة نقاد، ولا تصويت جمهور.. وإنما حكم عدل خبير كريم.

سيستمتع بالقصيدة – مثلي- من يقرؤها على مهل وبصوت عال، ويكرر أبياتها كأنه هو من كتبها… وسينفر منها من يعتبرها شعراً كأي شعر وكلاماً كأي كلام…

“لا أفق لي”: القصيدة … ثلاثة تواريخ ومستقبلان… تاريخ الأرض، وتاريخ الفتنة، وتاريخ العارفين… ومستقبل البشرية، ومستقبل الشاعر.   

احترم أحمد جلال المعنى، ولم يلعب لعبة الصور الشعرية المدهشة التي لا أظن أحداً في العربية يضاهيه فيها بدءاً من البحتري وأبي تمام حتى محمود درويش وأحمد مطر… كما فعل في مجاراته لقصيدة مسكين الداري عن ذات الخمار الأسود، التي سمعتها منه فأدخلني في جوها وكأنها كليب تليفزيوني في ثلاثة أبعاد صورة، ودولبي خماسي صوتاً، وحدائق ياسمين وريحان شماً وعبقاً.

“لا أفق لي” تخاطب الحاسة السابعة، لم يلعب فيها لعبة الصور التي يجيدها كشاعر قدير، بل ركع معها ركعة العرفان التي تتفق مع العميق المدفون في قلبه والرصيد الراسخ في قيمه كعبد وإنسان وحامل رسالة.

أحمد بقصيدته تلك يؤكد لنقاده: إياكم أن تنصفوني بأني شاعر الغزل أو شاعر الوطن أو شاعر الدين.. أنا يا جماعة: لا أفق لي… أنا الراؤون.. والأفق.  

…..


لاَ أُفْقَ لِيْ إنَّنِي الراؤونَ… والأفُقُ
صَمْتُ الْجِبَالِ الَّتِي فِي ظِلِّهَا صُعِقُوا
…..
لَمَّا أَضَاءُوا نُجُومًا، فِي غُضُونِ دُجًى
أَجَّلْتُ مَوْعِدَ إِشْرَاقِي، لِيَأْتَلِقُوا
…..
إِنِّي لِفَرْطِ حَنَانِي، كُلَّمَا كَذِبُوا..
أَشْفَقْتُ مِنْهُمْ، عَلَيهِم، قَائِلاً: صَدَقُوا
…..
أَنَّىيُطِيقُونَ نَارَيْ فتنةٍ، وهدًى
مَنْ لَو رَأَوا جَنَّةَ العِرْفَانِ لاَحْتَرَقُوا

…..
آتٍ لِكَيْ آخُذَ الصَّحْرَاءَ مِنْ يَدِهَا
مَشْيًا عَلَى الْمَاءِ وَالصَّحْراءُ لاَ تَثِقُ
…..

مَعِي عَصَايَ، وَأَلْوَاحُ الْعُصُورِ مَعِي
بِي -لاَ بِغَيْرِيَ- هَذَا الْبَحْرُ يَنْفَلِقُ
…..
أَجُرُّ دُنْيَايَ خَلْفِي مِنْ ضَفَائِرِهَا
إلى طريقي وقد هاءتْ لِيَ الطُّرُقُ
…..
لا َ يَزْهُوَنَّ بَلِيْد ٌ مَا بِعِفَّتِهِ
حَتَّى يَكُونَ بِقَدْرِ الْعِفَّةِ الشَّبَقُ

رَهْطٌ مِنَ الغَيْبِ، فِي الْلاَغَيْبِ ضَيْفُ دَمِي
لَمَّا نَطَقْتُ، بَكَوْا، لَمَّا بَكَوْا، نَطَقُوا
…..
مَا ثَمَّ إلاَّ حُرُوفٌ صَفَّهَا قَلَمٌ
فِي صَفْحَةِ الْمَاءِ، وَالْقُرَّاءُ قَدْ سَبَقُوا

…..

هَا قِصَّةُ الأَرْضِ: مَقْتُولٌوَقََاتِلُهُ
وَأُمُّ سِتِّ دُمُوعٍ، قَبْلَنَا خُلِقُوا
…..
وَحْدِي عَلَى صَخْرَةِ الأَعْرَافِ أُشْهِدُكُمْ
أَنَّ الْعُصُورَ جَمِيعًا ذَلِكَ الرَّمَقُ

مَا زَالَ فِي “الْكَهْفِ” سِرٌّ، وَ”الرَّقِيمُمَعِي
طُوبَى لِمَنْ قَالَ: رُوْحُ الْوَردَةِ العَبَقُ
…..
أُمِّيَّـتِيتَقْرَأُ الدُّنْيَا، وَتَكْتُبُهَا
كَأَنَّهَا، وَكَأَنِّي: اللَّيْلُ، وَالْفَلَقُ
…..
كُفْءٌ لِحَنْجَرَةِ الأَجْيَالِ أُغْنِيَتِي
وَكُفْءُ كُلِّ غِنَاءٍ صَمْتِيَ اللَّبِقُ

 

Advertisements