الوسوم

“فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”

جرت على لسان آدم مع الحق – سبحانه – كلماتٌ، وأسمع الحقُّ – سبحانه – آدمَ كلماتٍ، وأجمل الحقُّ سبحانه القولَ في ذلك إجمالاً ليُبْقي القصة مستورة، أو ليكون للاحتمال والظنون مساغ، ولما يحتمله الحال من التأويل متسع. والغالب أن كلمات آدم عليه السلام كانت اعتذاراً وتنصلا، وكلمات الحق سبحانه كانت قبولاً وتفضلاً.

قال الفشيري: ومخاطبات الأحباب لا تحتمل الشرح،  ولا يحيط الأجانب بها علماً، وعلى طريق الإشارة لا على معنى التفسير والتأويل، والحكم على الغيب بأنه كان كذلك وأراد به الحق سبحانه ذلك يحتمل في حال الأحباب عند المفارقة، وأوقات الوداع أن يقال إذا خرجت من عندي فلا تنسَ عهدي، وإن تَقَاصَر عنك يوماً خبري فإياك أن تؤثر عليّ غيري، ومن المحتمل أيضاً أن يقال إن فاتني وصولك فلا يتأخَّرَنَّ عني رسولُك .

فوائد عزيز

كيف تنظر إلى أبيك آدم عليه السلام؟ هل هو ذلك العاصي الذي ورطنا في هذه الدنيا، والذي لولا رحمة الله به لهلك وهلكنا؟ هل هو المخالف لأمر ربه، لشهوة في نفسه وضعف في يقينه، وإصغاء لإغواء الشيطان وزوجته؟

ما رأيك في أن تفهم الأمر كما فهمه الشيوخ المحققون الذين يزنون المواقف ويفهمون الآيات بميزان التسليم لقدر الله والتوقير لأنبياء الله تعالى… وهو ما لخصه السيد أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه في قوله: “أكرم بها من معصية أورثت آدم الخلافة وسنت التوبة لمن بعده إلى يوم القيامة ، والله ما أنزل الله آدم إلى الأرض لينقصه إنما أنزله ليكمله”…

 وهذه محاولة لشرح ما لخص به المسألة الشيخ الجليل…

 البداية الحقيقية لقصة آدم عليه السلم هي قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً. إذن فمراد الله تعالى من خلق آدم أن يكون خليفة الله في الأرض، وليس رفيق حواء في الجنة… كانت الجنة في البداية خطوة على الطريق ولم تكن إذن منحة وميزة حصل عليها آدم ثم فرط فيها…

 ولو شاء الله أن يخلق الله آدم في الأرض من أول يوم لفعل، لكنه تعالى بتدبيره وحكمته شاء أن تمر القصة بالمراحل التي نعلمها، لتكون لنا عظة وعبرة. وفي الحقيقة فلم يكن آدم عليه السلام ليفعل ما فعل إلا بقدرٍ من الله كان سابقاً على خلقه.

 ماذا دبر آدم لنفسه وماذا دبر الله له؟ دبر آدم لنفسه أن يأكل من الشجرة حتى يبقى بجوار ربه مخلداً فى الجنة… وهو تدبير يدل على عظم تعلق آدم بربه، ودبر الله له أن يأكل من الشجرة – مخالفة لأمر الله وبقدر من الله سبق خلق آدم نفسه – لينزله إلى الأرض.. والدرس لنا:  تدبير الحكيم لآدم أفضل من تدبيره لنفسه .وتدبير الله لنا أفضل من تدبيرنا لأنفسنا حتى لو ظننا أننا بهذا التدبير نتقرب إلى الله… الدرس لنا: لا يتقربن أحدكم إلى ربه بمخالفته..

قال تعالى ” ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى”. الله يتحدث عن أن هبوط آدم من الجنة إلى الأرض كان الطريق إلى: اجتباء وتوبة وهداية.  الهبوط إذن لم يكن إبعاداً أو جفاءً أو عقوبة.  بل هو  في جوهره إذعان للقدر. في ظاهر الأمر كان فعل آدم نسياناً ومعصية وغواية، وفي باطنه وعلى حقيقته لم يكن إلا طاعة لمشيئة الله وقدره. فالهبوط إذن هبوط مكانٍ لا هبوط مكانة. والدرس لنا: يا معصيتى لولاكى ما كنت مجتبى.

أخطأ آدم في التقدير والتدبير، وهذا شأن البشر. وأحسن الله تعالى في التقدير والتدبير وهذا شأن العليم الخبير. أكل دم من الشجرة، وعرف خطأه واعترف به، وتاب. هذا فعل آدم فماذا فعل الله تعالى: رفع من قدره واجتباه وحمله الأمانة و منحه رتية الخلافة وهى الرتبة التي استحق بها أن تسجد له الملائكة.

 ولم  لم يكن من فضل آدم على البشر إلا أن جعل لهم التوبة ميراثاً يتوارثونه ويتقربون به إلى الله عز وجل فيأمنون لكفاه ذلك فخراً على أبنائه. وفي القرآن الكريم نال كل أبناء آدم هذا الشرف العظيم وهذه المكرمة الغالية، وهي مكرمة “أخطئوا لتتوبوا”.

 ” قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ “

 

Advertisements