الوسوم

مقدمة

أنزل الله تعالى القرآن الكريم لنقرأه ونتدبره، ونستخلص منه المعاني والأحكام والعظات البينات. والقرآن الكريم معجز بألفاظه وحروفه، وهو كذلك معجز بمعانيه ودلالاته. وهو يصل إلى الجميع بدءاً من الطفل الصغير وحتى الشيخ الفاني، وتقبل على سماعه المرأة الأمية و أستاذ الجامعة، ولكنه يصل بدرجات متفاوتة.. كما أن تأثيره الروحي لا يقتصر على من يجيدون العربية، ولا حتى على المسلمين وإنما يتعداه إلى غيرهم، وهذا باب عجيب من أبواب الإعجاز القرآني.

و القرآن عربي مبين، وهذه الإبانة في ذات النص القرآني لا تنفي اختلاف التلقي باختلاف المتلقي. ولا يشترط العلماء أن يقرأ القرآن من يجيد أسرار العربية، كما أن فهمه ليس قاصراً على علماء اللغة والتفسير.. ولذلك فلا يخلو عصر من العصور من كتب جديدة للتفسير لأنه بحر لا ساحل له، وعطاء لا ينفد، ومعين لا يكف عن الإرواء فقط لمن يعرف طريق الدلاء. وخلاصة ما يقال عن أبواب الإعجاز القرآني في حقوله المختلفة: العلمي والعددي والتشريعي والاقتصادي واللغوي، يمكن جمعه تحت لفظ واحد هو “الإعجاز البياني”… والكشف عن الإعجاز البياني باب مشترك بين التفسير والتأويل.

 والكثير من آيات القرآن الكريم هي نصوص مفتوحة للتأويل، والظاهر منها الألفاظ والباطن هو المعاني والاستدعاءات والدلالات. والمصحف الذي بين أيدينا مرتب على “السور”، لا على المواضيع من فقه وسيرة وعقيدة، ولا على ترتيب النزول… وهذا مقصود ليعطي القاريء والمتدبر قدراً من الحرية في السياحة في النص الشريف، تشي به كلمة “التدبر”، والتي تعني العودة والنظر إلى الخلف، وكأن القرآن يقرأ بطريقة دائرية لا طريقة متتالية كما يقرأ أحدنا رواية أو كتاباً، لا نستوعب الفصل الخامس إذا فاتتنا الفصول الأولى.

 وفي القرآن محكم ومتشابه، والذين يتبعون الهوى يجرون وراء المتشابه بحثاً عن تعارض متوهم، أو معنى غريب شاذ، أو تفسير باطني يؤيد نظرية خاصة، وهذا “تحريف للكلم عن مواضعه”.. وليست هناك قائمة بالمحكم، وأخرى بالمتشابه يعرفها العلماء ويتداولونها بينهم. وهذا يعني أن كل محكم واضح بين قاطع هو بمعنى من المعاني متشابه به قدر من الغموض. وكل ما نظنه غامضاً هو بمعنى من المعاني واضح قاطع.

 هل هناك أوضح من قوله تعالى “بسم الله الرحمن الرحيم”… أو “إياك نعبد وإياك نستعين”؟ ما قولك إذن في أن مجموع ما كتب فيهما من أقوال المفسرين القدماء والمعاصرين، إذا حذفت منه المكرر والمنقول يتجاوز الألفي ورقة؟! هل ينقصنا شيء إذا لم نعرف ما قاله العلماء في هذه الأوراق؟ لا ينقصنا شيء عملي يمكن أن يحاسبنا الله على الجهل به، وينقصنا الكثير مما نحتاجه لنكون أكثر معرفة بأنفسنا وبربنا وبالكون حولنا.

 والمخلصون من المتعاملين مع القرآن الكريم يهديهم الله إلى بعض الكشوفات والمنح الربانية، التي يختص بها أقواماً ويحجبها عن آخرين. وستظل في القرآن الكريم آيات لا يعلم تأويلها إلا الله، ويدخر معناها الحقيقي لآجال آتية لا يجليها لوقتها إلا هو، ومنها ما يحتفظ به سبحانه لنفسه، أو يختص به أولياءه وأصفياءه، ومنها ما سيبقى تأويله مجهولاً إلى يوم البعث.

 و قد أورد السيوطي في الإتقان قول أبي الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها، و قول ابن النقيب: ظهر الآيات ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق.

 ثم علق على قول بعض العلماء الذين بالغوا فقالوا: “إن لكل آية ستين ألف فهم”، بقوله:  “فهذا يدل على أن في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا، وأن المنقول من ظاهر التفسير وليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع، لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. ولا يجوز التهاون في حفظ الظاهر بل لا بد منه أولا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر. ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب.”

 وللصوفية في هذا الباب اجتهادات كثيرة، منها ما تقبله النفس وتحبه وتعجب به وتتعلق، ومنها ما تنفر منه وتتحفظ وتقف منه موقف الريبة والشك أو على الأقل عدم الفهم والقبول، وهو ما يسميه العلماء “التفسير الباطني”. يعجبني مثلاُ  الفهم الإضافي لبعضهم في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار”،  والذي أضاف إلى الفهم المباشر للآية من الأمر الصريح بقتال الكفار: أنها أيضاَ دعوة إلى مواجهة النفس الأمارة بالسوء، فالأمر بقتال من يلينا يشمل النفس، ونفس الإنسان هي أقرب شيء إليه.

 و لا شك أن التوسع في هذا الباب مدعاة لزلل كبير، وأخطاء عديدة ممن “يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله”.  ومن هؤلاء من قرأ قوله تعالى “من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه” على هذا النحو:

من ذل (من الذل)

ذي (اسم إشارة المقصود به النفس)

يشف  ( من الشفاء)

ع (أمر من الوعي)

والمعنى عنده: (من ذل نفسه يشف من كل مكروه وسوء، هذا أمر الله فكونوا على وعي به).

وهذا تكلف غير مبرر، وتلاعب بالألفاظ منكر، قال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن فاعله إنه ملحد: وقرأ قوله تعالى: “إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا”.

 و قد كان الإمام الشيخ الشعراوي من الحصافة والفطنة ما جعله يعتبر تفسيره للقرآن الكريم “خواطر”، و قد أخرج بذلك نفسه من عبء التفسير وشروطه، دون أن يخالفها أو يتعارض معها، ولكنه منح نفسه قدراً أوسع من التعامل الرحب مع الكتاب الكريم، لا يتوقف فيها أمام اللفظ المباشر في الموضوع المحدد، وإنما يضيف إليها من المعاني والمواجيد التي يجدها عند التلاوة أو قراءة التفسير، بما لا يخالف المعنى الأصلي، ولا يحدده وإنما يستشرف منه عطاء إضافياً ومدداً موصولاً.

 وأعلم أن هناك من  العلماء من يتحفظ كثيراً أمام هذا النوع من التفسير،  ويعتبره من باب التفسير بالرأي المنهي عنه في الأحاديث الصحيحة، ولست هنا في معرض المناقشة التفصيلية لحجج الفريقين، ولكني مع عدم تضييق الواسع، والبحث المستمر عن أوجه جديدة في الفهم والتأويل لآيات الكتاب الكريم ليكون عطاؤه ممتداً ومناسباً لكل قاريء، وليحتفظ بجدته وطراوته وكأنه “نزل للتو”، وهو معنى عظيم من معاني “التنزيل”، الذي يفيد الاستمرار في الزمن.

 وشاهدي في ذلك قول ابن عباس وابن مسعود.  قال ابن عباس: “إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته فمن أوغل فيه برفق نجا ومن أوغل فيه بعنف هوى أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن فظهره التلاوة وبطنه التأويل فجالسوا به العلماء و جانبوا به السفهاء”،  و قال ابن مسعود:  “من أراد علم الأولين والآخرين فعليه بالقرآن”. وظاهر أن ما قاله الصحابيان الجليلان ابن عباس وابن مسعود لا يحصل بمجرد القراءة العابرة للنص القرآني، ولا التفسير الظاهر لما غمض من ألفاظه وكلماته، ولا التوقف عند ما ورد من أحاديث في أسباب النزول.

 في الصفحات القادمة، أستعرض بعضاً من تعليقات عدد من العلماء والعارفين الكبار على بعض آيات القرآن الكريم، وأرجو ألا يعتبرها القاريء الكريم تفسيراً جديداً للآيات، وإنما يتأملها باعتبارها من المعاني الإضافية والمواجيد الخاصة، وهو لا يذهب مذهب الشرح للألفاظ القرآنية الشريفة، وإنما هو مجرد ذكر للمثيل والنظير، فإن الشيء بالشيء يذكر، و النظير بالنظير يورد. ويبقى المعنى الأصلي قائماً، أما هذه المعاني الخاصة فهي خاصة بأهل العرفان.

 وقد عرض الرجلان من بني إسرائيل على النبيين الكريمين داود وابنه سليمان قصتهما عندما نفشت في الحرث غنم الرجل، فحكم داود بحكم، وحكم سليمان بآخر، وعقب القرآن الكريم قائلاً:

“ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً”.

 والله الموفق والمعين.

Advertisements